الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
عند الحديبية بركت ناقة النبي ﷺ القصواء وامتنعت عن السير، فبين ﷺ أن حبسها حابس الفيل وأن الأمر كله لله. استغل النبي ﷺ الموقف لتذكير الصحابة بضرورة التوكل على الله في الرخاء والشدة كما في حديث ابن عباس.
يبيّن المقطع حال المشركين الذين يخلصون الدعاء لله في الشدائد ثم يشركون به في الرخاء، مستشهداً بآية ركوب الفلك وقصة عكرمة بن أبي جهل. أسلم عكرمة حين أدرك أن من ينفع في البحر ينفع في البر، مؤكداً أن الأمر كله لله.
علم النبي ﷺ الصحابة الرضا بقضاء الله في الفقر والغنى، وحذر من فتنة المال التي تؤدي إلى التنافس والتحاسد. النجاة تكون بشكر الله وتوجه القلب إليه في كل حال، مستدلاً بقصة ناقة القصواء بأن كل أمر بيد الله.
يسأل المتحدث الله التوفيق للخير وأن يعلق القلوب به، ثم يختم المحاضرة بالحمد لله رب العالمين. ختاماً بالدعاء والثناء على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد شرعنا في شرح حديث اتفاقية صلح الحديبية التي عقدها نبينا عليه الصلاة والسلام مع كفار قريش. وذكرنا في بداية الكلام خروج النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة، حتى إذا كان قرب مكة - وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام سلك طريقًا غير الطريق التي يسلكها الناس، حتى جاء عند ابن إسحاق أنها كانت طريقًا وعرة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنها كحطة بني إسرائيل، معنى: ابتلاكم الله بها». فلما قرب النبي عليه الصلاة والسلام من مكة، خلأت القصواء وبركت ولم تمشِ، فقالوا: «خلأت القصواء»، بمعنى: جثت في مكانها. فأرادوا أن يحركوها، فما تحركت - أي الناقة التي تسمى القصواء، ناقة النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: «خلأت القصواء». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما خلأت القصواء، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل». وهو الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الموقف العظيم، يذكر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه أنه ما من فعل وما من شيء يحصل إلا والله عز وجل هو الذي بيده كل شيء سبحانه وتعالى. فلما قالوا: «خلأت القصواء»، قال: «لا، إنما حبسها حابس الفيل». فالله عز وجل لما حبس الفيل عن مكة، فالله عز وجل حبسه - معنى: هم كانوا كفارًا، حبسهم وحبس فيلهم. وهنا حبس ناقة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الله سبحانه وتعالى، وذلك لحكمة أرادها الله جل وعلا. وفي هذا من الفوائد العظيمة: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستغل المواقف في التذكير بالله جل وعلا. فيأتي الرجل فيسأله: «أنت رسول الله؟» فيقول: «نعم، أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته - أي دعوت الله - فكشفه عنك». إذا أصابك ضر فدعوته فكشفه عنك. فالنبي عليه الصلاة والسلام يذكر الناس في الشدة وفي الرخاء: لا بد أن العبد يكون مع الله جل وعلا، ويعلم أن الأمور كلها بيد الله. وكما جاء في حديث عبد الله بن عباس: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». المشركون لما عرفوا الله عز وجل في الشدة، وأشركوا في الرخاء، لم تنفعهم تلك المعرفة. ﴿ وَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾، معنى: يضيع كل أحد كانوا يدعونه من دون الله. ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾. فهم في الشدة يعرفون الله، وأما في الرخاء فيدعون غير الله جل وعلا. ولهذا جاء عند ابن إسحاق: أن عكرمة بن أبي جهل لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، جمع عكرمة معه أناسًا من أهل مكة، ومن الأحباش الذين كانوا يخدمون في مكة، جمعهم، وكانوا في أسفل مكة في كَدِيد. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما دخل، أمر خالد بن الوليد أن يدخل من الثنية السُّفلى، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من الثنية العُليا التي هي على طريق أجياد. فلقي خالد رضي الله تعالى عنه من كان معه من الجيش، لقوا عكرمة ومن كان معه من الأحابيش وبعض أهل مكة. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يلقَ أحدًا حتى دخل إلى الكعبة، معنى: ما عارضه أحد. وأما خالد فقد لقي عكرمة ومن كان معه، فاقتتلوا، لكن لم يصمد عكرمة ومن كان معه، وفر عكرمة رضي الله تعالى عنه، فر وهرب، وركب البحر. فلما ركب البحر، هاجت عليهم الأمواج، فاستغاثوا بالله جل وعلا. فقال بعضهم لبعض: «لا ينفعكم أحد في هذه الشدة إلا الله». قالوا: «لا ينفعكم أحد في هذه الشدة إلا الله». فقال لهم عكرمة: «إن كان ينفعكم في البحر - أو في الشدة - الله، فهو أيضًا ينفعكم في البر». معنى: ما دام أنكم تدعونه في الشدة، أيضًا ينبغي عليكم أن تدعوه أيضًا في البر وفي الرخاء. ثم قال: «والذي - قال: والله لو نجاني الله عز وجل، لوضعت يدي في يد محمد صلى الله عليه وآله وسلم». ثم جاء وأسلم رضي الله تعالى عنه. فلذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستغل المواقف للتذكير بالله جل وعلا. وإذا حدث أمر، تجد الناس يسارعون مثلًا في الكلام في الأسباب، فيبين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا من فعل الله، وأن هذا بيد الله سبحانه وتعالى. ولهذا، النبي عليه الصلاة والسلام يجعل الناس والصحابة رضي الله عنهم ينظرون إلى أمر الله، سواء كان فقرًا أو كان مخمصة أو كان شدة، فكل ذلك العبد هو عبد لله جل وعلا. فمهما جاءه من المواقف، فيرضى بقضاء الله وقدره سبحانه وتعالى، فيفرج الله عز وجل عنه. ولهذا لما في حديث عدي بن حاتم، لما جاءه رجل واشتكى العَيْلَة - اشتكى الفقر - فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله كيف أن الله عز وجل سيفتح لكم فارس والروم، أو قال: كنوز كسرى وقيصر. فقال عدي: فقلت: يا رسول الله، كسرى بن هرمز؟ قال: «نعم، كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده ليفتحن الله عليكم كنوز كسرى بن هرمز». أنا أقصد: في ذلك الوقت كان كسرى مشهورًا بالمال وبالذهب. ولهذا لما جمع وأخذ المسلمون هذه الكنوز، كانت كنوزًا عظيمة. ولهذا خاف النبي عليه الصلاة والسلام مما يحصل من هذه الأمور. ف جاء في صحيح مسلم في حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كيف أنتم إذا فتحت عليكم فارس والروم؟» فُتحت وأخذتم كنوزها. فقال عبد الرحمن بن عوف: «نقول كما قال الله يا رسول الله». قال: «يا رسول الله، نقول كما قال الله: نحمده ونشكره». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وغير ذلك، أو غير ذلك؟» قال: «بل تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتقاطعون، ثم تتدابرون، ثم تأتون فقراء المهاجرين، فتقتلون بعضهم بعضًا». انظروا إلى المال يفعل ماذا! لكن لو أخذوا بوصية الله، وأخذوا بأمر الله، فهم ناجون. يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكمل ما ذكره عبد الرحمن بن عوف: أن العبد إذا شكر الله وتوجه قلبه إلى الله، سواء كان في الفقر أو في الغنى، فإنه ينجو. أما إذا نسى الله، فإنه سيحصل مثل هذه الأمور. فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغل مثل هذه المواقف. لما حصل هذا الموقف أن خلأت القصواء، قال: «ما خلأت القصواء، وما ذلك لها بخلق». أنا ما تخلأ قصواء النبي عليه الصلاة والسلام، وناقة النبي أي تعجز وتتعب. لكن قال: «حبسها حابس الفيل». فكل شيء بيد الله جل وعلا. فهذه الفائدة العظيمة التي أخذناها من هذا الحديث. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعل قلوبنا معلقة به جل وعلا. والحمد لله رب العالمين.