الدرس في تفسير سورة الانشقاق من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بقراءة مقدمة دينية ثم تفسير لسورة الإنشقاق، حيث يشرح أهم معانيها ويذكر الخلاف في عد آياتها.
يتناول المقطع تفسير الآيات التي تصف أحداث يوم القيامة والحساب، ويشرح معاني الآيات ويبين دلالاتها.
يتناول المقطع تفسيرًا مفصلًا لبعض الآيات من سورة الإنشقاق، ويوضح معاني الأقسام الواردة فيها وأجر المؤمنين.
يتضمن المقطع الختامي دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويتبعه صلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس سابق، إخواني في الله، في سلسلة قراءاتنا في تفسير الجلالين، كان الفراغ من قراءة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من سورة الإنشقاق. ومن باب الفائدة، فلعل من المستحسن أن بعد انتهائنا من تفسير السورة أن نرجع إليها بذكر شرح موجز لما فيها، وخاصة إذا رأينا أن المدة قد طالت، وذلك لكي تكون الذاكرة قريبة عهد بتفسير هذه السورة. وأيضًا أن من غاب عن بعض المجالس يستطيع أن يستدرك ما فاته. ففي هذا اليوم، بإذن الله، سنقرأ تفسيرًا سريعًا بأهم معاني سورة الإنشقاق، والتي أخذنا فيها عدة مجالس في شرحها. فذكرنا أولًا في قول المؤلف: سورة الإنشقاق، ويقال لها أيضًا سورة إذا الشمس انشقت أو إذا السماء انشقت. وقوله رحمه الله تعالى: مكية، هذا بالإجماع. وقوله: آياتها ثلاث أو خمس وعشرون آية، ذكرنا أن هذا الخلاف في عد الآي إنما يعود على اختلاف المصاحف. وأن هذا الاختلاف الدائر بين أهل المصاحف إنما يعود إلى مسألة الوقف على هذه الآية أو على تلك الآية، وليس في هذا الاختلاف في عد آي السور القرآنية أنه يحمل مسألة الحذف أو الإلغاء أو زيادة بعض الآيات كما يدعي في ذلك أهل الكفر والاستشراق. فقال سبحانه وتعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبنا طبقا عن طبق فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون﴾. قال: إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت، أذنت أي استمعت لأمر ربها، وحقت أي حق لها أن تستمع. وإذا الأرض مدت، مدت أي زيد فيها، وبمعنى مطت، وهذا يكون يوم القيامة أن الأرض تتهيأ لأن تستقبل الخلائق جميعًا على ظهرها، فالأرض يأمرها الله عز وجل أن تمتد فتكون أرضًا منبسطة. وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت، ألقت ما في جوفها من الجثث والكنوز، وتخلت أي تخلت عنهم، وأذنت لربها وحقت، أي واستمعت لأمر ربها وحق لها أن تسمع وأن تطيع. ثم قال سبحانه: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه، قلنا: بمعنى الساعي بجد ومشقة، وكل إنسان يكدح إما بخير وإما بشر، كادح إلى ربك وذلك عند موته في لقاء أجله كدحًا فملاقيه. ذكرنا اختلاف المفسرين في كلمة فملاقيه، ملاقي ماذا؟ قيل: أنه ملاقي ربه، قيل: أنه ملاقي عامله، والكل معنى يحتمل هذا ويحتمل هذا، ولا غضاضة بين التفسيرين. وأشرنا إلى فائدة في قوله تعالى: كدحا فملاقيه، أن الفاء تفيد التعقيب، وفي أن الإنسان متى ما مات قامت قيامته، الإنسان متى ما مات قامت قيامته، ولو كان بين موته وقيام الساعة مئات وآلاف السنين، فإن الحياة البرزخية تمر سريعًا. ثم قال سبحانه: فأما من أوتي كتابه بيمينه، وهذا هو حال المؤمن وحال المسلم، فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا. وذكرنا أن الحساب اليسير هو العرض، وهو العرض على الله، وهو أن العبد يجد أن الله يقرره بذنوبه، فإذا رأيت ذلك فاحمد الله، لأن ما بعد العرض العفو، هذا هو الحساب اليسير، يقررك الله بذنبك وأنت تقر وتعترف، بخلاف النقاش والجدال مع ربك، فإن هذا هو الهلاك بعينه، من نوقش الحساب عذب. ثم قال سبحانه: وأما من أوتي كتابه وراء ظهره، وذكرنا هنا مسألة وأطلنا فيها النفس في بيان الكافر في تلقي كتابه، وأن حالات التلقي في القرآن جاءت على صورتين: الأخذ بالشمال، والأخذ خلف الظهر. ومن هنا اختلف العلماء في كيفية فهم هذه الحالات. فالمذهب الأول من ذهب إلى أن هذه الصور حكاية عن أقسام الكفار، فقسم من الكفار يأخذ كتابه بشماله، وقسم من الكفار من يأخذ كتابه خلف ظهره. ومن هنا اختلف هذا الفريق من العلماء من هذا الذي يأخذ بشماله ومن هذا الذي يأخذ خلف ظهره. وقوله سبحانه: فلا أقسم بالشفق، أقسم ربنا عز وجل بهذه الفترة الزمنية وهي الحمرة التي تكون في الأفق. والليل وما وسق، وما جمع، أقسم الله بالليل إذا جمع في جنحه ما كان من الدواب التي تأوي إلى مساكنها، والقمر إذا اتسق، اتسق اجتمع نوره واكتمل، ولا يكون ذلك إلا في الليالي البيض. فقوله سبحانه: لتركبنا طبقًا عن طبق، هذا الذي أقسم الله عليه ما هو؟ أقسم الله بما سيكون من تغيرات من تغيرات نجدها نحن في حياتنا وفي موتنا. ولهذا تعددت عبارات المفسرين في مسألة لتركبنا طبقًا عن طبق، والمعنى العام لهذه الآية أي لتركبنا حالًا من بعد حال. ثم قال سبحانه: فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون، أي ما بال الكفار إذا سمعوا القرآن لم يتأثروا به؟ قلنا هنا يسجدون بمعنى يخضعون، بمعنى يتأثرون، وليس يسجدون بمعنى السجود الشرعي. ثم قال سبحانه: بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون، قلنا: يوعون بمعنى يجمعون، وهذا حكم عام يجمعون ماذا؟ لم يذكر المعمول حتى يشمل كل ما يجمعه الكافر. ثم قال سبحانه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون، قلنا: غير ممنون بمعنى غير مقطوع، فنعيم أهل الجنة لا ينقطع، بمعنى أنه أبدي سرمدي. هذا، إخواني، ما ذكرناه في دروس مضت ومجالس سابقة في تفسير سورة الإنشقاق، جمعناها في هذا المجلس بشيء من الإيجاز حتى يكون للقارئ المعنى العام لهذه السورة المباركة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.