الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 78، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس ببيان المنزلة الرفيعة للقرآن الكريم بوصفه الكتاب الخاتم المهيمن على جميع الشرائع السابقة، موضحاً أن الهيمنة تعني كونه شاهداً على أخبارها وحاكماً على أحكامها، مستدلاً بقول ابن تيمية: "شاهد في الخبريات وحاكم في العمليات".
يفصل المحور في الوجه الأول من الهيمنة وهو التصديق، حيث يقر القرآن ما صح في الكتب السابقة من أخبار وأحكام، ويكشف في المقابل تحريف أهل الكتاب وتبديلهم للنصوص، مستعرضاً قصة تحريف اليهود لآية الرجم في التوراة كنموذج عملي.
يبيّن المحور الوجه العملي للهيمنة، حيث يحكم القرآن على أحكام الكتب السابقة إما بالإقرار والثبات أو بالنسخ والتغيير، مؤكداً أن العمل بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا بالقرآن وحده لكونه الفاصل والمهيمن، وأن أهل الكتاب السالمي الفطرة يخضعون له لعلمهم بصدقه.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، وهو عبارة عن مئتي سؤال في العقيدة: قال السؤال الثمانون: ما منزلة القرآن من الكتب المتقدمة؟ يعني أن القرآن أعلى منزلة من الكتب المتقدمة، فما وجه هذه المنزلة العلية؟ قال: الجواب: قال الله تعالى فيه -أي في القرآن-: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، أي أن هذا الكتاب مهيمن على الكتب المتقدمة. وما معنى "مهيمن على الكتب المتقدمة"؟ ذكر أهل العلم أن هيمنة القرآن على الكتب السابقة لها أربعة أوجه، أشار إلى هذه الأوجه المؤلف في جوابه. فنجمل أولاً هذه الأوجه الأربعة ونقوم بحصرها، ثم نستدل بكلام المؤلف عليها. فالوجه الأول من هيمنة القرآن على الكتب السابقة: أن القرآن شاهد على صدقها، أن القرآن الكريم شاهد على صدق الكتب المتقدمة. ودليل هذا التصديق كثير في كتاب الله، قال الله عز وجل في كتابه الكريم -كما سيذكر أيضاً المؤلف هاهنا- في قوله: ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، يعني: لما بين يديه، لما سبقه، لما سبقه من الكتب التي قبله، فجاء القرآن مصدقاً للكتب المتقدمة، وهذا لا شك أنه من الهيمنة، هيمنة القرآن على الكتب السابقة، إذ يصدقها، إذ يصدقها. نعم، هذا الوجه الأول من هيمنة القرآن على الكتب السابقة. الوجه الثاني: أن هذا القرآن شاهد بتحريف ما حرف، وتبديل ما بدل منها، فهو يفضح أهل الكتاب ويبين مواضع تحريفهم وتبديلهم لكتبهم، لكتبهم، فهو شاهد بتحريف ما حرف، وتبديل ما بدل من قبلهم. وهذا أيضاً ورد في القرآن في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. بنو إسرائيل اختلفت في التوراة، فمنهم من زاد، ومنهم من نقص، ومنهم من حرف، ومنهم من بدل، فجاء القرآن وبين موضع تحريفهم وتبديلهم ونحو ذلك، فهذا أيضاً من هيمنة القرآن. الوجه الثالث: أن القرآن حاكم بإقرار ما أقره الله منها فيما حكم الله عز وجل فيها، كآية الرجم. فآية الرجم كانت في التوراة، فحكم القرآن بذلك وأقره ربنا عز وجل في القرآن، مع أن اليهود حاولوا أن يلغوا هذا الحكم من التوراة. وإذ ذاك لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كانت اليهود تحكم على الزاني الثيب بالتحميم، يعني: تسويد وجهه وركوبه على... أو ركوبه على الدابة ويطاف به، هذا هو حد الزاني عند اليهود. لما قدم المدينة، فزن يهودي بيهودية، فأرادوا أن يفعلوا ذلك، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "وماذا في التوراة؟ ما هو حكم هذا في التوراة؟" قالوا: التحميم. قال: "أتوا بالتوراة". فأتوا بالتوراة، وأمر أحدهم أن يقرأ، فقرأ ووضع يده القار على آية الرجم حتى لا يراها أحد. انظر إلى تحريفهم وإلى تبديلهم! فكان من المسلمين عبدالله بن سلام، وكان عالماً من علماء اليهود قبل إسلامه، فهو يعلم ما في التوراة، فقال عبدالله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم: "مره يرفع يده"، فأمره أن يرفع يده، فإذا بآية الرجم موجودة في التوراة، آية الرجم موجودة في التوراة. الشاهد من هذا: أن من هيمنة القرآن على الكتب السابقة أنه حاكم بإقرار ما أقره الله منها، هناك أحكام فيها أقره الله عز وجل في القرآن، في القرآن. كذلك الوجه الأخير، الوجه الرابع من أوجه هيمنة القرآن: أن هذا القرآن حاكم بما نسخه الله منها، فكل الأحكام التي كانت في الكتب السابقة، فالله عز وجل نسخها، والله عز وجل نسخها، فإن القرآن يبينها، يعني: هناك أحكام في الكتب المتقدمة الله عز وجل نسخها في القرآن، فيبين ذلك ويقرها، ويحكم بما نسخ منها. وبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية أن خلاصة هيمنة القرآن على الكتب السابقة يشمل أمرين اثنين: الأمر الأول: أنه شاهد في الخبريات، يعني: مصدق لما جاء في الكتب السابقة من الأخبار، فهذا معنى قوله: "شاهد في الخبريات". وحاكم في العمليات، ومعنى "حاكم في العمليات": يعني يقر... يقر سبحانه وتعالى ما شاء من أحكام في الكتب السابقة، يقرها في القرآن، أو ينسخها ويبين ذلك أيضاً في القرآن. فهذه هي العمليات، يعني: الأحكام العملية. فهو شاهد في الخبريات وحاكم في العمليات. هكذا لخص شيخ الإسلام هيمنة القرآن على الكتب السابقة. ولذلك فإن المؤمن بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز له إلا أن يعمل بما في القرآن، أن يعمل بما في القرآن. هذا في العمليات، في العمليات. أما في الخبريات فالأخبار لا تتغير، فما جاء في القرآن فهو مصدق لما في الكتب السابقة، فهو مصدق لما في الكتب السابقة. هذا خلاصة معنى هيمنة القرآن على الكتب السابقة بهذه الأوجه الأربعة، أو بهاتين الكلمتين التي لخصهما شيخ الإسلام ابن تيمية: "شاهد في الخبريات وحاكم في العمليات". وهذا وهذا هو خلاصة جواب المؤلف. فقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، عرفنا ما معنى هيمنة القرآن على الكتب السابقة. قال: وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. قلنا: مصدق لما بين يديه من الكتب السابقة، وتفصيل الكتاب... يفصل ما... ويبين ما نسخ وما لم ينسخ، وما أقر وما لم يقر، فالقرآن هو الكتاب الذي جعله الله عز وجل لكل مؤمن بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، فالعمل على ما فيه لا على ما في الكتب السابقة. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فهو مصدق لما بين يديه، وهذا قلنا: شاهد في الخبريات، وتفصيل كل شيء: هذا حاكم في العمليات، لأن ما أراد الله عز وجل من عباده من أعمال ومن أحكام فهي في القرآن، وأما في الكتب السابقة فهذه الأحكام إما أنها غير موجودة فيها، أو أنها كانت موجودة فيها ثم نُسخت، أو أنها موجودة فيها فأقرها القرآن، فأقرها القرآن. فالعمدة إذن على إيش؟ على ما في القرآن. وهذا معنى قول شيخ الإسلام: "وحاكم في العمليات"، وهذا معنى قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فلا هداية بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالقرآن، لا بالتوراة، ولا بالإنجيل، ولا بالزبور، ولا بصحف إبراهيم، وإنما بالقرآن. قال المؤلف: قال أهل التفسير: "مهيمناً": أي مؤتمناً وشاهداً على ما قبله من الكتب. فإذا أخبر القرآن عن أمر خبري وكان موجوداً في التوراة، فتجده حقاً وصدقاً، تجده حقاً وصدقاً، فهذا معنى قول: "مؤتمناً وشاهداً على ما قبله من الكتب"، لا تجد خبراً يوجد في التوراة ثم يأتي القرآن بخلافه أبداً، لا تجد ذلك، فهو مؤتمناً وشاهداً على ما قبله من الكتب. قال: "ومصدقاً لها"، يعني: يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير. فهذا أيضاً كما تقدم: وجه من أوجه هيمنة القرآن، أنه ينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير. قال: "ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير"، والنسخ يكون في الأحكام لا يكون في الأخبار، فما هو معلوم: النسخ يكون في أيش؟ في الأحكام، فهو حاكم في العمليات. فكما ذكر: يحكم عليها بالنسخ، فيرفع الحكم الذي كان موجوداً فيها -أي في الكتب السابقة- أو يقررها، فيثبت... أو فيثبت الحكم التي كان فيها في القرآن. فهذا أيضاً وجه من أوجه الهيمنة، هيمنة القرآن على الكتب السابقة. قال: "ولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه"، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، به يعود على من؟ هاه... والذين آتيناهم الكتاب، يعني: الكتاب الذي نزل على أنبيائهم من الكتب السابقة، هم به يؤمنون، به هنا الضمير يعود على القرآن، أي: بالقرآن يؤمنون، بالقرآن يؤمنون. ﴿وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. ومعنى... ومعنى ذلك: أن كل من كان سليماً القلب والفطرة من أهل الكتاب، إذا تُلي كتاب الله عز وجل، فإنه لا بد أن يذعن لهذا القرآن لأنه كلام الله، وأن الذي تكلم به هو الذي تكلم بالكتب السابقة. ولذلك كثير من اليهود آمنوا، ممن أراد الله عز وجل بهم خيراً، آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام لما سمعوا هذا الكتاب، وأنه مصدق لما معهم من كتاب. وهذا النجاشي رحمه الله، لما تُلي عليه شيء من القرآن، أدرك أن الذي تكلم بهذا القرآن هو الذي تكلم بالإنجيل، هو الذي تكلم بالإنجيل، فلذلك آمن بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكل من أراد به خيراً من أهل الكتاب، ومن أهل الكتب السابقة، إذا سمع القرآن خضع له وتمسك به، وعلم أنه من الله. وهكذا ورق ابن نوفل، وكان... وكان من علماء ذاك الزمان بالكتب التي أنزلت على الرسل، فلما أخبر بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، علم أن هذا من الله، وأن ما أنزل على الرسل قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه، إنما خرج من مشكاة واحدة، إنما خرج من مشكاة واحدة. فإذا القرآن منزلته عظيمة بين جميع الكتب التي أنزلت على الرسل، ومن عظمة هذا القرآن ورفيع منزلته ودرجته أنه مهيمن على الكتب التي قبله. هذا هو خلاصة هذا الجواب، وبه نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم.