الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع سبب قيام المغيرة بن شعبة فوق النبي ﷺ أثناء جلوسه مع عروة بن مسعود في صلح الحديبية، مبيناً أن ذلك كان للحماية في زمن الحرب لا للتعظيم. ويستدل بالنهي النبوي عن قيام الناس لشخص جالس تعظيماً له، مشبهاً ذلك بفعل الفرس والروم، وأن الجواز مشروط بوجود مصلحة راجحة كالحماية.
يُسن القيام للقادم من السفر والمعانقة، ويجوز القيام للغائب طويلاً تقديراً ومحبة، أما القيام للمقيم المعتاد رؤيته فيكره إلا لمصلحة راجحة. ومن أحب أن يُقام له أو أمر بذلك فقد ورد الوعيد الشديد بالنار.
يبيّن المقطع أقوال العلماء في القيام للقادم، فرُجِّح جوازه إن كان عادة عامة للجميع لا تخصيص فيها، مع التحذير من التدرج في التعظيم من المصافحة إلى الانحناء وتقبيل الأيدي والركب. واعتُبر الانحناء «سجدة صغرى» لا تصلح إلا لله، وجُوِّز تقبيل يد الوالد أو الكبير سنًّا دون انحناء.
يذكر المقطع أن تحية الانحناء المعتادة لدى بعض الأمم كالصين غير جائزة شرعاً لأنها تؤدي إلى التعظيم المفرط. لكن إذا كان تركها يعرض الشخص للأذى أو الشماتة أو يُعد نقصاً في المروءة، جاز فعلها كما أفتى بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فوقفنا عند في مجيء عروة بن مسعود الثقفي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وآخر ما ذكرناه ما حصل بينه وبين أبي بكر الصديق. ثم ذكر في الحديث أن عروة بن مسعود كان يكلم النبي عليه الصلاة والسلام ويأخذ بلحيته، وكان المغيرة بن شعبة ابن مسعود الثقفي قائمًا كالحارس عند النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا أراد أن يمس لحية النبي صلى الله عليه وسلم قمعه بمؤخرة السيف. وهنا مسألة، مسألة مهمة، وهي مسألة قيام المغيرة بن شعبة فوق النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام جالس مع عروة. هذه المسألة: الأصل أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يحب أحدًا أن يقف وهو جالس، لكن هذا كان في زمن حرب، وأيضًا خاف الصحابة على النبي عليه الصلاة والسلام أن يغتال له أحد من المشركين، بمعنى أن يفعل حيلة، فلذلك لما جاء حفص الكردس - كان رجل سوء وخبيث - فلذلك حلق الصحابة حول النبي عليه الصلاة والسلام، ولما جاء عروة وقف أيضًا الصحابة عند النبي عليه الصلاة والسلام، فكان المغيرة واقفًا فوق النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه القومة والإنسان جالس ويكون هناك أناس قيامًا له تعظيما له، كان النبي عليه الصلاة والسلام ينهى عنها أشد النهي، لكن هنا لأنه في مقام حرب ولأجل مصلحة هي أعظم من هذا، وليس لأجل القيام والتعظيم، وإنما لأجل الحماية، فلذلك أجازها النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمة الله عليه، لما ذكر فوائد صلح الحديبية ذكر هذا. عند هذا: النبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه في الصحيحين من حديث أنس وجابر وجماعة من الصحابة أنه لما صلى عليه الصلاة والسلام جالسًا لما سقط من البعير لم يستطع أن يقوم، فصلى جالسًا، فلما رأوه الصحابة يصلي جالسًا صلوا معه أيضًا، صلوا معه وهم قيام، فأشار إليهم أن يجلسوا، فأشار إليهم أن يجلسوا، لكن لم يجلسوا لأنهم كانوا يصلون، فلما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «لقد كدتم تفعلون فعل فارس والروم، يقومون لملوكهم وهم جلوس». فتبين من هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن هذا الأمر، أن الإنسان المعظم مثلاً الذي يعظمه قومه يكون جالسًا والناس قيام حوله، فهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنها ويقول: «إنها فعلة فارس والروم»، فلا يجوز لأحد أن يجعل أناسًا قيامًا عنده من دون مصالح ترجى لذلك، وإنما للتعظيم فقط، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، أي عن هذا القيام والإنسان المعظم الذي يعظمه هؤلاء جالسًا، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك: «لقد كنتم تفعلون فعلة فارس والروم». وأيضًا إذا كان مثلاً القيام لقادم، القيام إذا كان لقادم فهذا القيام للقادم شيء آخر، ليس مثل أن يقام وهذا المعظم جالس، هذا منهي عنه، وجاء النهي الشديد، إلا كما قلنا لمصلحة أكبر من هذا، كما فعل هنا المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام. أيضًا الأمر الآخر: إذا القيام للإنسان إذا قدم، فإن كان قدم من سفر فهذا قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقوم للقادم من السفر، فهذه سنة، ويعانقه، هذه سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما القيام لغير المسافر، إن كان مثلاً قد غاب عنه وهو مثلاً له صداقة معه وله عنده مثلاً محبة وأيضًا تعظيم، وغاب عنه فترة من الزمن، فلا بأس أن يقوم له أيضًا كذلك، كما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى سعد بن معاذ من الأنصار، فلما رآهم قام وعانقهم، أي عانق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر. وأما إن كان الإنسان مثلاً في بلده وهو معتاد دائع يراه بين الحين والآخر، فهنا هل له أن يقوم له، خاصة إذا كان هذا الإنسان معظماً؟ هل له أن يقوم له؟ فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين: «ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يقام له»، أن يقام له إذا دخل المجلس، إذا دخل مكان أو مجلسًا يكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقام له، وهو رسول الله صلوات الله وسلام عليه، فلذلك كره العلماء القيام للقادم الذي ليس من سفر، ولا أيضًا كذلك في غيبة، فيكره أن يقام له، ولو كان رجلاً معظماً، ولو كان رجلاً كبيراً، ولو كان من أهل العلم، فقالوا: يكره أن يقام له لأجل هذا. وأما إن كان هو يرى أنه يستحق ذلك وأنه يستحق القيام، فهذا أمر محرم، إذا كان في نفسه أنه يرى أنه يستحق أن يقوم له، بل يأمر الناس أن يقوم له، فهذا لا يجوز، وقد جاء في حديث معاوية عند أحمد والترمذي، وجاء في بعض روايات قصة أن الرجلين من التابعين دخلا على معاوية، فلما دخل عليهم معاوية المجلس، فأحدهما قام والآخر لم يقم، فقال له معاوية، قال لهذا الذي قام: «اجلس، ولا تقم، سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار». من أحب أن يتمثل الناس له قيامًا إذا جاء يقومون له، من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار. هذا في حكم الذي يحب ذلك، لكن الذي يقومون له هل هم آثمون؟ فهنا كما قلنا قال العلماء بالكراهة، إلا أن كثيرًا من أهل العلم، ذكر النووي والشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، يقول الشيخ الإسلام: أنه ليس من عادة النبي صلى الله عليه وسلم ولا من عادة أصحابه أنهم يقومون للقادم، أنه يقومون إذا قدم والإنسان يقومون له، لكن إذا كانت هذه عادة قوم، أنه تعودوا على هذا، مثل بعض القبائل أو بعض المناطق تعودوا على هذا الأمر، إذا دخل الداخل يقومون ويسلمون له وهم قيام، فهذه قال الشيخ الإسلام: إن كانت عندهم عادة فلا بأس، فلا بأس بها، بل رجح الشيخ ابن تيمية أن هذا جائز، أنه جائز بدون كراهة. لكن الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يقام له، هذا يدل على أن الأمر فيه شيء، لكن لو كانت هذه كما قال الشيخ الإسلام عادة الناس، تعودوا على هذا الأمر، فليس فيها شيء، لأن العلة التي من أجلها حصل النهي وحصلت الكراهة وهو التعظيم، هذه ذهبت، لأنه يقام لأي أحد الداخل، إذا دخل المجلس يقام له ويسلمون عليه، فصارت العلة ليست اعتقادًا في تعظيم أو في شيء من هذه الأمور. لكن إن كان هذا يخص بها قوم ولا يخص بها معناه، ولا يقام لآخرين، فهذا شيء آخر، فهذا قد يدخلون في الكراهة، إذا كان يخصون هذا القيام لأناس معينين، أما إذا كان يعمون هذا لكل أحد فهذه تكون عادة. وقد ذكر أيضًا الشيخ ابن عثيمين أنه إذا كانت أيضًا حتى إذا كان يخصون بها أناس وهم عادتهم أيضًا لا بأس، لا بأس بذلك، لكن الأفضل والأولى أنها تترك، مثل هذه العادات التي تكون فيها تعظيم لأشخاص، لأن هذا الغلو أحياناً يصل بالناس إلى أشياء أخرى، فيأتي من يكون بعدهم ويعظمهم أكثر، فيفعلون أفعالاً أخرى، مثلاً على سبيل المثال، تجد في بعض المناطق عادة أنهم يصافحون، فلما جاء الجيل الذي بعدهم تجد أنهم ينحنون ويقبلون، يقبلون الأيدي، بل بعضهم حتى يقبل ركبة الشيخ القبيلة وكذا، وهذا من الغلو الذي يحصل في من يأتي بعدهم، فلوا يترك هذا الأمر كله أفضل، لو يترك هذا الأمر كله، لأنه كما قلنا يأتي الأجيال بعد ذلك فيغلون في هذا. فلهذا الآن انتشرت مسألة التقبيل في اليد والانحناء، أما التقبيل للأب أيضاً لكبير السن وكذا أحياناً ما في شيء، أما يجعلونها عادة وأيضاً فيها انحناء فهذا خطأ، الانحناء حتى مثلاً تجده مثلاً هذا جالس وذاك قائم، وإذا أراد أن يقبله انحناء، فهذا الانحناء عبادة وركوع، فلا ينبغي أن يجعل إلا لله جل وعلا، ولهذا سماها بعض العلماء كما ذكر ابن عبد البر: «السجد الصغرى»، فلذلك لا يعود الإنسان نفسه على الانحناء في التقبيل، لو أراد أن يقبل ما في شيء، يقبل مثلاً يقبل يد أبيه، يد أبيه أو يد أمه أو يد كذلك من يراه كبيرا بالسن، فلا بأس، كان ذلك من عادة الناس، لكن لا يجعل انحناء، أن يتعود على الانحناء، فإن الانحناء فيه تعظيم مثل ما يفعله بعض الأمم أو بعض الأقوام مثل أهل الصين وغيرهم، تجد أكثر تحياتهم من انحناء، وهذا لا يجوز. فلذلك منع الشرع من مثل هذه التعظيمات التي تؤدي إلى ما هو أعظم من هذا، فلذلك إذا كان ترك هذه العادة أفضل من فعلها، لكن كما قلنا إن كانت هناك عادة عند الناس، وقد يعرض الإنسان نفسه إلى الأذى أو الشماتة به أو غير ذلك أو عدم المروءة، فلا بأس أن يفعلها، كما ذكر شيخ الإسلام، وكذلك ذكرها قبله ابن القيم، يرحمهم الله جميعاً. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.