الدرس في تفسير سورة الانشقاق من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل تفسير الآيات القرآنية مثل آية ﴿فما لهم لا يؤمنون﴾ وآية ﴿وما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾، ويبين الفرق بين تأثر المؤمنين وعدم تأثر الكفار بالقرآن. كما يشرح معنى السجود بالخضوع وتأثير التكذيب على الكافرين.
يشرح هذا الفصل كيف أن الكافرين يتسمون بالتكذيب المستمر، وأن الله يعلم بجميع أفعالهم وسيجازيهم عليها. كما يبين أن التكذيب يولد السلوك المنحرف ويستخدم القرآن لغة التهكم في وصف العذاب الأليم للكافرين.
يفسر هذا الفصل معنى "أجر غير ممنون" بأنه غير مقطوع أو منقوص، ويتناول الخلاف حول تفسير "غير ممنون" بمعنى عدم المنة على أهل الجنة. كما يشمل ختام سورة الانشقاق والدعاء لله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كنا بالأمس توقفنا عند قول الله جل في علاه في جواب القسم: ﴿لتركبن طبقًا عن طبق﴾، وأشرنا إلى معاني هذه الآية الكريمة وما يتعلق بأقوال المفسرين. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله: ﴿فما لهم لا يؤمنون﴾، قال: فما لهم أي الكفار، أي مانع من الإيمان؟ لا يؤمنون، أي أي مانع من الإيمان أو أي حجة لهم في تركه مع وجود براهينه. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ما لهم لا يؤمنون﴾، قال العلماء: هذا استفهام إنكاري ينكر عليهم ربنا، أي على الكفار، لماذا لا تؤمنوا بالله عز وجل، وخاصة مع قيام براهينه؟ براهين الله عز وجل كثيرة جدًا على أنه الفرد الصمد الواحد الأحد، وأنه المعبود الذي يعبد لا سواه. ظهرت هذه البراهين فينا كمعاشر البشر والناس، وفي أنفسكم أفلا تبصيرون؟ فالإنسان لو تأمل في نفسه لعلم أن الله قد أبدع في خلقه، وجعل فيه من الأسرار ما تطيش به العقول والأبصار. وأيضًا براهين الله واضحة حتى في المعبودات التي عبدت من دون الله، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يعبدون من دونه هو الباطل. من تأمل في معبودات الناس -إما ذاك يعبد بشرًا مثله، أو آخر يعبد جمادًا من أشجار وأحجار، أو ذاك يعبد نجومًا سيارة كواكب تمضي وتمشي لا تدور مع نفسها، لا تملك لغيرها نفعًا ولا ضرًا- فلو أن هؤلاء الكفار تأملوا في معبوداتهم لأظهرت أنها ضعيفة وعاجزة. فالشاهد قال الله عز وجل: ﴿فما لهم لا يؤمنون﴾، وهذا مثله في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر﴾، ما الذي يضرهم؟ لو أنهم آمنوا بالله اعتنقوا دين الله، هل يضرهم شيء؟ لا والله، بل سينفعون نفعًا عظيمًا في دنياهم وفي آخراهم، لكنه الهوى والإعراض هذا الذي أودى بهم إلى هذه الحالة التي هم عليها. فقال سبحانه: ﴿فما لهم لا يؤمنون﴾، قال: ﴿وما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾، قال: يخضعون بأن يؤمنوا به لإعجازه. وأيضًا ما للكفار إذا قرئ عليهم القرآن إذا استمعوا وتأملوا في آياته أنهم لا يسجدون؟ هنا قال: يسجدون يخضعون، أي أنه فسر السجود هنا بمعنى سجود القلب، بمعنى الخضوع؛ لأن من معاني السجود الخضوع، ولله يسجد من في السماوات ومن في الأرض، أي يخضع. فالسجود يأتي بمعنى الخضوع، وقال العلماء: وإنما فسر السجود هاهنا بمعنى الخضوع؛ لأن الكافر في حال كفره لا يتحصل منه سجود شرعي، الكافر في حال كفره ما ينتفع بالسجود الشرعي، ولهذا فسرت هذه الآية: ﴿لا يسجدون﴾ أي لا يخضعون بأن يؤمنوا به لإعجازه. وهذا بخلاف المسلم إذا كان هذا الكافر إذا يسمع القرآن لا يخضع ولا يتأثر، فإنه بخلاف المؤمن المسلم الذين وصفهم الله عز وجل على نقيض هذا الوصف، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا﴾، المسلم إذا استمع وسمع شيئًا من القرآن تأثر وزاد في إيمانه. وبهذا نعلم أن المسلم إذا سمع شيئًا من القرآن ولم يتأثر به، فقد اتصف بشيء من صفات الكفار. إذا كان القرآن يتلى عليك يا عبد الله ولا تتأثر به ولا تتحرك به ساكنًا، ولا يشغل تفكيرك ولا بالك، ولا تزداد منه علمًا، فحالك كحال الكافر في هذه الحيثية. فالمسلم أشار إليه ربنا بأنه إذا تليت عليه آياته زادته إيمانًا، يزداد تفكرًا وتأملًا وعلما وبصيرة وعملًا. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾ بالبعث وغيره، بل الذين كفروا، أي من كانت طبيعتهم من كان على العقيدة الكفرية، من كان كافرًا، فإن من طبيعته التكذيب. وبهذا نعلم أن الاعتقاد الفاسد يولد السلوك المنحرف، فلما كانوا هؤلاء كفارًا كفروا بالله، ما الذي ولد من هذا الكفر؟ ولد منه التكذيب. وتأمل في تعبير القرآن: ﴿يكذبون﴾ جاء بصيغة المضارع، دل على أن هذا التكذيب مستمر معهم، لا زالت هذه الراية مرفوعة، مهما جئت من حقائق وجئت من آيات وجئت من آيات بينات، فلن تعدم منهم سوى التكذيب. ﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾، قال: بالبعث وغيره، ﴿والله أعلم بما يوعون﴾، قال: يجمعون في صحفهم من الكفر والتكذيب وأعمال السوء. والله أعلم بما يوعون، هنا يوعون بمعنى يجمعون، فأوعى أي فجمع. فالكافر مهما جمع من السيئات ومن التكذيب والضلالات، فالله عز وجل قد علم به، وهذا ليس فقط علم مجرد، بل هذا علم سيكون من ورائه الحساب والجزاء والعقاب. المؤلف رحمه الله تعالى هنا قال: «والله أعلم بما يوعون يجمعون في صحفهم»، حصر هنا الجمع في مسألة الأعمال السيئة، وإلا فإن التفسير أعم من هذا التفسير، فالله أعلم بكل ما يجمعه هذا الكافر، سواء ما جمعه في صدره، ما جمعه في نفسه من الكر والبغم والضيق والحرج، ومن سوء الظن بالله، الله قد علم به. أو ما كان في صدره من التخطيط لضرب الإسلام والمسلمين، فإن الله قد علم به، أو ما جمع من أموال رصدها حشدها حصدها لكي تكون عدته في حربه على الإسلام والمسلمين، فالله قد علم به. فمهما جمع الكافر، فالله قد علم بجمعه في ماله في نفسه في صحف أعماله، كما قال سبحانه: ﴿والله أعلم بما يوعون﴾ بكل ما يوعون قد علم الله به. ولهذا حذف المحذور حذف المعمول هاهنا ليشمل الجميع، قال: ﴿فبشرهم﴾ أخبرهم بعذاب أليم مؤلم، ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾، البشارة في أصلها إنما تطلق على الخبر السار، الذي يسر به صاحبه، وسمي هذا الخبر السار بشرى؛ لأن الخبر السار يظهر أثره على بشرة صاحبه. عندما تأتي إلى بعض الناس وتحفزه بخبر سار، تقول: يا فلان لك خبر، تقول: إيش لك كذا وأعطي كذا ورزقت بكذا، هذا الخبر السار أثره على صاحبه لا فقط يتطرق إلى سمعه، لا بل يتأثر حتى على بشرته، فتجد تعابير الوجه تغيرت، تجد العيون قد فتحت والآذان قد صغت وماذا وابتسم الفم، لربما ضحك، بل لربما قام، بل لربما ضمك من شدة هذا الخبر السار. فوجدوا أن الخبر السار يؤثر على بشرة صاحبه، فسمي بشارة. إذن البشارة تطلق على الخبر السار، لكن عندي في هذه الآية هل عندي خبر سار؟ لا، عندي عذاب أليم، أن الله عز وجل توعد الكفار بعذاب أليم، لكن هنا وصف ربنا عز وجل هذا التنديد وهذا الوعيد بالبشارة، لماذا؟ قال العلماء: من باب التهكم من باب التهكم بأهلها وأصحابها، هذه بشارتكم، ما هي عذاب أليم؟ قال: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾، قال: مؤلم، قال: «إلا لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون»، هنا قال: إلا لكن، أي فسر إلا بمعنى لكن، وإلا الاستثنائية تفسر بمعنى لكن الاستدراكية إذا كانت الاستثناء عندي ما يسميه أهل اللغة بالاستثناء المنقطع. لأن الاستثناء عندي استثناء متصل واستثناء منقطع، فإذا وضابط هذا الاستثناء من ذاك، إذا رأيت أن المستثنى من جنس المستثنى منه، هذا استثناء متصل، وإذا رأيت أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، يقال هاهنا استثناء منقطع، وتفسر إلا بمعنى لكن. تأمل معي لهذا الضابط في هذه الآية، ذكر ربنا عز وجل من؟ ذكر الكفار: ﴿الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم﴾، السياق عن الكفار، ثم قال ربنا: ﴿إلا الذين آمنوا﴾، استثنى من؟ استثنى ربنا أهل الإيمان، السؤال: هل أهل الإيمان هم من جنس الكفار؟ الجواب: لا، هم ليسوا من جنس الكفار، هم جنس آخر جنس منفصل تمامًا، الكفار لهم دينهم والمسلم له دينه. فالمسلم والمؤمن والذي آمن وعمل الصالحات هو ليس من جنس الكافر، إذن عندي ماذا؟ عندي استثناء منقطع، فإذا كان عندي استثناء منقطع، ما الذي يفيدك؟ أن إلا بمعنى لكن، كما قال المؤلف هنا: «قال إلا لكن الذين آمنوا»، قال: لكن الذين آمنوا، وهذه فائدة تستفيد عبد الله في مثل هذه المواطن. قال: «لهم أجر غير ممنون»، قال: غير مقطوع ولا منقوص ولا يمن به عليهم. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في أجر الله عز وجل لما يجريه على أهل الجنة بأن أجرهم غير ممنون، غير ممنون بمعنى غير مقطوع، إشارة إلى أن نعيم أهل الجنة دائم أبدي سرمدي لا ينقطع، ومنه يستفاد أبدية الجنة أنها خالدة أبد الآبدين، بدليل: ﴿لهم أجر غير ممنون﴾ لا ينقطع أجرها أبدًا. فهذا معنى غير مقطوع، قال: ولا منقوص، وهذا معنى ثاني صحيح، أن أجرك يا عبد الله ستأخذه كاملًا مكملًا ما تجد فيه نقصًا بوجه من الوجوه، فلا كما قال: «لا الظلمًا فلا يجدون ظلمًا ولا هضمًا»، ما هناك هضم للخير اللي ستناله يوم القيامة، هذا معنى ولا منقوص. والمعنى الثالث قال: ولا يمن به عليهم، أي ما تجدون يا أهل الجنة من عليكم، ما أحس يمن عليكم، هذا معنى ولا يمن به، أي بالنعيم عليهم. هذا المعنى الثالث من باب الفائدة وقع فيه خلاف، الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره أورد أن من أهل العلم من أنكر هذا المعنى، أنه لا يفسر بهذا في قوله تعالى: ﴿لهم أجر غير ممنون﴾ بمعنى أنه لا يمن به عليهم، قال: لهذا ليس بصحيح. بل إن الله عز وجل له أن يمن على خلقه في كل لحظة وفي كل آن، وأن أهل الجنة في الحقيقة ما دخلوا الجنة بأعمالهم ولا بأقوالهم ولا بجهدهم، وإنما دخلوا تفضلًا من الله وحده برحمة منه، كلكم يدخل الجنة برحمة الله، الكل ما هناك أحد يخرج برحمة الله، فالله هو الذي ممتن علينا بالجنة، فالله له أن يمن على خلقه، وهذا الذي أشار إليه ابن كثير رحمه الله تعالى واردًا الإشكال على هذا المعنى. لذا الصحيح في معنى هذه الآية: ﴿لهم أجر غير ممنون﴾ أي غير مقطوع ولا منقوص، أما أنه لا يمن به عليهم هذا محل نظر كما قال العلماء وأهل الأثر بهذه الآية. انتهينا إخواني في الله من ختام سورة الانشقاق، نسأل مولانا جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.