التعليق على أصول في التفسير 20

الدرس في التعليق على أصول في التفسير 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم التعارض في القرآن وأسبابه

يناقش الشيخ مفهوم التعارض في القرآن ويبين استحالة حدوثه في الأخبار والأحكام، ويشير إلى أن الفهم الخاطئ يؤدي إلى ظن التعارض. يقدم أساليب الجمع بين النصوص المتعارضة ظاهرياً.

أمثلة وتطبيقات على الجمع بين الآيات المتعارضة

يذكر الشيخ أمثلة على آيات متعارضة ظاهرياً مثل هداية القرآن للمتقين وللناس، ويبين كيفية الجمع بينها وفق تفسير العلماء. يوضح أن الفهم الصحيح يحل الإشكال.

الجمع بين الآيات والأحاديث ذات التعارض الظاهري

يشرح المقطع كيفية حل التعارض الظاهري بين الآيات والأحاديث بفهم السياق الصحيح، مثل التفريق بين الأمر الشرعي والكوني وتفسير الأحاديث المختلفة المعاني.

التعارض في كتب الفقه وأصوله

يشير المقطع إلى وجود باب التعارض في كتاب وصول الفقه، ويذكر أن العلماء يتناولون هذا الموضوع ضمن أبواب الكتاب، مما يدل على أهمية فهم التعارض في الفقه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: موهم التعارض في القرآن، قال: التعارض في القرآن أن تتقابل آيتان بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى، مثل أن تكون إحداهما مثبتة لشيء والأخرى نافية له. قاله: لا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري؛ لأنه يلزم إحداهما كذبا، إذا كان خبرا لا شك أنه لا يتعارض. إلا أن كان مثلا في شيء من الأجر أو الثواب أو كذا ممكن. أما خبر عن شيء، سواء كان عن شيء في الدنيا أو في الآخرة، فلا تتعارض الآيات أبدا؛ لأنه يلزم كون إحداهما كذبا، وهو مستحيل في أخبار الله تعالى. قال الله عز وجل: ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾، ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾. قال: ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حكمي؛ لأن الأخيرة منهما ناسخة للأولى. قال الله عز وجل: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها﴾. قال: وإذا ثبت النسخ، كان حكم الأولى غير قائم، ولا معارض للأخيرة. فالأصل -كما قلنا- أن التعارض غير موجود في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. ليس هناك تعارض، وإنما التعارض يفهمه الناس، أن يفهم أن بينهما تعارضا. والأصل أنه ليس هناك تعارض. فلهذا تجد أن بعض الناس يفهم، بعض العلماء يعرف أنه ليس هناك تعارض بين الآيتين. وقد يفهم مثلا بعض طلبة العلم، بعض العوام أو كذا، يفهم أن هناك تعارضا، لا يستطيع أن يجمع بين الآيتين. لكن إذا جاء عند العالم، عرف أن يجمع بينهما. كيف يجمع بينهما؟ مثلا حديث الذي جاء في ذنب الشهادة، ذنب الشهادة. حديث عمران بن حصين: «خير الناس قرني»، حديث المشهود أيضا: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، ثم يظهر السمن، ويظهر قوم يشهدون ولا يستشهدون. وجاء في لفظ: «يشهدون أو يأتون بالشهادة ولم تطلب منهم». وهناك حديث أو آية: «ومن يكتمها فإنه آثم قلبه». وأيضا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سيد الشهداء من أدى الشهادة قبل أن يطلبها». فكيف يجمع بينهما؟ الذي يقرأ هذه الأحاديث يقول: هذا تعارض. لكن ليس هناك تعارض. فالأول يشهد بدون أن يطلب منه الشهادة، وشهادته ليست في إرجاع حقوق، ولا في غيرها، وإنما يشهد هكذا لعجل مثلا، غاء صاحبه لعجل كذا، فيشهد على كل شيء، مع أنه يتسابقون في الشهادة، مع أن الشهادة خطيرة. والآية والحديث: «ومن يكتمها فإنه آثم قلبه»، على من كان في شهادة إخراج حقوق الناس. من كان في شهادة إخراج حقوق الناس، فهذا يجب عليه أن يشهد، سواء طلب منه أو لم يطلب. وهذا الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾، وهو الذي أيضا يشهد الشهادة قبل أن تطلب منه إذا كانت في الحقوق. فتجد أن العلماء، فراجع سيأتي ذكر بعض الأمثلة ذكرها المؤلف. قال: وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك، فحاول الجمع بينهما. فإن لم يتبين لك، وجب عليك التوقف، وتكل الأمر إلى عالمه. إذا كان لم تستطع الجمع، فترجع إلى النسخ، هل ترى إحداهما متأخرة؟ تبحث: هل هذا متأخر أو هذا متأخر؟ إذا تبين لك أن إحداهما متقدمة والأخرى متأخرة، فغالبا يكون نسخا. إذا لم يكن كذلك، لم تعرف المتقدمة والمتأخرة، ترجع إلى الترجيح. هذه طريقة العلماء في مسألة التعارض. قالوا: قد ذكر العلماء رحمهم الله أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، وبينوا الجمع في ذلك. ومن أجمع ما رأيت في هذا الموضوع كتاب «دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب» للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله. وهذا كتاب عجب، كتاب طيب جدا. وأيضا يدل على عمق علم هذا الرجل. سمى كتابه «دفع إيهام الاضطراب عن آية الكتاب»، أن يذكر الآية ويذكر ما يتوهم أنها معارضة لها، فيجمع بينهما. قال: ومن أمثلة ذلك قوله جل وعلا في القرآن: ﴿هدى للمتقين﴾، وقوله فيه: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس﴾. فجعل هداية القرآن في الآية الأولى خاصة بالمتقين، وفي الثانية عامة للناس. والجمع بينهما أن الهداية في الأولى هداية التوفيق والانتفاع، والهداية في الثانية هداية التبيين والإرشاد. قال: ونظير هاتين الآيتين قوله تعالى في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، وقوله فيه: ﴿إنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. أنا هنا في الآية الأولى نفي عنه الهداية، وفي الآية الثانية أثبت له الهداية. لو واحد مثلا ما يعرف العلم، سيقول: أشهد تعارضا في الآية. يقول له: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، فجعل الهداية لله. وهنا قال: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. وقال: ﴿يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم﴾ كما جاء في قول مؤمن آل فرعون على موسى. فلهذا تجد أنه جعل الهداية بيد الأنبياء وأتباعهم. لكن بين العلماء أن المراد بالهداية هنا هداية الدلالة، هداية الدلالة والإرشاد؛ لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم، تدله على الهداية فيهتدي. اهديه الله عز وجل هداية التوفيق بيد الله سبحانه وتعالى. قال: ومن أمثلة ذلك قوله جل وعلا: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾، وقوله: ﴿وما من إله إلا الله﴾، وقوله: ﴿فلا تدعو مع الله إلها آخر﴾، وقوله: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربه وما زادوهم غير تتبيب﴾. ففي الآيتين الأوليين نفي الألوهية عما سوى الله، وفي الأخريين إثبات الألوهية لغيره. معنى ينفي الألوهية: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾، لا إله إلا هو. وفي الآية الثانية: ﴿وما من إله إلا الله﴾. وهنا في الآيات الأخرى قال: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم﴾، سماها آلهة. واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، سماها أيضا آلهة. فهذا الظاهر والتعارض أن معنى فيه نفي الآلهة، وهنا إثبات آلهة. فتبين من الجمع بين هذه الآيات وإدخال آيات أخرى أن المنفي في الألوهية -كما سيذكر المؤلف- قال: والجمع بين ذلك أن الألوهية الخاصة بالله هي الألوهية الحق، هذه التي أثبتها لله فقط له سبحانه وتعالى، ولم يثبتها لغيره، وهي الألوهية الحق. ذلك بأن الله هو الحق: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾، أي لا إله حق إلا هو. قال: وأن المثبتة لغيره هي الألوهية الباطلة، لقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾. قال: ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾، وقوله: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾. قال: ففي الآية الأولى نفي أن يأمر الله تعالى بالفحشاء، وظاهر الثانية أن الله يأمر بما هو فسق. قال: ففي الآية الأولى نفي أن يأمر الله تعالى بالفحشاء، وظاهر الثاني أن الله يأمر بما هو فسق. والجمع بينهما أن الأمر في الآية الأولى هو الأمر الشرعي، والله تعالى لا يأمر شرعا بالفحشاء، لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان ويتأذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾. والأمر في الآية الثانية هو الأمر الكوني، والله تعالى يأمر كونا بما شاء حسب ما تقتضيه حكمته، بقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾. فالأمر الكوني هو ما يقع في هذا الكون، والله عز وجل خلق الشر لحكمة، أنه يخلق الشر لحكم من عنده سبحانه وتعالى. قالوا: من رام زيادة أمثلة، فليرجع إلى كتاب الشيخ الشنقيطي المشار إليه آنفا. أيضا كذلك الأحاديث، أحيانا كما قلنا يجد فيها الإنسان شيء من التعارض، فيجمع بينهم. وقد ألف بعض الباحثين الجامعيين رسالة سماها «الجمع بين حديث العقيدة»، «الجمع بين حديث العقيدة». كتاب طيب جدا، ذكر فيه بعض المباحث العقادية التي يظن فيها التعارض. مثل مثلا حديث التشاؤم، حديث التشاؤم. النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «طيرة». في حديث سهل المساعد وغيره. وقال أيضا: «لا يعدي شيء شيئا». وقال: «فمن أعدى الأول». وجاء في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشؤم في ثلاث: في المرأة والمركب والدار». فهذا معنى الظاهر والتعارض، كيف هناك النبي صلى الله عليه وسلم ينفي الطيرة، وهنا يثبت الطيرة وأنها هناك شؤم. فجمع العلماء بين هذه الأحاديث، فمن قائل أن المراد أن هذه شؤم أي على صاحبها، ليس المراد أنها هي شؤم، ولكن تسبب الشؤم. تشاءم من الإنسان بعد ذلك. المرأة إذا عاكست الرجل، يتشاءم من الإنسان منها. كذلك المركب سيارة دائما تتعطل، وكذا تجد حتى يصيب الإنسان التشاؤم. فلهذا في الأولى أنه يدعها، يدع هذه السيارة أو يدع مثلا هذا المركب الذي يركبه، أو هذه المرأة إذا كانت دائما تعارضه دائما كذا. فالمهم أن المراد من هذا أن الشؤم هنا ما سيعتقده الإنسان، ما سيعتقده الإنسان بعد ذلك. وقيل: وجمع بينهما على أن العدوى موجودة، أو أقصد التشاؤم موجود في الإنسان، التشاؤم موجود في الإنسان، لكن يدفعه الله بالتوكل، يدفعه الله بالتوكل. فإذا وجد شيء سيؤديه إلى التشاؤم، يجيد عنده التشاؤم، فإنه يتركه مثل المرأة أو كذا، فيكون فيها الشؤم. أو قال بعضهم: أن الشؤم في ثلاث أي ما يتشاءم به الناس، وليس المراد أن فيها شؤم، وإنما تشاؤم الناس غالبا يكون في هذه الثلاث: في المرأة، وفي الدار، وفي المركب، وأشياء كثيرة. وقد قال الإمام الخزيمة -كما ذكرنا قبل-: هاتوا لي حديثين متعارضين، أجمع لكم بينهما. أجمع، أجمع، أجمع لكم بينهما. أي أنه ليس هناك تعارض حقيقي أصلا. وهذا باب التعارض موجود في وصول الفقه، من أبواب وصول الفقه يبحثه العلماء. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا.