الدرس في تفسير سورة الغاشية من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع تفسير سورة الغاشية من كتاب تفسير الجلالين، حيث يشرح معاني الآيات التي تصف يوم القيامة وأحوال أهل النار والجنة. يُفسر معنى الغاشية ووصف وجوه الكفار والمؤمنين يوم القيامة.
يصف القرآن جنة المؤمنين بأنها عالية في السماء وفي الكمال، حيث لا يسمع فيها لغو أو كلام فارغ، وتتميز بوجود عيون جارية وأنهار وأكواب موضوعة وسرر مرفوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة.
الآيات تشير إلى أهمية التفكر في خلق الله مثل الإبل والسماء والجبال والأرض لزيادة الإيمان، وتذكير الناس بدين الله مع التأكيد على أن الهداية بيد الله وحده.
تم اختتام شرح الآيات المتعلقة بسورة الغاشية، وسيتم الانتقال إلى شرح سورة الفجر في اليوم التالي بإذن الله. تمت الإشارة إلى أهم الأقوال والخلاصة للمباحث في سورة الغاشية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في الدرس الأخير من دروس التفسير من تفسير الجلالين، انتهينا من قراءة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من تفسير سورة الغاشية، وهذا أوان الشروع في إعادة ما مضى معنا في تفسير هذه السورة الكريمة. مر معنا أن سورة الغاشية سميت بهذا، وسميت «هل أتاك حديث الغاشية»، وأن الغاشية مأخوذة من الغشيان، وهي التغطية. وقول سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ بمعنى قد أتاك حديث الغاشية، والغاشية اسم من أسماء القيامة؛ لأن هذا اليوم يعم ويغطي على الجميع. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي أن هذه الوجوه ذليلة، ووجوه الكافرين، وذلك يكون يوم القيامة، ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. وذكرنا اختلاف العلماء في وصف الكفار بأنهم عاملة ناصبة، هل هذا وصفهم في الحياة الدنيا بمعنى أنهم يعملون، لكن على عمل يذهب عليهم هباءً منثورًا، كما يفعل اليهود والنصارى يتعبدون الله بدين محرف، فيعاملة ناصبة أي تعبت، أو أن هذه الآية تحمل على وصف الكفار يوم القيامة، أي أنها تعمل في النار تعمل بالسلاسل والأغلال والأصفاد، وتجد من هذا العمل النصب. قيل على قولين، وأكثر العلماء على أن هذا الوصف سيكون يوم القيامة، أي أنهم يعملون ويأتيهم النصب والنكد هذا يوم القيامة، قال: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، تصلى وتصلى على قراءتين، ﴿نَارًا حَامِيَةً﴾، ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي شرابهم من عين، وهذه العين وصفها أنها شديدة الحرارة. ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وأن أهل النار إذا طلبوا الطعام سيأتيهم الطعام، لكن طعامهم الضريع، والضريع والطعام الذي عبارة عن شوك عبارة عن نبات شوكي، حتى أن الدواب لا تأكله لأذيته وخبثه، وهذا هو طعام أهل النار، ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ أي لا فائدة فيه، اللهم زيادة إيلام فوق الألم الذي هو بهم. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ هذا فيما يكون من وصف القرآن بشكل عام، أنه إذا جاء إلى وصف أهل النار عقب ذلك بوصف أهل الجنة، فلما ذكر الوجوه الخاشعة وهي الوجوه الذليلة، وجوه الكفار، ناسب أن يذكر القرآن هاهنا وجوه أهل الإيمان، فوصفها ربنا عز وجل بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾، ناعمة إما ناعمة من التنعيم، أي من عظيم النعيم الذي يجدونه يظهر ذلك على وجوههم، كما قال ربنا: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي أن النعيم سينعكس على وجوههم وعلى أبشارهم، هذا معنى ناعمة، أو أن ناعمة بمعنى أنها من النعومة، أي أن جلودهم تكون ناعمة، وهم كذلك على نعومة في أهل الجنة، كما مضى معنى جرد مرد لا شعر عليهم، فهذا يحتمل وذاك أيضًا. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ لسعيها أي لما كان من فعلها وكسبها في الدنيا من الأعمال الصالحة، فهي سعت ما تكاسلت ولا تقاعست ولا تخاذلت عن العمل الصالح، هي سعت في الدنيا بالصلاة، بالصيام، بالقيام، بذكر الله، وصلة الأرحام، وبقراءة القرآن، فلا زالت تسعى فأصبحت راضية، راضية بما تجده من ثواب الآخرة، من أن الله عز وجل يدخلهم جنة المأوى. ويأتي هاهنا القرآن بذكر صفات هذه الجنة، قال: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أي من الثواب الذي ارتضاه أهل الجنة لأنفسهم بما كان من سعيهم، أن الله عز وجل أدخلهم جنة عالية، عالية كما قال المؤلف: «حسًا ومعنى»، عالية «حسًا» أي أنها مرتفعة في العلا؛ لأنها في أعلى عليين، وسقف الجنة هو ماذا؟ هو عرش الرحمن، فما بعد ذلك من شيء فيحس عالية «حسًا»، وعالية «معنا» أي أن الجنة فيها من صفات الكمال والتمام والعلى الذي لا يزاحمه أي وصف، فقد بلغت الجنة في وصفها الوصف الأعلى. قال: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، ولا يسمعوا هذه الآية على قراءتين، بالفتح والضم، فيها لاغية، أي أن أهل الجنة لا يسمعون في الجنة اللغو، واللغو هو الهذيان من الكلام الذي لا ينفع، الذي لا ينفع، فإذا كانت الأسماع في الجنة نزهت عن الهذيان، فمن باب أولى وأحرى أنها تنزه عما حرم الله من السباب والشتام وغير ذلك من أبشع الألفاظ. قال: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي في الجنة، مقابل تلكم العين الآنية شديدة الحرارة، هناك عين أخرى في الجنة، لكن فرق بين هذا وبين تلك، فيها عين جارية، أي أنها عين تجري، وهل هي عين واحدة؟ الجواب كما مضى: لا، عين جارية عين اسم جنس، بمعنى عيون، عيون قد انبثقت في الجنة، والأنهار تنبثق من هذه العيون، تذهب إلى أين؟ كما قلنا: تذهب إلى حيث يريد صاحبها، صاحب الجنة، صاحب الأرض، وهذه الحدائق الغنى هو الذي يتحكم في مجرى الأنهار: تعالي هاهنا، أو اذهب هناك، تتحرك الأنهار حيث وشاء صاحبها. ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أي أسرة، وهي الأرائك قد وضعت، وهي مرفوعة في نفسها مرفوعة بالفرش التي عليها، فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، قال: أقداح لا عرى فيها، هذه الأقداح وضعت أين؟ وضعت عند العيون، وضعت عند مجرى المياه، فيأتي صاحبها صاحب الجنة، وإذا أراد أن يتناول شيئًا من الجنة، ما عليه إلا أنه يأخذ شيء من هذه الأقداح، وهي موجودة موجودة في أي مكان، فيها ماء وعين تجري، فإن الأقداح على ضفاف الأنهار، جعلها الله عز وجل دائمًا محفوفة حول مياه الجنة، فيأتي صاحبها ويغرف غرفًا كيف شاء. قال: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قلنا: النمارق بمعنى الوسائد، الوسائد يجدها أهل الجنة قد رصت، ما يحتاج أنك ترصها، بل هي قد رصت، وإنما أنت فقط تجلس وتتكئ، هذا الذي عليك، لا تبذل أي جهد، فالجنة هي دار الجزاء، عملك هنا، هنا تعمل، هنا تعمل يا عبد الله بذكر الله، بالصلاة، بالنوافل، بالقرآن، بالأعمال، بالطاعات، بالعبادات، بالفرائض، بالنوافل، بالقربات، هنا تعمل، فإذا مضت وقت العمل، هناك ما تجد إلا الجزاء، الأمور قد يسرت، وهيت لك، فقد تأتي، فقد تأتي عبد الله، وحينها لا تعمل أي شيء، كل شيء هو يأتيك بنفسه إليك، إلى عندك، إذا كنت من أهلها، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل الجنة. قال: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ أي الوسائد، ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ الزرابي البسط، وهي الذي يفرش، المفارش ويمن أغلى وأحسن وأفخم المفارش التي هي تكون في الدنيا، لكنها في الآخرة شيء آخر، شيء آخر، تفرش المجالس، عبد الله، بشيء لا يخطر على بال، فهذه الزرابي، وهو الفرش والسجاجيد، فرشت هاهنا وهاهنا وهاهنا، في كل مكان، فقط هيئت لأن يبقى فيها ما أحب البقاء عليها. قال: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى آخر الآيات، قلنا: ما هو السر بعد ذكر ما مضى من وصف أهل الجنة، وقبل ذلك وصف أهل النار؟ تأتي الآيات الآمرة بالنظر والتفكر، أشاهد من هذه الآيات في هذا الموطن في بيان أن مما يعين، ومما يزيد، ومما يدل على الإيمان بالله جل وعلا، التفكر في مخلوقاته، والتفكر في كونه وخلقته، وما أوجده الله عز وجل في أرضه وسمائه. الإنسان إذا تفكر في هذه العوالم، هذا إن كان كافرًا لربما اهتدى إلى ربه، وإن كان مسلمًا زاده إيمانًا فوق إيمانه، فهذه الآيات موطنها هاهنا؛ لأنها تزيد وتدخل العبد في الإيمان، وكان هذا مناسبًا، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ أي نظر تفكر واعتبار، تم اختيار الإبل، قيل لأنه في أوقاتهم أوقاتهم؛ لأنه من ألصق الدواب لهم وبينهم، لكن في الحقيقة دلت الكشوفات العلمية والتجريبية الحديثة على أن الإبل من الحيوانات التي فيها من المنافع ما لا يحصى ولا يستقصى، ولا زال العلم الحديث يستخرج لنا الكثير من العبر من هذه الدابة. فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ تم رفعها بغير عمد سبحانه، ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ جعلها الله عز وجل نصبا للأرض، أي ناصبة تستقر عليها الأراضي، لا وهي تكون في جوف الفلك، لا تتطاير يمنه ولا يسره، بل هي ثابتة راسخة مدعمة بهذه الجبال التي جعلت عليها كالرواسي، فتبارك الله أحسن الخالقين. ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي أن الأرض سطحت؛ لأن تكون محلا للعيش، فلو أن هذه الأرض تخيل عبارة عن وديان وجبال، وديان وجبال، هل استقر بنا الحال؟ لا والله، أين سيعيش الناس؟ أين سيزرعون؟ أين سيبنون؟ ما يمكن، لكن الله عز وجل سوى لنا هذه الأرض، فجعلها مسطحة على مد البصر، يبنى فيها وتزرع على أراضيها وتعمل فيها، وما يعمر فيها من معمر. وما استدل به المؤلف كما أشرنا إلى أن الأرض مسطحة، هذا ليس بصحيح، بل الأدلة الكثيرة تدل على أن الأرض كروية، وأن كروية الأرض لا تنافي سطحيتها، وأنها مسطحة، كما قال العلماء: الأرض كروية الكل، مسطحة الجزء، كروية الكل، مسطحة الجزء، كما قال العلماء. ثم قال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ فذكر فيه بيان لأهمية التذكير، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ بيان لمهمة نبينا، فربنا عز وجل لم يجعل الهداية بيد أحد من خلقه، أي هداية القلوب، لا إلى نبيه ولا لأحد من خلقه، بل الله عز وجل هو الذي يهدي القلوب، وما على الدعاء، وما على الأنبياء إلا أن يذكر بدين الله جل وعلا. قال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أي بمسلط عليهم، قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ وهو الذي أعرض وتولى عن الإيمان بالله، فيعذبه الله العذاب الأكبر، والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، وأما العذاب الأدنى هو ما يجده الكافر في هذه الدنيا من الكوارث، ومن الهموم والغموم والأحزان، ومن الضيق، ومن الأحزان، كل ذلك العقوبات يسلطها الله على الكفار في هذه الدنيا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فحينها يكون مآلهم إلى العذاب الأكبر. قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ الإياب بمعنى الرجوع، وهذا فيه بيان الإيمان باليوم الآخر، وما يكون فيه من البعث والنشور، من البعث والنشور، قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ وهذا كذلك فيه بيان لما سيكون عليه من العرض على الله جل في علاه، ومن الحساب على الأعمال والأقوال والأحوال، وهذا فيه إشارة إلى ما سيكون عليه الجزاء؛ لأن بعد الحساب سيكون الثواب والعقاب، فمن كان حسابه الحساب اليسير، فإن مآله الجنة أبد الآبدين، خالدا مخلدا فيها، ومن كان حسابه من حساب النقاش، وحساب الجدال، والحساب العسير، فإنما آله النار إلى أبد الآبدين. بهذا إخواني في الله كان خلاصة المباحث وأهم الأقوال في شرح هذه الآيات المتعلقة بسورة الغاشية، وإذن الله في يوم غد إذا أطال في الأعمار سننتقل إلى التي بعدها، وهي سورة الفجر. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.