الدرس في باب الإخلاص وإحضار النية من رياض الصالحين 19، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي المقطع قصة الرجل الذي توسل بعفته عن الزنا بابنة عمه رغم حبه الشديد لها وحاجتها للمال، فتركها وخاف الله فانفرجت الصخرة جزئياً. ويشير إلى أهمية سد حاجات النساء الفقيرات لحمايتهن من الفتنة.
اضطرت امرأة فقيرة لمعاشرة ابن عمها مقابل مال، فلما همّ بالفعل ذكرته بتقوى الله فقام عنها تاركاً المال ولم يرتكب الفاحشة. استجابته لخوفه من الله كانت سبباً في توبته ونجاته.
يبيّن المقطع أن الامتناع عن المعصية عند تيسّر أسبابها يعد عبادة عظيمة، مستشهداً بحديث الرجل الذي رفض دعوة امرأة ذات منصب وجمال خوفاً من الله فكان من السبعة المظللين. ويؤكد أن الإخلاص في هذا الترك يُتوسّل به إلى الله لكشف الكربات.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فجاء في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، وقد أخذنا ما جاء عن الأول. قال: قال الآخر: «اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي»، وفي رواية: «كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها»، وفي رواية: «فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه». قال: «فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه». فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج. هذا هو الثاني، توسل بهذا العمل الصالح، وهي العفة. تَمَّ منه ذلك أنه كان له ابنة عم، وابنة العم لا تعد محرماً من الرجل، فكان يحبها حباً شديداً، أي حب شهوة، كأشد ما يحب الرجال النساء. وهذا فيه أن هذا الرجل قد تعلق بهذه المرأة، فأرادها عن نفسها، أي بالزنا، أراد أن يزني بها، ولكنها رفضت لخوفها من الله فلم توافق وأبت. فألمت بها سنة، أي احتاجت في سنة من السنين، أي أصابها فقر وحاجة، فاضطرت إلى أن تجود بنفسها في الزنا لما تحتاج إلى هذا المال. وهذا طبعاً لا يجوز أن تفعله المرأة مهما بلغت بها الحاجة، فلأن تأكل التراب خير لها من أن تسلك هذا المسلك. ولكن المرأة ضعيفة، وأحياناً قد تضعف لحاجتها. ولذلك ذكر أهل العلم من فوائد هذا الحديث أنه ينبغي على أهل اليسار وأهل الغنى أن يسدوا حاجات النساء، خصوصاً النساء الأرامل أو النساء التي لا منفق لهن ولا عائل لهن، فينبغي أن يتفقدن وأن يسأل عنهن حتى لا تبيع عرضها بسبب هذه الحاجة. المهم، هذه المرأة ألمت بها سنة من السنين، أي أصابها فقر وحاجة، فاضطرت إلى أن تجود بنفسها، ولا يجوز منها ذلك، ولكن هذا الذي حصل. فجاءت إلى ابن عمها فأعطاها مالاً، مئة وعشرين ديناراً، على أن تمكنه من نفسها، أي أن يفعل بها الزنى والفاحشة مقابل هذا المال. ففعلت من أجل الحاجة والضرورة. فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته، لما يريد أن يعاشرها، وأوشك أن يفعل فعلته، ذكرته بالله سبحانه وتعالى، وقالت له: «اتق الله». كلمة عظيمة، فإن من تقوى الله لا تفعل ذلك. وفي هذا من الفائدة، أو من الفوائد، أن الرجل إذا رأى عاصياً أن يذكره بهذه الكلمة، وأن يقول له: اتق الله. وهذا الأمر إذا سمعه المسلم سرعان ما يستجيب ويخاف من الله عز وجل، بخلاف المنافق إذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالإثم، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: 206]، ما يتراجع ولا يستجيب. أما المؤمن فإنه سرعان ما يتذكر إذا ذكر بهذه الكلمة. فهذه المرأة ذكرت هذا الرجل بهذه الكلمة العظيمة، وقالت له: «اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه». عبرت عن فض بكارتها بالخاتم، وحق فض هذا الخاتم الزواج الشرعي، وأن يأتيها بالحلال لا بالحرام. خوفته بالله سبحانه وتعالى، وأشارت إليه بهذه الكلمة العظيمة، وأنه ما يفعله من المعاصي الكبيرة. فقالت له: اتق الله. فلما قالت له هذه الكلمة التي خرجت من أعماق قلبها، دخلت إلى أعماق قلبه، وقام عنها، ولم يفعل معها هذه الفاحشة، وهي أحب الناس إليه، ويحبها حباً جماً. يعني ما زالت رغبته عنها، ما زالت رغبته عنها، ما زال يحبها، ما كرهها، بل حبها باق في قلبه. ومع هذا ترك ذلك لله، ترك ذلك لله، لأنه أدركه خوف الله سبحانه وتعالى. فقام عنها، وترك لها هذا المال، لم يسترد ماله، لما علم من حاجتها، ولما علم من صلاحها، ومن خوفها من الله سبحانه وتعالى، فأعطاها هذا المال دون أن يفعل معها هذا الأمر. ولاشك أن هذا عمل صالح عظيم. ولذلك فإن العمل الصالح يشمل فعل الطاعة وترك المعصية. فترك المعصية، خصوصاً مع التمكن منها والقدرة على فعلها، عبادة عظيمة، عبادة عظيمة. فهذا الرجل قد تهيأت له الأسباب، بل وقد قرب من هذه المرأة، وجلس منها مجلس الرجل من أهله، ومع هذا ترك ذلك لله. فلا شك أن هذه عبادة عظيمة، وعمل صالح جليل، قل ما يوفق إليه الإنسان. ولذلك من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله». تهيأت له الأسباب، المرأة هي الداعية، ما هو الذي سعى إليها؟ هي التي سعت إليه. ومع هذا المرأة ليست قبيحة، وليست فقيرة، بل امرأة ذات منصب وجمال. والغالب أن المرأة إذا كانت ذات منصب لا يعاقب من أخطأ معها، أو من وقع معها في هذا الفعل، فهو في مأمن من الفضيحة، وفي مأمن كذلك من التعيير، وهي الداعية له. ومع هذا قال: إني أخاف الله. فهذا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. انظر أسباب المعصية تيسرت لكثير منا في هذه الجوالات، في زر، في ضغطة زر، وفتح شاشة، تستطيع أن ترى ما يندى له الجبين من المقاطع الخليعة الفاضحة. لكن ما الذي يحجزك؟ الخوف من الله. فلا شك أن هذه عبادة عظيمة. ولذلك توسل هذا الرجل بهذا العمل الصالح إلى الله، ودعا فقال: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك، أو لأجلك، ففرج عنا ما نحن فيه». فانفرجت الصخرة شيئاً، غير أنهم لا يستطيعون الخروج. أراد الله، أراد الله عز وجل، أن تبقى هذه الصخرة حتى يتم لكل واحد منهم ما أراد أن يتوسل به من صالح الأعمال. فالشاهد من هذا أيضاً قوله: «إن كنت فعلت هذا لأجلك»، يعني مخلصاً لله عز وجل من أجلك، لا خوف من بشر، ولا كذلك عجز عن هذا الفعل، فهو قادر وراغب ومحب لهذا الأمر. ولكن ترى كذلك لما ذكر بالله، من أجل الله سبحانه وتعالى، وخوفاً من الله عز وجل. ففيه ما أراده المؤلف من فضل الإخلاص، وأنه سبب لتفريج الكربات، لتفريج الكربات. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله. إلى هنا، والله شكراً.