الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 738، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حديث ابن عمر في النهي عن ركوب الجلالة وشرب ألبانها، مبيناً طرق إسناده وأحوال رواته، وأن الجلالة هي التي تأكل العذرة فيمنع أكلها أو الانتفاع بها حتى تستبرأ وتذهب رائحتها.
تناول المقطع حكم الحيوانات التي تأكل النجاسات (الجلالة)، مبيناً أنها تشمل الإبل والبقر والغنم والدجاج، وأن النبي ﷺ نهى عن ركوبها وشرب ألبانها، وأجمع جمهور العلماء على تحريم أكل لحومها قياساً على تحريم ألبانها، مع ذكر قصة البقرة التي نطقت بمن ركبها دليلاً على عدم جواز ركوب البقر.
يبيّن المقطع جواز ركوب الإبل والخيل والحمير، وتحريم ركوب البقر والغنم لضعفها وتعذيبها بذلك، كما يشرح حكم الجلالة في الإبل وغيرها من بهيمة الأنعام والدجاج، مع ذكر عادة حبس الدجاج ثلاثة أيام تطهيراً لها، ويصف نظام الكنف قديماً للاستفادة من الفضلات كسماد.
يشير الحديث إلى تحريم ركوب الحمار وسائر الحيوانات الأهلية كالإبل والبقر والغنم والدجاج إذا أكلت من الجلالة وظهرت فيها رائحتها، ولا يجوز ركوبها حتى تزول الرائحة وتطيب لحومها، وهذا الحكم يشمل جميع الحيوانات الأهلية التي تتغذى على النجاسات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد أبو الحسن البصري، كان مسدد كاسمه كما قال البخاري، أي: مسدد في حديثه. قال: حدثنا عبد الوارث، وهو ابن سعيد التنوري البصري. قال: عن أيوب، وهو أيوب بن أبي تميمة أبو بكر رحمه الله السختياني، وأيوب يعتبر من أئمة أهل البصرة علماً وفقهاً واتباعاً للسنة. قال: عن أيوب عن نافع، نافع مولى عبد الله بن عمر، قال: عن ابن عمر قال: نهي عن رقوب الجلالة. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فهذا الإسناد موجود في الصحيحين في حديث كثير. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال: أخبرني عبد الله بن جهمل، قال: حدثنا عمر بن أبي قيس عن أيوب السختياني. أن هذه الطريق أطول من الطريق الأولى، طريق أخرى عن أيوب، وذاك من طريق مسدد عن عبد الوارث فهي أقرب طريق، وأيضاً أصح وأوثق. فهؤلاء أئمة، أي: في الإسناد الأول أئمة حفاظ، وإن كان عبد الوارث قد قيل فيه أنه كان يقول بالقدر، لكن من ناحية حفظه فهو حافظ من حفاظ البصرة. قال: حدثنا عمر بن أبي قيس، ظاهر الملال، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الجلالة في العبل أن يركب عليها أو أن يشرب من ألبانها. قال: هذا حديث حسن. فهذا الحديث فيه النهي عن رقوب الجلالة، وعن شرب لبنها. والجلالة هي التي تأكل العذرة، تأكل الغائط أو ما كان مثله من المجاري وغير ذلك مما يسبب رائحة في لحمها، يسبب هذه الرائحة في لحمها، فلذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة. معنى: إذا ريح فيها رائحة النتن، ورائحة العذرة، أو رائحة المجاري، فإنه لا يذبحها، لا يذبح هذه الجلالة حتى يحبسها، أو حتى تذهب تلك الريح، يمنعها من الأماكن التي تأكل فيها العذرة. وسواء كان هذا حيوان، معنى دابة لها أربع أرجل، أو دجاج، أنه إذا كان دجاجاً أو غير ذلك، فكله يدخل فيه الجلالة. أنه إذا كانت هناك شاة تأكل مثل هذه الأشياء، فوقع في بطنها وظهرت الرائحة فيها، فهنا لا يذبحها حتى تطيب. قد كان ابن عمر رضي الله عنه يحبس الدجاج ثلاثة أيام، يحبسها في جريبتها، في صندقتها، حتى تطيب، حتى يطيب لحمها، لأن هذه الرائحة تذهب إذا أكل، أو إذا أعطاها شيئاً من الطيبات من القضب، أو من الحشيش، أو غير ذلك من الأمور التي تأكلها هذه البهائم وهي طيبة، فتذهب بهذه الرائحة. أن هذه الرائحة لا تبقى إلا إذا تكررت في أكل هذه الأوساخ، فإنها تبقى هذه الرائحة. فلذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو أن يشرب ألبانها. وفي الحديث الأول: نهى عن رقوب الجلالة. وأيضاً مذهب جمهور أهل العلم على عدم جواز أكل لحمها، لأنهم قالوا: من باب أولى، ما دام النهي عن شرب لبنها، فإنه كذلك من باب أولى أكل لحمها. وجاء أيضاً في بعض الروايات النهي عن أكل اللحم، عن أكل لحم الجلالة. فالآن الأشياء المنهي عنها في الجلالة هي: ركوبها، لا تركب الجلالة، إذا كانت ناقة وتأكل من هذه العذرة، لا تركب هذه الناقة حتى يذهب أو تذهب تلك الرائحة، حتى تذهب تلك الرائحة منها. وكذلك أيضاً لا يشرب لبنها، إن كانت ذات لبن، سواء كانت بقرة أو غنمة، أو كذلك ناقة، فإنه لا يشرب لبنها. وأما الركوب فقلنا في الإبل، لأن الركوب ما يكون إلا في الإبل، أي: في بهائم الأنعام ما تركب إلا الإبل. وأما البقر، وأيضاً كذلك الغنم، فهي لا تركب، حتى البقرة لا تركب. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن رجلاً ممن كان قبلكم ركب على بقرة، ركب على بقرة، فقالت له البقرة: إني لم أخلق لهذا». قالت له البقرة: «إني لم أخلق لهذا»، أي: لم أخلق للركوب. فقال عليه الصلاة والسلام: «أنا أؤمن بذلك، وأبو بكر وعمر»، أي: تكلم البقرة، لأنهم قالوا: سبحان الله، بقرة تتكلم! قالوا: سبحان الله، بقرة تتكلم! فقال عليه الصلاة والسلام: «أنا أؤمن بذلك»، لأنه من الوحي من الله عز وجل. قال: «أنا أؤمن بذلك، وأبو بكر وعمر، أن يؤمنان بذلك كذلك». فالبقرة لا تركب، لم تخلق لأجل أن تركب، وإنما يركب الإبل، سواء كان بعيراً أو ناقة، كذلك يركب الحمر، حمير تركب، الخيول وغير ذلك. وأما البقر والغنم فهي لا تركب. وأما الغنم فلا شك أنها لا تركب لأنها ضعيفة، لا يستطيع الإنسان أن يركب فيها، حتى لو كانت كبيرة، أن بعض الغنم تكون كبيرة، معنى: سعة الحمار أو سعة البقر، فمثل هذا أيضاً لا تركب، ولا يجوز ركوبها، وركوبها يعتبر تعذيباً لها. فلذا فهنا قوله: «أن يركب عليها»، أي: البعير، أن الجلالة من البعير. ولهذا قال: «الجلالة في الإبل»، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو أن يشرب من ألبانها إذا كانت ناقة. وكذلك أيضاً يدخل هذا الحكم على الصحيح في بهيمة الأنعام، وكذلك في الدجاج. فقد كان عبد الله بن عمر كما قلنا يحبس الدجاجة ثلاثة أيام. وأيضاً الجلة التي تأكلها هذه الحيوانات، لا شك أن الدجاجة تأكل كثيراً، أكثر من هذه، من بهيمة الأنعام، لأن الدجاجة صغيرة، فتدخل إلى أماكن يكون فيها هذه العذرة. وقد كان الناس في آخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده كانوا يفعلون الكنف في البيوت، والكنف هو مكان يكون خاصاً بقضاء الحاجة، يكون مكاناً خاصاً بقضاء الحاجة، فيحفر له حفرة. وأيضاً من يعرف بيوتنا القديمة، أيضاً كذلك يكون لها حفرة، ويكون لها مدخل من الخارج لأجل أن يأخذوا هذه الأوساخ إذا امتلأت. أنا إذا امتلأ هذا المكان، يأخذ، أو يأتي أصحاب المزارع ويأخذونه، يجعلونه سماداً للمزارع. أنا ما كان عندهم هذه الأسمدة الكيماوية، فيأخذون هذه العذرة، أو هذا الغائط، لأجل أن يفعلوا به، أو يجعلوه سماداً. فلذا جاء النهي عن معرّض الإبل، الجلالة التي أكلت من الجلة، وكذلك يدخل في ذلك هذه الحيوانات: البقر، والغنم، والدجاج، وغير ذلك من الحيوانات الأهلية، كذلك حتى الحمار، الحمار إذا أكل الجلالة وظهرت فيه، فلا يركب، لا يركب هذا الحمار حتى يطيب لحمه، أو حتى تذهب هذه الرائحة، حتى تذهب هذه الرائحة منه. فهذا ما يذكر به هذا الحديث، والله تعالى أعلم.