الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الإسلام على أهمية الأخوة بين المسلمين ويحث على تأدية الحقوق لتعزيز هذه الأخوة. الشريعة وضعت تشريعات لتحقيق تماسك المجتمع.
الإسلام يحرم القطيعة والهجران بين المسلمين ويشجع على تعزيز روابط الأخوة من خلال المحبة في الله. هذا يعزز قوة المجتمع وتماسكه.
الإسلام يشجع على الهيئة الجماعية في مختلف جوانب الحياة، مثل الصلاة والصيام والحج، مما يزيد الترابط بين المسلمين. العبادات المتعدية أفضل من العبادات اللازمة.
المقطع الأخير يشير إلى الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر احترام وتقدير للنبي وأتباعه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن الركيزة الرابعة من الركائز التي اعتنى بها نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته منذ انطلاقها وبدايتها إلى منتهاها. وكانت الركيزة الرابعة هي في الحقيقة تتحدث عن حرص نبينا عليه الصلاة والسلام على الإخوة الإسلامية. وقد أشرنا إلى ذلك فيما كان من أمره في العهد المكي وما كان من أمره في العهد المدني. هنا، إخواني في الله، ينبغي أن نعلم أن عناية نبينا عليه الصلاة والسلام بهذا الجانب، وهو الحرص على الأخوة الإسلامية، لأن هذا الباب هو في الحقيقة يعد اللبنة الأولى لبناء المجتمع الكبير. فإذا أقيم هذا المجتمع بشيء من الترابط بين أفراده وبين أهله، فإن هذا سيولد في المآل مجتمعا عظيما قويا فتيا في دينه ودنياه. فكانت هذه الحكمة أن النبي صلى الله عليه وسلم حريص على أن يربي أهل الإسلام على مبدأ الأخوة فيما بينهم. ثم إخواني في الله، جاءت الشريعة بتشريعاتها العامة والخاصة على تأصيل هذا المبدأ، على زيادة أواصر الأخوة بين المسلمين. ها هنا، إخواني في الله، سأشير إشارات سريعة إلى بعض الدلالات التي دلت عليها الشريعة فيما يؤدي في الحقيقة إلى زيادة أواصر الأخوة والترابط بين المسلمين. من ذلكم مسألة تأدية الحقوق. الإسلام أتى بحقوق، وهذه الحقوق ينبغي أن يؤديها كل مسلم لأخيه المسلم. أنت تؤديها له، وهو يؤديها لك، ليس هذا اختيارا، لا، هذا إلزام وإيجاب وحتم وفرض. فمن حقوق المسلم على المسلم ما جاءت به الأحاديث، من ذلكم رد السلام، وتشميت العاطس، واتباع الجنائز، وعيادة المريض، وهكذا إجابة الدعوة، وما يكون إذا استنصحك فانصح له، وما يكون عن الكف عن أذيته، وهكذا بوجوب إعانته ومناصرته، وبتعامله وبالتعامل معه على أكرم الأخلاق وعلى محاسن الآداب. وما يكون كذلك من وجوب نصرته في وقته وفي بابه وفي حينه، وعدم خذلانه، وهكذا بما يكون من ضرورة إحسان الظن به، وأن تلتمس له المعاذير. وهكذا، قس يا عبد الله، حقوقا كثيرة جاءت بها الشريعة، ليس مقام ذكرها. وهذه حقوق عامة، فما ظنك إذا فصلنا في الحقوق الخاصة؟ ما يتعلق بالحقوق الأسرية، حقك مع والديك، حقوقك مع الأولاد، مع الأزواج، حق الأقارب والأرحام، حق الجيران، وهكذا حق الصغار، حق الكبار. حقوق أنت تعيش، يا عبد الله، ملزما بمواثيق، لكنها مواثيق شرعية. فكر في هذه الحقوق، لماذا؟ ما مؤداها؟ أنت تؤديها لغيرك، وغيرك يؤديها لك. هي في الحقيقة زيادة، زيادة تقوية بين الأفراد، لأن هذا يزيد في قوة المجتمع في تمسكه وترابطه. لكن انظر إلى مجتمع ما يؤدي المسلم حق أخيه المسلم، كيف يكون في غاية من الضعف والهزال؟ لكن تأدية الحقوق تؤدي إلى زيادة قوة المسلمين فيما بينهم. مما يدلل به كذلك من تشريع الشريعة فيما يعود على المسلمين بزيادة الأخوة ما جاءت به الأدلة من تحريم القطيعة، تحريم الشحناء، تحريم الهجران، تحريم البغضاء، وأنها من المعاصي ومن الآثام، وأنها من أكبر الكبائر. وأنه لا يجوز بحال أنك ترفع راية القطيعة كما نرى في مثل هذه الأزمان. في هذه الأزمان تجد الواحد يهجر من شاء ويقاطع من يشاء، الأمر ليس عبثا، يا عبد الله. هجرانك حكم شرعي يستوجب منه آثام ومعاص وذنوب بلغت من ذنوب القطيعة والشحناء أنها سبب من أعظم أسباب رد الأعمال. انظر، هذين الحديثين: «حتى يصطلح المتشاحنان لا يقبل لهما عمل حتى يصطلح مع أخيه المسلم». وإذا تمادى الإنسان في قطيعته، تمادى من غير مبالاة، يزداد إثمه ويعظم وزره. قال عليه الصلاة والسلام: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه». وهكذا قصة عبد الله بن عمرو بن العاص، وما يتعلق بمغبة آثام القطيعة والهجران كثيرة وكثيرة جدا، وكلها تدل على أن الإنسان لا يقدم أبدا على هجران أخيه المسلم. حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال». ما يحل أبدا أنك تهجر مسلما كائنا من كان. بل وصل بحق المسلمين في هذا المقام إلى أن الشرع ألغى ونفى ومنع كل ما يؤدي إلى القطيعة، ليس القطيعة فقط محرمة، بل الموصل إليها. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا». كل هذه الأشياء كما قال العلماء إنما هي مقدمات للقطيعة، حرمها الشرع. حرم التحاسد، حرم التناجش، حرم التباغض، حتى لا نصل إلى القطيعة. فما ظنك بالقطيعة إن وصلنا إليها؟ الشرع حرمها، جعلها محرمة. ومن هنا كان من أعظم ما يريده الشيطان منا، معاشر المسلمين، أن يقطع أواصر الأخوة فيما بيننا، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. هذا قصده، وهذا أمله: التفكيك الأسري، التفكيك الاجتماعي، التفكيك بين الجيران، التفكيك بين الأصحاب والزملاء. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن رضي بالتحريش بينهم». التحريش، ولا زال تحريشه قائما. الشاهد أن مما يدلل به على حرص الشريعة الإسلامية على زيادة رابط الأخوة بيننا أن حرم القطيعة وجعلها من الذنوب العظام. ثالثا، مما يدلل به على أن الشريعة تريد بقاء هذه الأخوة قوية فتية أنه جعل لهذه الأخوة الإسلامية جعلها تتحول إلى عبادة، بل إلى عبادة جليلة وعبادة عظيمة يتقرب بها العبد إلى ربه، وذلك إذا ألبست بلباس المحبة في الله. نعم، أنت أخي مسلم، أخي ألتزم بما ألتزم به، وأنت تلتزم بما تلتزم به، أخوة إسلامية. لكن إذا أردت، يا عبد الله، أن هذه الأخوة تبقى عبادة أتقرب بها إلى الله جل وعلا، إذن علي أن أصبغها بصبغة المحبة في الله. فأنت أخي، لكني أحبك في الله ولله وبذات الله جل في علاه. فما أماشيك ولا أصاحبك إلا لأنني أحببتك في الله، لصلاتك، لتقواك، لورعك. هذه المحبة هي علاقة خاصة بين المسلمين، فعلها عبادة، أداؤها زيادة التقوية بين المسلم. ومن هنا لعظيم ثمرة الأخوة المحبة في الله، وفي تقويته أواصر الأخوة الإسلامية، جعل ربنا جل وعلا في حقها الفضائل العظيمة. فالمحبة في الله، يا عبد الله، هي سبيل لأن يظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. المحبة في الله، يا عبد الله، هي الطريقة والوسيلة التي بها توجب وتتنزل بها محبة الله لك. «وجبت محبتي للمتحابين في الله». من أعظم أسباب ذوق حلاوة الإيمان. «من كان من حب فلانا كما قال نبينا، ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، ومنها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله». ولست في صدد ذكر فضائل المحبة في الله، لكن أردت أن أبين أن الإسلام أراد أن يقوي رابطة الأخوة الإسلامية، فأتى لنا بهذه الشعيرة العظيمة، وهي من أعظم شعائر الإسلام والإيمان، ألا وهو الحب في الله. رابعا، مما يدلل به أيضا على أن الشريعة الإسلامية تريد من زيادة رابطة الأخوة والتماسك فيما بيننا، تجد أن الشريعة كثيرا ما تهدف إلى ما يسمى بالهيئة الجماعية. الإسلام يريد المسلم أن يكون مع إخوانه، لا تنعزل، كن مع إخوانك. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس». الذي يخالط مع وجود الأذى ويصبر، هذا خير وأفضل. لكن خالط الناس، كن مع إخوانك، كن مع المسلمين. ثم جاءت هذه الهيئة الجماعية في كل أحوالنا، حتى في شؤون عباداتنا. تجد أن جل العبادات، الله عز وجل جعل فيها الهيئة الجماعية. عن رأس العبادات الصلوات الخمس تعد جماعة، بل جعل ربنا فيها من الأجر المضعف ما ليس لمن يصلي لوحده. «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته بسبع وعشرين درجة». وفي رواية: «بخمس وعشرين درجة ضعف». فكيف بمن يقول بأن صلاة الجماعة واجبة؟ ما ينبغي أن تفرط فيها. وكلما كنت، يا عبد الله، في صلاة جماعة والمسجد فيها عدد أكبر، كان فيها الأجر أكثر. قال عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاة الرجل لوحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاة الرجل مع الرجل، وكلما كان أكثر كان أفضل». هذا ماذا يهدف؟ يهدف على أنك تبحث عن عدد، لا تبقى منعزلا، تبقى مع إخوانك، تأتي مع الجموع. وهذا الحكم، الهيئة الجماعية في الصلاة، ليست في صلاة الجماعة فقط، بل في أكثر الصلوات: الكسوف جماعة، الخسوف جماعة، الاستسقاء جماعة، صلاة العيد جماعة، صلاة الجمعة جماعة، صلاة الجنازة جماعة، تراويح جماعة. تجد أن صلوات الإسلام يهدف إلى أن تكون مع المسلمين، هذا ماذا يؤدي؟ إلى زيادة التلاحم بينك وبين إخوانك. في هذه الشعيرة العظيمة تؤدي ما لله وتؤدي ما لإخوانك. وليس هذا في الصلاة فقط، الصيام نؤديه مع الجماعة، الحج نؤديه مع الجماعة، وهكذا. قس يا عبد الله سائر الطاعات. ليس هذا فحسب في باب العبادات، بل حتى في باب العادات، الإسلام يشجع على الهيئة الجماعية حتى في باب عاداتنا، في مأكلنا، في مشربنا. أردت أن تأكل، كل، لكن نكل مع جماعة، كما في الحديث: «قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: سموا الله واجتمعوا على طعامكم يبارك الله لكم فيه». جمع يد مع جمع، جمع إذا كثرت الأيدي بارك الله في الطعام. حتى في السفر تريد أن تسافر، لا تسافر لوحدك، كن مع جماعة. قال عليه الصلاة والسلام: «المسافر شيطان، والمسافران شيطانان، والثلاثة ركب». ثلاثة ركب، بمعنى سير مع الناس، لا تسير لوحدك. حتى أن النوم والبيتوتة جاء في الحديث: «نهى رسول الله أن ينام الرجل وحده». لا تنام في خلوة لوحدك، كن مع الناس. فتجد يا إخوان لو أنا أردنا أن نفتح هذا المقام، تجد أن الهيئة الجماعية أمر مطلوب شرعا. السؤال: لماذا؟ لماذا هذا؟ أن هذا مما يزيد في الترابط بين المسلمين. حتى أصبح هذا عندنا مؤصلا ومستقرا. عندما تدخل إلى بيت وتجد واحدا لوحده، سرعان ما تأتي لألسنتنا: «ما لك مثل الجن لوحدك؟!» أصبح هذا مستنكرا عند الناس. المسلم مع الناس، مع الجمع، مع إخوانه، هذا مما ربتنا عليه الشريعة في عاداتنا وفي عباداتنا. وهناك دلائل كثيرة، إخواني في الله، منها أن العبادات المتعدية في شرعنا أفضل من العبادات اللازمة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا». ولأن أمشي مع أخي في حاجته حتى أقضيها أحب إلي من أن أعتكف شهرا. يعني لو أن أمشي مع أخي في معاونته في عمله، ولو دنيوي، هذا أحب إلي من عبادة اعتكاف، لأن عبادة لازمة. فتقرر في الشريعة أن العبادات المتعدية أنفع وأفضل عند الله من العبادات اللازمة، هذا في الغالب. هذا ماذا يؤدي؟ يؤدي إلى أنك تسعى في هذه الدنيا على خدمة المسلمين. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا المقام مما يطول ذكره في تتبع الدلائل الدالة على أن الإسلام أتى بما يقوي به أواصر الأخوة بين المسلمين. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.