تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 48

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 48

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ وأنواع الموالاة

يشرح العلامة السعدي الآية الكريمة مبينًا أن الموالي هم الذين يتولى الإنسان أمرهم وينصرهم، وتتنوع أسباب الموالاة لتشمل القرابة والإرث، وعتق العبيد، والإسلام على يد غيرهم، والحلف والعقود بين القبائل. وتأسيسًا على ذلك، يُحدد الشيخ طبيعة العلاقة والحقوق المترتبة على كل نوع من هذه الأنواع.

حقوق الموالي في النصرة والميراث واشتراط الطاعة

يفسر المقطع آية إعطاء الموالي نصيبهم، موضحًا أن الحلف والعقد يقتضي النصرة والمعاونة المالية بشرط ألا يكون في معصية الله. كما يؤكد أن الميراث حق ثابت للأقارب من الموالي، وينهى صراحة عن التناصر على الباطل وإيواء المحدثين.

أحكام توزيع الأنصبة في الميراث والكسب وحقوق الموالي العملية

يوضح المقطع أحكام الحقوق في الإسلام مؤكدًا أن لكل إنسان نصيبًا مقدرًا من الكسب والميراث بما في ذلك الموالي والأقارب، وينهى عن الحسد وتمني ما للغير مستشهدًا بالآية 32 من سورة النساء. ويستدل بحديث النبي ﷺ في وجوب إطعام المولى وكسوته من طعام سيده ولباسه مشددًا على عدم ظلم أحد في حقه.

شهادة الله على أعمال العباد وإحاطة علمه

تأمر الآية بإعطاء المستحقين نصيبهم وتؤكد أن الله شهيد على كل شيء، مطلع على أعمال العباد وحركاتهم وسكناتهم. ويختم المقطع بتذكير المؤمن بمراقبة الله في أداء الحقوق والواجبات تجاه الموالي وغيرهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: 33]. قال: أي: ولكل، أي من الناس، جعلنا موالي أن يتولونه ويتولاهم بالتعزز والنصرة والمعاونة على الأمور، مما ترك الوالدان والأقربون. وهذا يشمل سائر الأقارب من الأصول والفروع والحواشي. هؤلاء الموالي من القرابة؛ إن هذا أحيانًا الموالي يأتون من باب القرابة، بمعنى من باب الإرث: يرث الولاء، فيكون مولى لآل فلان، وهكذا نسله يكونون موالي لهم، فينتسب إليهم، فينتسب إلى هذه القبيلة: مولى القرشيين مثلاً، مولى المخزوميين، أو بني هاشم، أو مولى بني هاشم، وليس من أنفسهم، وإنما مولى، وأُعتق هو أو أباه أو أحد، أو كان مثلاً مولى لهم من ناحية القرابة، وغيرها. أقصد: من ناحية الإسلام؛ لأن الموالي كما قلنا يأتون من ناحية الأسر، فيكون مملوكًا ثم يُعتق، فيكون الولاء لمن أعتقه، أو يكون من ناحية الإسلام: يسلم على يد قبيلة فلان فينتسب ويتولاهم. أو أيضًا كذلك يكون الولاء من ناحية الحلف، من ناحية الحلف: يتحالف معهم في قبيلتهم أو كذا. مثل هذا الذي ذكره هنا ربنا جل وعلا، فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أي: حالفتموهم، بما عقدتم معهم من عقد المحالفة على النصرة والمساعدة والاشتراك بالأموال وغير ذلك. هذا معنى التولي من باب العقد، وهو الحلف: أن يتحالف مع قبيلة أخرى. قالوا: كل هذا من نعم الله على عباده، حيث كان الموالي يتعاونون بما لا يقدر عليه بعضهم مفردين. فقال تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أي: آت الموالي نصيبهم الذي يجب القيام به من النصرة والمعاونة والمساعدة على غير معصية الله. والميراث للأقارب الأذنين من الموالي، ونعطوهم نصيبهم. إن كان لهم حق في الميراث يعطوهم حقهم من الميراث، وإن كان أيضًا لهم حق النصرة والمعاونة في رضا الله جل وعلا، لا يكون في معصية الله، مثل ما تفعل بعض القبائل: يتناصرون حتى في معصية الله، فيقتل الإنسان منهم فيقومون وينصرونه، وأيضًا يوارونه حتى لا يقام عليه القصاص. وهذا باطل؛ لأن هذا من إيواء المحدث، وهذا لا يجوز؛ لأنها معاونة على باطل. فلها... وأما إذا كان لهم حق ونصيب فإنه يعطون. فقال: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾، أي: مطلعًا على كل شيء بعلمه لجميع الأمور، وبصيرًا لحركات عباده، وسميعًا لجميع أصواتهم. وخلاصة هذه الآية: أن الله عز وجل ذكر أن هناك أناسًا لهم حق قد يُنسى، فهم الموالي، فينبغي عليهم أن يعطوا نصيبهم. ولأن الله عز وجل يتكلم على هذه الآية في الحقوق، وأيضًا عدم ظلم الناس، فكذلك بين هنا. وأيضًا كذلك: أن الإنسان لا يحسد غيره على ما فضل الله عز وجل به من الخير ومن النعم، وأنه لا ينبغي له أن يتمنى ما ليس له، وإنما يأخذ حقه ويأخذ نصيبه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]. وأيضًا كذلك أراد الله عز وجل أن يذكرهم أيضًا أن هناك أيضًا موالية مما ترك الوالدان والأقربون، يتركونهم بالإرث، أو يكون بهم من المغالبة، لعجل القرابة، بمعنى: أنهم موالي لهذه القبيلة. فهؤلاء لهم نصيب: إما نصيب في النصرة والمساعدة والمعاونة، وإما نصيب في الميراث إن كانوا لهم شيء من الميراث في مواليهم أو في أقاربهم، وأيضًا والديهم، فإنهم يعطون ذلك النصيب، ولا يجوز لأحد أن يأخذ حقهم. وكذلك أيضًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الموالي وفي العبيد: «إخوانكم خولكم، فمن كان أخوه عنده فليطعمه مما يطعم، ويكسوه مما يكسو». أي: أنه يعطيه طعامًا إن كان عنده طعام، لا يجعله جائعًا وهو مولى له. معنى هذا: المولى ليس بالهين، معنى يتركه وهو مولى له يخدمه ويعاونه، فلا بد أن يعطيه حقه، يعطيه من الطعام، يعطيه من اللبس، يعطيه مما أعطاه الله عز وجل. ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾، أي: يشهد أعمالكم وحركاتكم وسكناتكم، وكذلك ربنا جل وعلا مطلع عليكم. فهذا معنى هذه الآية، والله تعالى أعلم.