الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 80، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يأمر الله المؤمنين بالإنفاق من رزقهم في كل وجوه الخير، مكتفياً بالتبعيض رحمةً بهم، وحثّ على الصدقة ولو بالقليل كما في حديث شق التمرة. وتكون هذه النفقات مدخرة ليوم لا ينفع فيه بيع ولا شفاعة.
توضح الآيات أن النفقة في سبيل الله تُضاعف أضعافاً كثيرة وتُحفظ لصاحبها يوم القيامة. وينعدم في ذلك اليوم البيع والشراء والتبرعات والشفاعة إلا بإذن الله، وتكون الشفاعة لأهل التوحيد فقط.
يدرك الإنسان يوم القيامة أن الحياة الحقيقية هي الآخرة، وتنقطع فيه جميع الأسباب الدنيوية من نسب ومال وجاه. ولا ينفع إلا الإيمان والعمل الصالح، والمال والبنون لا يقرّبون إلى الله إلا إذا استُعين بهما على طاعته، والكفر هو أعظم الظلم.
يختتم المتحدث حديثه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين. ثم يتوجه بالشكر للحضور على استماعهم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]. قال رحمه الله: يحث الله المؤمنين على النفقات في جميع طرق الخير، لأن حذف المعمول يفيد التعميم. فالله عز وجل أمر بالإنفاق: ﴿ أَنفِقُوا ﴾، هذا فعل أمر، والمعمول الذي هو المفعول به لم يذكر لإفادة العموم، يعني: أنفقوا في كل عمل من الأعمال أو طرق من طرق الخير، فيشمل ذلك كل ما يحبه الله جل وعلا ويرضاه، وكل ما يتقرب به إلى الله جل وعلا بباب الإنفاق والصدقة. ويذكرهم نعمته عليهم بأنه الذي رزقهم ونوّى عليهم النعم: ﴿ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾، وما هنا اسم موصول بمعنى الذي، أي: مما رزقناكم. فأخبر الله عز وجل أن ما مع العباد من أموال وأمتعة فهي من رزق الله جل وعلا، الذي أعطاهم ذلك هو الله، والذي منّ به عليهم هو الله، والذي رزقهم إياه هو الله جل وعلا. فالله عز وجل يذكر العباد بأن ما عندهم من هذه النعم فهي منه سبحانه وتعالى، هو الذي رزقهم إياه، ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]. وقال: ونوّى عليهم النعم، فنعم الله جل وعلا لا تعد، إذا عدها الإنسان لا يستطيع أن يحصيها: ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]. وقال: وأنه لم يأمرهم بإخراج جميع ما في أيديهم، بل أتى بمن الدالة على التبعيض: ﴿ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾، أي: ببعض ما رزقناكم. لم يأمر جل وعلا بالإنفاق، أو بإنفاق جميع ما رزق الله جل وعلا العباد، لأن هذا فيه مضرة على العباد. لو أن الله عز وجل أمر الإنسان أن ينفق جميع ما يملك، سيتضرر؛ سينفق من ماله الذي يحتاج له، الطعام الذي عنده، الفراش الذي ينام عليه، الأواني التي يطبخ بها، المركب الذي يركبه، السكن الذي يسكنه، لا شك سيكون في ذلك مضرة عظيمة على الإنسان. لكن الله عز وجل إنما أمر أن ينفق الإنسان من بعض ما رزقه الله: ﴿ مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾، أي: من شيء قليل، أو من بعض الذي منّ الله سبحانه وتعالى به عليكم. وهذا من عظيم رحمة الله جل وعلا بالعباد، أنه لم يكلفهم الإنفاق بجميع ما رزقهم جل وعلا. قال: فهذا مما يدعوهم إلى الإنفاق، أن الله عز وجل لم يكلفهم شيئاً فوق طاقتهم، أو شيئاً يضرهم، إنما أمرهم بالإنفاق بالشيء اليسير، بالشيء اليسير، وهذا يدعو الإنسان إلى أن ينفق. إذا كانت النفقة، وإن كانت تعني شيئاً قليلاً مما يحبه الله جل وعلا ويرضاه، وتوجب على الإنسان... هذا يحثه على التصدق، ويحثه على الإنفاق. في حديث عديم لحاتم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فاتقوا النار ولو بشق تمرة، نصف تمرة تتصدق بها تتقي بها النار. اتقوا النار ولو بشق تمرة». ويقول عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصدقة جهد المقل»، يعني: الذي ينفق من الشيء القليل الذي عنده، هذا من أفضل الصدقة. فقال: «لا تحقرن من المعروف شيئاً». نعم، فليس يعني باب الصدقة مخصوصاً بالشيء الكثير، لا، ولو كان شيئاً قليلاً. قال: فهذا مما يدعوهم إلى الإنفاق، ومما يدعوهم أيضاً إخبارهم أن هذه النفقات مدخرة عند الله في يوم لا تفيد فيه المعاوضات بالبيع ونحوه، ولا التبرعات، ولا الشفاعات. نعم، هذه النفقات التي ينفقها الإنسان مدخرة، سيجدها عند الله جل وعلا: ﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ﴾ [المزمل: 20]، ﴿ مَّن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام: 160]. فله عشر أمثالها، الله عز وجل يضاعف هذه النفقات التي ينفقها الإنسان أضعافاً كثيرة: ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]. فسيجد الإنسان ما بذله وما أنفقه في هذه الدنيا، سيجده يوم القيامة مدخراً له، وقد ضاعف الله عز وجل له ما أنفقه أضعافاً مضاعفة. وفي ذلك اليوم، وفي ذلك اليوم يحتاج الحسنة الواحدة التي تنجيه من عذاب الله جل وعلا، وتكون سبباً في فوزه بنعيم الله جل وعلا في يوم القيامة. ليس فيه معاوضات، المعاوضة هو يعني تبادل البيع، بيع السلع بمقابل، فليس في يوم القيامة بيع ولا شراء، ولا كذلك التبرعات، أن يتبرع الإنسان بشيء من غير مقابل، كالصدقة والهبة والهدية والوصية والوقف، هذه تبرعات يتبرع بها الإنسان من غير مقابل. يوم القيامة ما في تبرعات، ما هي سيصدق عليك بالحسنات، خذ ما شئت من الحسنات، أبداً. حتى الأب ما سيتصدق على ابنه، ولا الابن يتصدق على أبيه: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس: 34-37]. ما يعرف أحد أحداً في ذلك اليوم، تنقطع الأنساب، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، كل واحد ينظر إلى أعماله وإلى نفسه وإلى ما قدم في هذه الدنيا. قال: ولا الشفاعات أيضاً، ما في شفاعات يوم القيامة، تقول: يا فلان اشفع لي عند الله جل وعلا أن يغفر لي، أو أن يدخلني الجنة، أو أن ينجيني من النار. ما في شفاعة في يوم لا بيع فيه: ﴿ يَوْمَ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ﴾. خلة يعني: صحبة ومحبة وصداقة، ما تنفع الصداقات يوم القيامة، لا يستطيع المحب أن ينفع حبيبه، ولا الصديق صديقه، ولا الخليل خليله. وهكذا يذكر ما لا تنفع الشفاعات. نعم، فقال: ولا الشفاعات، حتى النبي عليه الصلاة والسلام، الذي هو موعود بالشفاعة العظمى، ما يشفع لأحد إلا بإذن الله جل وعلا، بعد أن يأذن الله عز وجل ويرضى الله عز وجل عن الشافع وعن المشفوع له: ﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255]، قال جل وعلا: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ﴾ [الأنبياء: 28]، ﴿ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ﴾ [النجم: 26]. نعم، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يشفع لأحد حتى يأذن، يأذن له الله بالشفاعة. أما أن يزعم الإنسان أنه يشفع لأتباعه، كما يدعي ذلك بعض المتصوفة الذين يضحكون على أتباعهم، ويقولون: ما عليكم، نحن سندخلكم الجنة، نضعكم في الشبك وعلى طول إلى داخل الجنة، ما عليكم إلا أن تكونوا معنا وافعلوا ما نأمركم به. هذه من الشفاعة المنفية، شفاعة الكافرين وشفاعة الظالمين التي نفاها الله عز وجل في القرآن في آيات متعددة. نعم، أما الشفاعة المثبتة فهي الشفاعة لأهل التوحيد، الشفاعة لأهل التوحيد، كما سئل النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال بهريرة - يعني: أبو هريرة -: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه». قال: فكل أحد يقول: ما قدمت لحياتي؟ يعني: كل إنسان يوم القيامة ينظر إلى نفسه وإلى ما قدم، إلى الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ [الفجر: 23-24]. يعني: يعلم في ذلك اليوم أن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، وأن الحياة الدنيا متاع الغرور، متاع فاني يزول وينتهي، وأن الحياة التي ينبغي أن يعمل لها الإنسان وأن يستعد لها هي الآخرة. قال: فتنقطع الأسباب كلها إلا الأسباب المتعلقة بطاعة الله والإيمان به. الأسباب كلها كما ذكر، ما يتعلق بأمر الشفاعة والأنساب والمحبة والصداقة، وكذلك أيضاً المعاوضة والمقابلة إلى آخر ذلك، هذه الأشياء كلها تنتهي يوم القيامة، لا ينفع إلا العمل بطاعة الله سبحانه وتعالى والإيمان بالله عز وجل. قال: فتنقطع الأسباب كلها إلا الأسباب المتعلقة بطاعة الله والإيمان به: ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88-89]. قال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سبأ: 37]. فأخبر الله عز وجل في هذه الآية أن الأموال والأولاد لا يتقرب الإنسان عند الله جل وعلا: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ ﴾، لا ينفع مال الإنسان ولا أولاده إن لم يستعن بهم في طاعة الله جل وعلا، وإلا لكانوا قصماءه يوم القيامة وأعداءه. فلا ينفع الإنسان في ذلك اليوم إلا الإيمان والعمل الصالح: ﴿ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾. ومن العمل الصالح تسخير هذه الأموال في طاعة الله، ها إذا وفق العبد إلى ذلك، هو لم ينتفع بحقيقة هذا المال أصل المال، لكن بتسخيره في طاعة الله جل وعلا، إذا أنفق هذه الأموال في طرق الخير وطرق البر، وفي أبواب الخير التي يحبها الله جل وعلا، فهذا مما ينتفع به الإنسان. وهكذا الأولاد، إذا سعى لتربيتهم وصلاحهم وكذلك استقامتهم، فهو أيضاً مما ينتفع بدعائهم له واستغفارهم له، وهكذا أيضاً ما يعملون من أعمال صالحة فينتفع بذلك، لكن بأصل الأولاد لا ينفعون، لأنهم كما سمعنا تنقطع علاقة النسب يوم القيامة، فلا ينفع الابن أباه، ولا الأب ولده. قال: ﴿ فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾، أي: في غرفات الجنة. وقال تعالى: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ﴾ [المزمل: 20]. وما تقدموا لأنفسكم من خير، وخير نكرة في سياق الإثبات وتفيد الإطلاق، أي: أي خير يفعله الإنسان، أي خير يفعله الإنسان، أو هنا نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، أو في سياق الشرط. نعم، ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ ﴾، إذن هي نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، فأي خير يقدمه الإنسان ويعمله في هذه الدنيا، قل أو كثر، كبر أو صغر، فإنه سيجده عند الله جل وعلا خيراً وأعظم. ثم قال تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. قال: وذلك لأن الله خلقهم لعبادته ورزقهم وعافاهم ليستعينوا بذلك على طاعته، فخرجوا عما خلقهم الله له، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، واستعانوا بنعمه على الكفر والفسوق والعصيان، فلم يبقوا للعدل موضعاً، لهذا حصر الظلم المطلق فيهم: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾، يعني: من أشد الناس ظلماً وأعظمهم جرماً، إذ لا ظلم أعظم من الكفر والشرك، فهذا هو أعظم الظلم، أكبر الظلم هو الشرك في عبادة الله جل وعلا، والكفر بالله سبحانه وتعالى. طيب، الله هنا... صلى الله عليه وسلم على ذلك، محمد، آله وصحبه أجمعين، آله وصحبه أجمعين. شكراً لكم.