الدرس في التعليق على أصول في التفسير 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التشابه الحقيقي في القرآن يشير إلى الأمور التي لا يمكن للبشر إدراكها، مثل حقائق صفات الله تعالى. يجب الإيمان بهذه الأمور دون سؤال عن الكيفية.
يناقش مفهوم المتشابه النسبي في القرآن، وهو ما يكون مشتبها على بعض الناس دون بعض. يشرح كيف أن بعض الآيات قد تُفهم بشكل خاطئ.
يشرح الفرق بين الآيات المحكمة والمتشابهة، ويبين أن الآيات المتشابهة اختبار للعباد. فهم الآيات يحتاج إلى الرجوع إلى الآيات المحكمات.
المنحرفون يحتجون بالآيات المتشابهة لتبرير انحرافهم، بينما الصحيح خلاف ذلك. يجب فهم الآيات في ضوء المحكمات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: أنواع التشابه في القرآن. قال: التشابه الواقع في القرآن نوعان، أحدهما حقيقي، وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر، كحقائق صفات الله عز وجل، فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات، لكننا لا ندرك حقائقها وكيفيتها، لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علما﴾، وقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾، أن هذه حقائق الصفات لا يمكن أن يعلمها البشر؛ لأن الله عز وجل لم يعلمنا ذاته ولا صفاته. ولهذا أهل البدع الذين يسألون عن الكيفية يسألون عن أمر محال. ولهذا لما قال بعضهم لإسحاق: «كيف ينزل؟» لما ذكر حديث النزول، فقال له رجل: «فكيف ينزل؟» قال له: «صف لي ذاته حتى أصف لك صفاته، صف لي ذاته حتى أصف لك صفاته»، ما نعرف ذاته، فكيف نعرف صفاته؟ فلهذا هذا الأمر من المشتبهات التي علمها ربنا سبحانه وتعالى، ولم يعلمها أحد. وهذا أيضا ليس مما وضحه الله عز وجل في القرآن، هذه أشياء غيبها الله عز وجل عن عباده، فلهذا فهي من المشتبهات التي لا يعلمها إلا الله. فسماه هنا الشيخ أنه تشابه حقيقي، أو مشتبه حقيقة؛ لأنه ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، لا تدركه الأبصار، أي: لا تحيط به الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير. قال جل وعلا: ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، كيف استوى؟ قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». وهذا النوع لا يسأل عن استكشافه؛ لتعذر الوصول إليه. الآن هذا الأثر الذي جاء عن مالك جاء من طرق كثيرة، وصح عنه، وجاء أيضا كذلك عن ربيعة، شيخ ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، وجاء عن أم سلمة، لكنه لا يصح. طيب الآن ما جاء في الأثر، هذا أن هذا الرجل دخل على الإمام مالك، وقال: «يا أبا عبد الله، الله عز وجل يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، كيف استوى؟» فغضب الإمام مالك من هذا السؤال؛ لأن هذا السؤال في الحقيقة كيف يسأل عن كيفية الصفة؟ فغضب الإمام مالك، حتى علاه الرحضاء، أنه عليه الرحضاء، أي: عرق من شدة غضبه، ومن عظمة السؤال، أنا تعاظم هذا السؤال كيف إنسان يسأل عن هذا؟ فقال بعد ذلك: «الاستواء غير مجهول، معروف». وجاء في رواية: «الاستواء معلوم، معنى يعرف في لغة العرب»، الاستواء نعلم ذلك في لغة العرب، كما فسره السلف، منهم من قال: علا، ومنهم من قال: ارتفع، كما ذكره البخاري. أنا بالعلو، فهذا معروف. قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول». قال: الكيف، كيفية هذه الصفة غير معقولة، معنى: ما تدركها البشر، وغيب الله عز وجل عن البشر هذا الأمر، فهي غير معقولة، لكن الكيفية موجودة، لكن نحن لا نعلمها، فهي من المتشابه الذي يرد علمه إلى الله سبحانه وتعالى. فلهذا قال رحمه الله: «والكيف غير معقول، والإيمان به واجب»، نؤمن أن الله عز وجل استوى على عرشه، ما نقول مثل ما تقول المعتزلة، الجهمية: أن استوى معنى استوى، لا نقول: إن... والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أي: عن الكيفية، السؤال عن الكيفية يعتبر بدعة. ثم قال: «وما أراك إلا مبتدعا»، أي: هذا الرجل، قال مالك: «وما أراك إلا مبتدعا»، فأمر بإخراجه. فلهذا فهذه الكيفية لا يعلمها إلا الله. وكذلك أيضا كيفيات وحقائق الجنة والنار، حقائق الجنة والنار لا نعلمها، وإنما ذكر الله عز وجل شيئا يسيرا من بعض معانيها، النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ذكر، ذكر أنه قال: «نبقها مثل قلال هجر»، النبق، أي: الدوم، هذا مثل قلال هجر في الجنة، وغيرها مما قد يذكر في هذا الباب، لكن كما قال ابن عباس: «الأسماء هي الأسماء، لكن الحقائق تختلف»، معنى: الإسم عنب، ذاك عنب في الجنة، وهذا عندنا في الدنيا عنب، لكن هل هذا العنب الذي في الجنة مثل العنب الذي عندنا؟ لا، إنما الأسماء تتشابه، مثلا: تمر، تمر الدنيا ليس كتمر الجنة، هذا لا شك فيه، لكن الاسم واحد: تمر. وهكذا غيرها من الفواكه، كما قال ابن عباس رضي الله عنه: «ليس في الدنيا من الجنة إلا الأسماء، ليس في الدنيا من الجنة إلا الأسماء»، هذا يسمى عنبا، يسمى تفاحا، يسمى كذا، لكن أمر الجنة شيء آخر. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، حتى أنه لم يخطر على قلب البشر على شيء فوق الإمكان، شيء فوق الإمكان من النعيم المقيم الذي جعله الله عز وجل لأهل عبادة الصالحين، أعددت للعباد الصالحين ما لا عين رأت، أي: عينهم ما رأته أبدا، ولا أذن سمعت، ولا أعظم، ولا خطر على قلب بشر، أنا ممكن أن الإنسان ما يرى هذا الشيء، وممكن أنه لا يسمع بمثل هذا الشيء، لكن أنه لا يخطر على باله، فهذا شيء أعظم، يعني: لا يخطر على باله شيء من هذا النعيم العظيم. وهذا يدل على روعة هذا النعيم العظيم، وأيضا عظمته التي لا توصف، لكن هذا شيء غيبه الله عز وجل عن العباد، فهو يعتبر أيضا من المتشابهات التي لا يعلمها إلا الله. كذلك حقائق النار، النار نعرف أن فيها عذابا، لكن أي شيء العذاب؟ ذكر الله عز وجل بعضا من العذاب، لكن تطبيقه، معنى تطبيقه، معنى: كيف يتعذب الكفار في ذلك اليوم العظيم؟ هذا أيضا شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل، وهو من المشتبهات التي لا يعلمها إلا الله، كما ذكرنا ذلك بالأمس. قال: النوع الثاني: نسبي، وهو ما يكون مشتبها على بعض الناس دون بعض، فيكون معلوما للراسخين في العلم دون غيرهم. وهذا يكون الجمع بين القولين في التفسير، كما ذكرنا بالأمس، معنى: على أن الواو عاطفة، والراسخون على أنها عاطفة على «لا يعلمه إلا الله»، والراسخون يعلمون تأويل المتشابه، أو على أنها استئنافية، وأن الراسخين لا يعلمون المتشابه، لكن يقولون: «كل من عند ربنا». فعلى هذا وعلى هذا، فيكون هناك متشابه حقيقي، ومتشابه نسبي، متشابه حقيقي، ومتشابه نسبي. فالنسبي هذا هو ما يكون مشتبها على بعض الناس دون بعض، فيكون معلوما للراسخين في العلم دون غيرهم. وهذا النوع يسأل عن استكشافه، وبيانه بإمكان الوصول إليه؛ إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس، بل كل القرآن مبين، قال الله عز وجل: ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾، وقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب بيانا لكل شيء﴾، وقال: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه﴾، وقال: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا﴾، نورا، أي: شيء واضح، ليس فيه خفاء. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿بلسان عربي مبين﴾، بلسان عربي مبين، واضح جدا، يفهمه كل عربي. لكن بعض أهل البدع قالوا: إن القرآن فيه متشابهات، وذكروا أن صفات الله عز وجل من المتشابه. لو كان الصفات من المتشابه، معنى: أن أكثر القرآن متشابه. ولهذا سماهم شيخ الإسلام: أصحاب هذا القول، سماهم: أهل التخيل، سماهم: أهل التخيل؛ لأنهم جعلوا القرآن فيه خيال، شيء لا يعرف ولا يبين. وسماهم كذلك، أو سماهم: أهل التجهيل؛ لأنهم يقولون: إن الصحابة رضي الله عنهم، بل النبي عليه الصلاة والسلام لم يبين للناس القرآن، والصحابة ما كانوا يعرفون أشياء كثيرة من القرآن، يقرؤون ولا يعرفون أشياء من هذا من الصفات. لكن بعد ذلك جاء هؤلاء العباقرة من الأشاعرة والجهمية وغيرهم من أهل الباطل، عرفوا أن هذا القرآن ليس المراد منه هكذا. وجاءوا قالوا: «هذه الآيات التي في الصفات ليس المراد منها الصفات، وإنما المراد منها شيء آخر». معنى: كيف الله عز وجل سيذكر الصفات، وهو يريد شيء آخر؟ من أين عرفتم هذا؟ قالوا: «لأن ذكر الصفات استلزم التشبيه»، لو قلنا: إن لله صفات، لقلنا: إنه يشبه البشر. طيب الآن الصفات للموجود أصلا، أي: شيء موجود له صفات، فأنتم إذا قلتم: إن الله عز وجل ليس له صفات، معناه: وصفتموه بالعدم، أنه ليس هناك شيء. لهذا كان السلف يقولون: «وما جعل حماد بن زيد -أو حماد بن سلمة- قال: إنما يدور الجهمية على أن الله عز وجل ليس شيء»، أن هؤلاء يريدون أن يقرروا للناس أن الله ليس شيء أصلا. فلهذا تجد أن هؤلاء جهلوا الصحابة، أنهم يقرؤون كلاما لا يفهمون معنى، وجهلوا التابعين على أنهم يقرؤون كلاما، بل أن ما هو أعظم من ذلك، اتهموا كلام الله عز وجل بأنه مشتبه، أكثره ملبس، معناه: كأن الله عز وجل أنزل إلينا كتابا لا نعرفه، وأنزل كتابا لا يعرفه الناس، ولم يبين فيه شيئا، معناه: أن القرآن فيه شيء غير مبين. وهذا كله من الباطل، وأيضا يدل على تكذيب لهذه الآيات التي ذكرها الله عز وجل، وأنه بيّن، بل ربنا سبحانه وتعالى قوله: ﴿صدقا جل وعلا ومن أصدق من الله حديثا﴾، فلهذا فهو الذي بيّن ربنا سبحانه وتعالى هذا الكتاب بيانا شاملا، وموضحا، وجاء هذا الكتاب بلسان عربي مبين، يعرفه من يعرف العربية. طيب قال: وأمثلة هذا النوع كثير، منها قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، حيث اشتبه على أهل التعطيل، ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله، بدعوى أن ثبوتها يستلزم المماثلة. قالوا: معناه أن ثبوت الصفات يستلزم التشبيه والتمثيل. وهذا كلام باطل؛ لأنه يرد عليهم بأن الله عز وجل أصلا قال: ﴿ليس كمثلي شيء﴾، حتى ولو كانت هناك صفات بنفس الاسم، لكنها صفة الخالق، ليست كصفة المخلوق. ما دام أن المخلوقات لا تتشابه بعضها بعضا، وإن اتفقت في مسميات، فكيف بالخالق والمخلوق؟ مثلا كما ذكر بعضهم: اليد، يد النملة، ويد الفيل، هل فيهما تشابه؟ ليس فيهما تشابه من أي جهة، ما فيهما تشابه، ما فيهما تشابه في اليد، لا في الطول، ولا في الحجم، ولا في النوع، ولا أيضا كذلك في الكيفية، ليس هناك تشابه أبدا، لكن هذه تسمى يد، وهذه تسمى يد. فهذا بين المخلوقات تفاضل، ليس هناك تشابه، فكيف بين الخالق والمخلوق؟ فاتحاد المسميات لا يدل على اتحاد المسميات، لكن هؤلاء قالوا: لا، قالوا: اتحاد الأسماء يدل على اتحاد المسميات. وهذا باطل شرعا وعقلا، شرعا وعقلا. فلهذا هؤلاء أتوا بما يناقض العقول، ويناقض أيضا الكتاب والسنة. قال: وإن إثبات أصل المعنى لا يستلزم المماثلة. ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾، هذا قد جئنا به بالعكس، تكلمنا على هذا، أن الوعيدية كالخوارج والمعتزلة ادعوا أن هذه الآية تدل على أن من يقتل مؤمنا يعتبر كافرا، وأن من أتى بالكبائر يعتبر كافرا. قال: حيث اشتبه على الوعيدية، ففهموا منه أن قَلِيل في النار، وطردوا ذلك على جميع أصحاب الكبائر، وعرضوا عن الآيات الدالة على أن كل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئة الله، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. قالوا: منه قوله تعالى: ﴿لم تعلم أن الله يعلم ما في السماوات والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾، قال: حيث اشتبه على الجبرية، ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله، اشتبه على هؤلاء الجبرية، قالوا: إنه أن الإنسان العبد مجبور على عمله، أن الله عز وجل قد علم منه كل شيء، وأن ذلك قد كتبه في كتاب. وهذا لا يلزم، لا يلزم الجبر. قال الله عز وجل: ﴿جعل العبد مشيئة وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين لمن شاء منكم أن يستقيم لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، قال: حيث اشتبه على الجبرية، ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله، بدعوى أنه ليس له إرادة، ولا قدرة عليه. وعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة، وأن فعل العبد نوعان: اختياري، وغير اختياري، معنى: شيء يستطيع أن يأتي به، ويختاره، وشيء لا يستطيع أن يختاره. وهناك استطاعة قبل الفعل، وبعد الفعل، أو مع الفعل. الاستطاعة التي قبل الفعل هي التي يفعلها، أو يستطيعها العبد في فعل الخير والشر. أنا الآن مثلا الإنسان جالس ببيته، ويذهب إلى المسجد، أستطيع أن يذهب إلى المسجد، هذا استطاعة قبل الفعل. لكن هل هو مثلا يستطيع أن يأتي إلى المسجد؟ فهذا الاستطاعة التي سيذهب إلى المسجد. لكن هل لابد أنه يكون في المسجد؟ هذا الله أعلم، هذا التوفيق من الله، ممكن يصرف عن المسجد، يذهب إلى مكان آخر، ممكن مثلا يموت، ممكن يحصل له حادث، يرجعون به إلى أهله. فالاستطاعة مع الفعل تكون مع الله عز وجل. سبحانه وتعالى... مثل هذا الكلام. المهم أنه يعرف أن الإنسان ليس مجبرا، وإنما هو له مشيئة يفعل الفعل، لكن هذه المشيئة لا تكون إلا بمشيئة الله عز وجل الفاعلة في كل شيء. قال: الراسخون في العلم، أصحاب العقول، يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنى يتلاءم مع الآيات الأخرى، فيبقى القرآن كله محكما، لا اشتباه فيه. الآن خلاصة ما يذكر، وقد ذكرنا هذا من قبل: أن التشابه على نوعين، التشابه حقيقي، ما هذا لا يعلمه إلا الله، والتشابه نسبي، هذا النسبي متى ما رد إلى محكمه، علم معناه. قال: الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم وتشابه، قال: لو كان القرآن كله محكما لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقا وعملا؛ لظهور معناه، وعدم المجال لتحريفه، والتمسك بالمتشابه به ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله. ولو كان كله متشابها لفات كونه بيانا وهدى للناس، ولما أمكن العمل به، وبناء العقيدة السليمة عليه. أنا هذا الحكمة من جعل القرآن محكما ومتشابها، فلم يجعله محكما كله؛ حتى يختبر الناس، ربنا جل وعلا يختبر الناس: هل يتبعونه؟ هل ينقادون لأوامره؟ فجعل أشياء ملتبسة؛ حتى يعلم من كانت نواياه خبيثة، ويعلم الناس بذلك، فيذهب، ويتمسك بالمتشابه، يأخذ المتشابه، ويتمسك به. وإذا جعله كله متشابها أيضا لفات كونه بيانا وهدى للناس. لكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات، يرجع إليهن عند التشابه. قال: وآخر متشابهات امتحان للعباد؛ ليتبين صادق الإيمان من من في قلبه زيغ، فإن صادق الإيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله تعالى، وما كان من عند الله فهو حق، ولا يمكن أن يكون فيه باطل أو تناقض؛ لقوله جل وعلا: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾، قوله: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾. وأما من في قلبه زيغ، فيتخذ المتشابه سبيلا إلى تحريف المحكم، واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار، والاستخبار عن الأحكام. ولهذا تجد كثيرا من المنحرفين في العقائد والأعمال يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة، أصحاب الجبر يحتجون بآيات، أصحاب الاعتزال، أصحاب الخوارج، وهكذا. والصحيح خلاف هذا. طيب إن شاء الله نكتبه هذا والله وتعالى.