الدرس في تفسير سورة الانشقاق من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع تفسير آية ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدِحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، موضحًا معنى "الكادح" وتفسير "فملاقيه". كما أوضح أن الآية تحتمل معنيين وأن الفاء تفيد التعقيب.
شرح المقطع الحساب يوم القيامة، موضحًا الفرق بين الحساب اليسير (العرض) للحسنات، والحساب العسير (النقاش) الذي ينتهي بالعذاب.
تناول المقطع صور تلقي الناس لصحفهم يوم القيامة، حيث المؤمن يأخذ كتابه بيمينه، والكافر أو المنافق يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، مع اختلاف العلماء في التفاصيل.
شرح المقطع معنى الثبور في القرآن، موضحًا أنه يعني الهلاك ويستخدم في التعبير عن شدة النداء بالهلاك، مع توضيح استخدام كلمة ثبورًا في سياق النداء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في الدرس الماضي، إخواني في الله، كان الشروع في سورة الإنشقاق، وذكرنا ما يتعلق بأوائل هذه الآيات من مسائل وأحكام وتفسيرات. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدِحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، قال: «يا أيها الإنسان إنك كادح جاهد في عملك»، والكادح في اللغة العربية هو الساعي بجد ومشقة، هذا هو الكادح. ويقال حتى في اللهجة الدارجة: «فلان يكدح، يكدح أن يعمل بجد». فقوله سبحانه وتعالى: «يا أيها الإنسان إنك كادح»، قال هنا: «جاهد في عملك»، بغض النظر عن هذا العمل، قد يكون خيرًا فيعمل بالصالحات، أو لربما يعمل بالأعمال السيئة، فكل واحد منشغل في هذه الدنيا بأعماله، خيرًا كانت أو شرًا. ثم قال: «إلى أي لقاء ربك؟ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك»، أي كادح إلى لقاء الله، سواء من كان خيرًا في هذه الدنيا أو كان شقيًا تعيسًا، الكل سيجتمع عند رب العباد جل في علاه. قال: «وهو الموت»، قال: «كدحًا فملاقيه»، أي أنك ستعمل وستعمل، ثم في الآخر ستلاقيه. هنا قال: «أي ملاقي عملك المذكور من خير أو شر يوم القيامة». وهذه الآية اختلف فيها العلماء في الضمير الذي مراد من قوله سبحانه وتعالى: «فملاقيه»، يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه، ملاقي من؟ على قولين: ملاقي ربك، أو ملاقي عملك. قيل هذا وقيل هذا، وهذا المعنى صحيح، وهذا المعنى كذلك صحيح. فإن الإنسان ستعمل وستعمل حتى تلاقي ربك يوم القيامة لا مفر، أو أنك تعمل وتعمل ثم ستلاقي عملك. ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن جبريل عليه السلام قال لنبينا عليه الصلاة والسلام: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه». واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، إذن فقوله سبحانه وتعالى: «كدحًا فملاقيه»، يحتمل أن الآية ملاقي ربك، أو أن الآية تعني ملاقي عملك، يحتمل هذا ويحمل على هذا. ومن أهل العلم من قال: الأمر في هذا واحد، وهذا من اختلاف التنوع، وأن الآية تحمل على الجميع؛ لأن الإنسان إذا لقي ربه يلاقيه بماذا؟ يلاقيه بعمله، يلاقيه بعمل، إذن في النهاية المطاف ستلاقي ربك وتلاقيه بعملك، فيجتمع الأمران، فلهذا الأمر في هذه الآية واسع. وهنا فائدة، أو كما يقال لطيفة، ذكرها جماعة من المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدِحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، متى ستلاقيه؟ عند الموت. طيب ستلاقي ربك أو تلاقي عملك؟ هنا في هذه الآية تم التعبير بالفاء، والفاء في اللغة العربية تفيد التعقيب. «دخل فلان فخرج فلان»، الفاء تدل على مباشرة الفعل. طيب إذا مات الإنسان سيلاقي ربه وعمله، استخدمت الفاء دلالة على قرب المدة. لكن قد يقول قائل: «وين الموت؟ وين الآجال؟ وين القيامة؟ ها هم الآباء والأجداد ماتوا قبلنا مئات السنين، وإلى الآن ما قامت القيامة، فما لاقوا ربه وما لاقوا أعمالهم». فكيف الآية عبرت بالتعبير بالفاء المفيدة التعجيل؟ أن إذا ميت ستلاقي، إذا ميت ستلاقي ربك، إذا ميت ستلاقي عملك. قال العلماء: أن الحياة البرزخية بالنسبة لأصحابها ستمر سريعًا، كل من مات قامت قيامته سريعًا؛ لأن عبره إخواني في الله، فيمن قص ربنا عز وجل علينا قصصهم في القرآن، كذلك الذي أماته الله مئة عام، مئة عام ثم بعثه، قال: «كم لبث؟» قال: «لبث يومًا أو بعض يوم»، مع أنه كم؟ مئة سنة، ذهبت عليه الأجيال تلو الأجيال وهو نائم، فما إن استيقظ، عبر عن هذه الفترة الطويلة: «لبثت يوم أو بعض يوم». ومثلهم أصحاب الكهف ثلاثمائة سنة، نفس الكلام: «كم لبثتم؟ يوم أو بعض يوم». فالحياة البرزخية بالمثل ستمضي على أصحابها سريعًا جدًا، فلا تظن أن هذه الآجال الطويلة ومئات السنين التي مرت على أصحابها كما تراها أنت أيها الحي، لا، انظر إليها بما هم يرونها أنها ستمر. ولهذا يقولون: «أصحاب إذا قام من قامت قيامته»، «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا»، يرون الحياة البرزخية كأنها نومة، مرقد استيقظوا على إثرها. فالشاهد من هذا إخواني، أن الفائدة من هذه الفاء دلالة على سرعة الحياة البرزخية، وأن الإنسان متى ما مات حينها سيلاقي ربه وعمله. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدِحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، قال: «فأما من أوتي كتابه»، قال: «كتاب عمله»، ما من أحد إلا وله كتاب سطرت فيه أعماله: «اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا». كتاب أعمالك ستأخذه يا عبد الله. قال: «فأما من أوتي كتابه»، أوتي: قيل يُعطى من قبل الملائكة، تعطيك كتابك بيدك، كتاب عملك بيمينه، قال: «وهو المؤمن»، وهذه البشرى، هذه من أوائل البشرى يوم القيامة أن تعطى الكتاب باليمين، وهذا فيه التكريم، تكريم لليد اليمنى، فهي مكرمة في الآخرة ومكرمة في هذه الدنيا، ولهذا تنزه اليمين عن القاذورات، عن النجاسات، عن الاستنجاء، عن الاستجمار، عن الاستنثار، تستنزه عن هذا؛ لأنها مكرمة في الآخرة وفي الدنيا كذلك. قال: «وهو المؤمن»، فالمؤمن يُعطى كتابه بيمين، وهذه أوائل البشرى. طبعًا يُعطى ليقرأ كتابه بما فيه. وقد صح عن السلف كما جاء ذلك عن مجاهد وعن قتادة، قال: «يقرأ الكتاب الأمي وغير الأمي، الكل يقرأ»، حتى الذي ما يقرأ وما يستطيع القراءة في هذه الدنيا، إلا أن الله سيلهمه القراءة حينها، فيقرأ ما في كتابه، يقرأ ما فيه من الصلاة والصيام والقراءة والذكر وقراءة القرآن وأصيلة الأرحام، ويستبشر. قال: «فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا»، قال: «وهو عرض عمله عليه»، كما في حديث الصحيحين، وفيه: «من نوقش الحساب هلك». وبعد العرض يتجاوز عنه، فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا على إثر أخذ كتابك بيمينك، وهذه أوائل البشرى يوم القيامة. ستأتي ما هو أيسر وما هو الأيسر؟ الحساب، حساب العباد يوم القيامة على قسمين اثنين: حساب عسير، وحساب يسير. أشار ربنا في هذه الآية أن الذي يؤتى كتابه بيمين، فسوف يحاسبه الله حسابًا يسيرًا. والحساب اليسير ما هو؟ هو العرض، العرض؛ لأن الحساب عند الله عز وجل على صورتين اثنين: أن الله يحاسب العبد حساب تدقيق وتحقيق، وهذا يسمى النقاش، يسمى النقاش. «أنت فعلت كذا»، فيسمع الرب الإجابة من العبد، ماذا يقول؟ يكذب، يوري، يخبي، فالجرم الثاني، الجرم الثالث، وغير ذلكم، وغير ذلكم من الجرائم، لازال صاحبها يوري ويخبي، هذا يسمى ماذا؟ نقاش، هذا النقاش، ماذا أمارته؟ أمارته الهلاك إذا وجد العبد -نسأل الله السلامة والعافية- إذا وجد العبد أنه مع ربه يدخل فيه نقاش، فليعلم أن ختام النقاش هلاك، كما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «من نوقش الحساب عذب». إذا رأيت أن ربك يسألك وأنت تجيب وتوري، ويسألك تجيب وتوري، يسألك... اعلم أن نهاية المطاف -نسأل الله السلامة- الشر أنك سيجر جربك إلى النار، هذا هو الحساب العسير، وهو النقاش، تجد حوار بين العبد وبين ربه. الصورة الثانية من الحساب، وهو الحساب اليسير، وهو العرض، وما هو العرض؟ أن الله عز وجل يقرر عبده بذنبه: «فعلت وفعلت وفعلت وفعلت»، يقرره بذنوبه، والعبد ما يتكلم، وإنما يعترف بذنبه، قل: «نعم، فعلت يا رب، فعلت يا رب»، ولا زال يقر بذنوبه. هذا إذا وجد العبد أن حساب الرب معه عبارة عن عرض العمل فقط، يعرض عليه العمل عرضًا، هذا يا عبد الله اعلم أن خاتمته خير؛ لأن الله في ختامه يقول: «عبدي سترتها عليك في الدنيا، وأتجاوز عنك في هذا اليوم»، فيغفر الله له. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أن من دعائه: «اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا»، «اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا». ونسأل الله عز وجل أن يحاسبنا حسابًا يسيرًا. الحساب اليسير هو العرض، أن الله فقط يقرر عبده بذنبه، فهذا هو الذي عناه الله عز وجل بقوله: «وأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا»، هذا الحساب أن الله يقررك بذنوبك، ثم يختم لك يا عبد الله بالتوبة والمغفرة والرحمة والمجاوزة. قال: «وينقلب إلى أهله»، قال: «في الجنة مسرورًا بذلك، وحق له أن يسر أن يسر؛ لأن هذا ما بعده الفلاح والنجاح والحياة السرمدية الأبدية في جنات القلد». إذا تجاوز الله عنك، ما الذي بقي؟ ما بقي شيء، ما بقي إلا أن تدخل الجنة وتعود إلى أهلك وأنت مسرور وأنت فرح. قال: «وأما من أوتي كتابه وراء ظهره»، قال: «وهو الكافر»، تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره، فيأخذ بها كتابه، فسوف يدعو عند رؤيته ما فيه ثبورًا. هنا المسألة الثانية من صور تلقي الصحف. قال ربنا: «وأما من أوتي كتابه وراء ظهره»، الأولى اليمين، الثانية وراء الظهر، هنا مسألة هي عبارة في الحقيقة عن مسألتين. وأختم بها المجلس فيما يتعلق بتلقي الصحف في حق المخالفين من لم يكن مسلمًا مؤمنًا. تلقي الصحف ممن نظر في قراءة الكتاب، الله يرى أن التلقي على ثلاثة صور: إما أن يأخذ كتابه بيمينه كما في هذه الآية، أو يأخذ كتابه بشماله كما في سورة الحاقة: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾، الشمال. والمسألة الثالثة في هذه الآية: «وراء ظهره»، فعندي ثلاثة صور لأخذ الصحف: يمين، شمال، وراء الظهر. اليمين ما عندي فيها إشكال، تكون لأهل الإسلام ولأهل الإيمان. نبقى إلى مسألة الشمال وراء الظهر، من هؤلاء الذي يأخذون كتبهم في هذه الجهات؟ فمن أهل العلم من قال: من قال أن في الحقيقة هي جهة واحدة، جهة واحدة، أن الإنسان يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، هي حركة واحدة، هي صورة واحدة على هيئتين: شمال، من وراء الظهر، هذا قول. ومنهم من قال: أحيانًا الكافر يتنوع، أحيانًا ذاك يأخذ بشماله، وآخر يأخذ وراء ظهره، وهذا كله واحد، هم كله من أهل النار. ومنهم من قال: لا، الذي يأخذ شماله هو الكافر، والذي يأخذ كتابه وراء ظهره هو الكافر المعاند، إذ الكفار ليسوا السواسية، هناك المعاند، هناك المؤذي لعباد الله، المشاكس للأمة المحمدية، هذا المشاكس وراء ظهره، والكافر من عوامهم بشماله. ومنهم من قال: لا، الكافر يتلقى كتابه بشماله، وأما المنافق -المنافق وهو أشد غلظة- فإنه من وراء ظهره. فهذه أربع صور في توزيع الكتب في حق الشمال ووراء الظهر: إما أنها حالة واحدة في الحقيقة، وأما أمر للتنوع، أو أن الشمال لعموم الكفار، ووراء الظهر للمعاندين منهم، أو أن الشمال للكافر، ووراء الظهر للمنافق. هذه أربع صور في تلقي الكتب. الصورة الثانية على قول من يقول بأن الكافر -وهي الصورة الأولى- يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، كيف تكون؟ هنا المؤلف ذكر الصورة الأولى، قال: «هو الكافر تغل يمناه إلى عنقه»، اليمين تغل، تربط، لماذا تربط؟ حتى لا يتناول؛ لأنه ستوزع الكتب، توزع الصحف، توزع الدواوين، فيحاول أن يتخطف، لكن هيهات له التخطف، فيُيمينه تربط، تغل، فما تبقى إلا الشمال هي التي ستأخذ. طيب قال: «هو الكافر تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره»، كيف تجعل اليسرى خلف الظهر؟ لأن الله يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، أي يأخذ كتابه بشماله وراء ظهره. العلماء على قولين اثنين: إما أن اليد الشمال تلوى تلوى تكسر، ثم تعطف إلى الخلف، فيأتيه الكتاب من وراء ظهره. أو على قول جماعة: أن اليد اليسرى تخلع تخلع من محلها وتركب من خلف ظهره، خلف ظهره، وتكون منزوعة للمكان وتنزع خلف ظهره، فيتناول الكتاب بشماله من وراء ظهره، شدة في تعذيب الكافر على ما كان من عمل، وتهيئة لما سيأتيه من العقوبة الجسيمة على ما جرى من أفعال. فهذا ما يتعلق بـ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، قال: «هو الكافر تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره في، فيأخذ بها كتابه». قال: «فسوف يدعو ثبورًا عند رؤيته ما فيه». والثبور هو الهلاك، ثبورًا، قال: «ينادي هلاكه بقوله: يا ثبورا». طب، أكتفي إلى هذا الحد، ونواصل إلى غد ما تيسر من بقية الآيات. والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.