تفسير سورة الغاشية من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة الغاشية من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة الغاشية من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في التذكير والتبليغ

يتناول المقطع الأول تفسير آية فذكر إنما أنت مذكر، مؤكداً على أهمية التذكير بالنعم ودلائل التوحيد. يوضح أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم هي التذكير والتبليغ وليس هداية القلوب.

العذاب في الدنيا والآخرة للكافرين

يشرح المقطع الثاني مفهوم العذاب الأدنى والعذاب الأكبر للكافرين، حيث يشير إلى أن العذاب الأدنى هو ما يصيبهم في الدنيا، بينما العذاب الأكبر هو عذاب الآخرة.

الحساب يوم القيامة وأهميته

يتحدث المقطع الثالث عن أهمية الإيمان باليوم الآخر والحساب يوم القيامة، حيث يُحاسب الله العباد على أعمالهم. يختلف الناس في الحساب بين الحساب اليسير والمناقشة التي تؤدي إلى العذاب.

الاستعداد ليوم الحساب والجزاء

يوصي المقطع الرابع والأخير بالاستعداد ليوم الحساب استناداً إلى الآية الكريمة، ويشدد على أهمية إعداد العدة لهذا اليوم للمسلم والكافر، ويدعو إلى طلب العفو والمغفرة من الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مواصلة إخواني في الله في مثل هذا الوقت في القراءة من تفسير الجلالين، وفي تفسير جزء عم، ولازلنا معكم في سورة الغاشية، وكان من أواخر ما وقفنا عنده ما جاء في قول ربنا عز وجل ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت﴾، وأشرنا إلى ما يتعلق بهذه الكلمات من معاني وأحكام. ثم قال جل في علاه ﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾، قال رحمه الله تعالى: "فذكرهم نعم الله ودلائل توحيده، إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر"، وفي قراءة "بمسيطر" بالسين بدل الصاد، أي بمسلط، وهذا قبل الأمر بالجهاد، إذن في هذه الآية فيها من الأوامر الربانية في حق نبينا عليه الصلاة والسلام أن يقوم بمقام التذكير. وقال جل في علاه ﴿فذكر﴾، والتذكير يكون لمن، التذكير عام، التذكير يكون عاما سواء كان للمسلمين أو للكافرين، إذ أن الكل ينتفع من الذكرى، فالمسلم ينتفع من الذكرى، إذ أنه يعتريه ما يعتري البشر من الغفلة والنسيان والسهو والجهل، لكن يأتي مقام الذكرى ويزيل هذا كله. مثل هذه الأيام في أيام الفتن التي تعصف بالناس، الأدواء والأهواء، ويغشى الناس الكثير من الجهالات، فناسب أن يذكر الناس بما ينبغي فعله، وهكذا لا زال التذكير بالمسلم يتذكر بين الفين والأخرى حتى يلقى ربه، وأيضا الكافر يحتاج إلى ذكرى؛ لأن فيه إقامة الحج عليه، فيه إقامة الحج عليه، فأمر ربنا عز وجل بذلك، فقال ﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾. وفيها كذلك فائدة على أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس بيده هداية القلوب، ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، فمهمة نبينا عليه الصلاة والسلام التبليغ والتذكير، وهكذا قل كل من سار على دربه عليه الصلاة والسلام، ليس بيد أحد من البشر أن يهدي القلوب، فالهادي هو الله جل في علاه. فإنما نبينا صلى الله عليه وسلم يذكر من يحتاج إلى الذكرى، ولهذا كان يذكر عليه الصلاة والسلام حتى في الرمق الأخير في حياته، وهو ينازع السكرات، وهو يقول: "الصلاة الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم"، في آخر عمره يذكر، فالذكر يا عبد الله لا بد منها، من يذكر الناس بين الفين والأخرى بما ينبغي من التمسك به. وقد ثبت في الصحيح من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: "قال عليه الصلاة والسلام: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله"، ثم قرأ ﴿وما أنت عليهم بمسيطر﴾. قال رحمه الله تعالى: "إلا من تولى وكفر"، قال: "إلا لكن"، أي بمعنى أن الاستثناء هنا استثناء منقطع، إلا بمعنى لكن، قال: "إلا لكن من تولى أعرض عن الإيمان وكفر بالقرآن، فيعذبه الله العذاب الأكبر"، قال: "عذاب الآخرة، والأصغر عذاب الدنيا بالقتل والأسر". فهنا توعد ربنا عز وجل أن من أعرض عن الذكرى وأبى إلا الاستمرار على الضلال من أهل الكفر والشرك والإلحاد، حينها يخبر بمصيره وما سيكون به المآل، قال سبحانه وتعالى ﴿إلا من تولى وكفر﴾ أي أعرض عن الإيمان والإسلام وأعرض عن القرآن، فحينها قال ربنا ﴿فيعذبه الله العذاب الأكبر﴾. فلما ذكر ربنا عز وجل العذاب الأكبر والذي يعنى بالعذاب الأكبر ها هنا أي عذاب الجحيم، فهناك إذن عذاب أصغر وهو العذاب الأدنى، هنا فسره المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: "قال والأصغر عذاب الدنيا بالقتل والأسر"، وهذا جاء معنى أيضا في قول ربنا عز وجل ﴿فلنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون﴾. ذهب جماعة من المفسرين في تأويل وتفسير هذه الآية ﴿فلنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾، العذاب الأدنى هو ما يجده الكافر من عذاب الدنيا، من عذاب الدنيا الآفات والأمراض والأسقام وأنواع البلاء الذي يجده الكافر في هذه الدنيا. وبهذا تعلم يا عبد الله أن ما من كافر إلا ويصيب عليه ربنا جل وعلا عذابا في هذه الدنيا، عل وعسى أن يرتدع وأن ينزجر، قد يعذبه الله عز وجل على أيدي أهل الإسلام بأن يقع في الهزيمة ويقع في النكران ويقع في الاستسلام ويكون أسيرا، أو إن يعذبه الله بأيديهم فيقتل. أو كذلك يبتل الله عز وجل الكفار بما يعبر عنهم بالكوارث الطبيعية، بالزلازل والأعاصير والبراكين والفيضانات، وها هي الأخبار تتوالى، ما نكاد تمر علينا فينة من الأمور والأيام إلا ونسمع من هذه الكوارث دبت في بلدان الكفار شرقا وغربا. قد يقول قائل: لكن نجد أن الكثير من الكفار ما عذبوا، ما عذبوا، نراهم هاهم يتمتعون بهذه الدنيا، نقول: ومن قال لك أنه ما عذبوا؟ ليس من شرط العذاب أن يسلط على شخص ما أن يكون عذابا ظاهرا حسيا، بل هناك ما هو أشد من هذا العذاب، وهو العذاب الباطني، وما يجده الكافر من الضيق والهم والغم والكرب. كما قال سبحانه ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾، كل كافر يعيش هذه الحياة، لا تغتر يا عبد الله بما تراه مما يعيشون به من هذه الحضارة ومن هذا العمران ومن هذا التمتع الدنيوي، الله أعلم بما يعيشون فيه في دواخل أنفسهم. أريد مثالا، ما هي أكبر دولة إن أردنا أن نذكر الإحصائيات من حيث التنعم؟ يقولون أوروبا، السويد، سويسرا، أنها من أغلى دول العالم ماديا من حيث متوسط دخل الفرد، لكن سل يا عبد الله: أعلى نسبة انتحار أين ستجد؟ الدهشة إذا علمت أن هذه المناطق التي يقال عنها أنها من أغلى بلاد الدنيا فيها أعلى نسبة انتحار. هل فهمت المغزى؟ لعل الرسالة واضحة، يبتليهم الله عز وجل في أموالهم، في أولادهم، هم وغم وكرب، مهما أعطاهم الله من الدنيا، يبعد الله عنهم الراحة، حتى أن من أكثر الأمراض انتشارا في بلاد الغرب بلا منازع، الأمراض النفسية، حتى أن جل هذه الشعوب ما تنام إلا على المهدئات. فحمد ربك يا عبد الله، يا أيها المسلم، أنت تنام في أي مكان تريد، أما أولئك ما يستطيعون، إن تابهم الأرق والهم فلا يزال يتعاطى المسكنات عل وعسى أن ينام، مع أنه يعيش في بلد يعيش في هذا التطور الذي نحن نعتبر بالنسبة إليه متخلفون، لكن أين هم؟ لكن انظر إلى ما سلبهم الله عز وجل من النعيم، هذا ابتلاء، هذا ابتلاء عظيم، فالشاهد أن الله عز وجل قال ﴿فيعذبه الله العذاب الأكبر﴾ هذا في الآخرة، أما الدنيا فهم كذلك عرضة للعذاب الأدنى بصور عديدة من العذاب، فلا يتمتع الكافر بخلاف المسلم. فالله عز وجل وإن سلب شيئا من نعم الدنيا، فالله أعطاه راحة البال وانشراح الصدر، ويكفيك يا عبد الله جمع الشمل، هذه نعمة ما تجدها في بلاد الغرب، ما عندهم شيء اسمه جمع الشمل، يعني يا سعادة أحدهم إذا مر عليه سنوات قلائل ثلاث سنوات وهو مقيم مع زوجته، وهذه أعجوبة عندهم، وإن لسنة الرابعة يكون الطلاق مباشرة. ما هناك أحد يستطيع أن يكون أسرة أو أن يستقر بين أبوين وبين أولاده وبين الزوجات ما يستطيع، عالم منحل، رهل، متفكك جدا، كل يعيش لوحده، يعيش الأب وهو مقطوع من شجرة، أين أبناؤه؟ تركوا وراءهم، وأنت وأين أبناؤك؟ الله أعلم بهم، ذهبوا يمينا وذهبوا يسارا، وأنت كم مرة تزوجت؟ تقول: الله أعلم، ممكن عشرة مرات تزوجت، ناهيك عن الخلان والأصحاب الذين عاشرتهم. وهكذا قس، هذه نعمة سلبها الله منهم، جمع الشمل بالأقارب والأرحام ما يعرفون أبدا نعمة الأسرة إلا القليل منهم، بخلاف هذه العوالم الإسلامية، من الله علينا بعديد من نعمه، فهذا مما يذكر به المسلم، وخاصة في مثل هذه الأوقات التي لربما ينتاب المسلم من الضعف حين يرى أن الكافر قد أعطاه الله ما أعطاه. لا تغتر، اعلم أن ما أعطاك الله أعظم وأجل مما سيأتيك من نعيم ومن عظيم نعيم الآخرة، قال سبحانه ﴿فيعذبه الله العذاب الأكبر﴾، قال ﴿إن إلينا إيابهم﴾، قال: رجوعهم بعد الموت، الإياب بمعنى الرجوع، ومنه الأوب، ومنه الأواب، الأواب أي الرجاع، فقوله تعالى ﴿إن إلينا إيابهم﴾ أي أن مرجع هؤلاء إلينا. ففيه إثبات لعقيدة البعث والنشور والإيمان باليوم الآخر، ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾، الرجوع إليه سبحانه وتعالى، قال ﴿ثم إن علينا حسابهم﴾، قال: جزاؤهم، ولا نتركه أبدا، وليس القضية يا عبد الله أنك تبعث وانتهيت، لا، المسألة أعظم من ذلك، أن بعد البعث والنشور يأتي الحساب. الحساب على ماذا؟ الحساب على كل شيء، ﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾، كل ما مر عليك من شيء من خير أو من شر لن يمر، بل ستحاسب عليه، خيرا تجازى عليه عبد الله بالحسنات، شرا تجازى عليه عبد الله بالسيئات، يجازيك الله ولو مثقال ذرة، ولو مثقال ذرة، ولو مثقال شيء ضئيل لا يرى إلا بالعين المجردة بعد التدقيق والتحقيق. تجد هذه الذرة التي هي عبارة عن الغبار الذي في الجو، هذا وزنه مثله تحاسب عليه خيرا أو شرا، فما ظنك بما هو أعظم من هذا؟ ولهذا وجب على المسلم أنه يتق الله وأن يعد العدة لهذا اليوم الذي فيه الجميع يرجعون فيه إلى الله، فيحاسب الله العباد على الأعمال والأقوال وعلى الأخلاق والآداب وعلى الأموال وعلى كل شيء. وحينها الناس في باب الحساب يختلفون، يختلفون، هناك الحساب اليسير، ونسأل الله عز وجل أن يجعل حسابنا يسيرا، فقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: "اللهم اجعل حسابي يسيرا"، وما هو الحساب اليسير؟ الحساب اليسير أنك تدخل على الله، لأن ما منا من أحد إلا وسيحاسبه ربه، ما منا من أحد. لكن فرق بين الحساب اليسير وبين المناقشة، الحساب اليسير تجد أن الله يقرر عبده على أفعاله: فعلت وفعلت وفعلت، والعبد يقر ويعترف بذنوبه ولا يزيد عن ذلك، هذا إذا وجدت يا عبد الله أن الحساب سار على هذا المنوال، هذا هو الحساب اليسير، احمد الله، لماذا تحمد الله؟ لأن ما بعده عفو، ما بعده عفو، سيعفو الله عنك. لكن إذا كان الحساب عبارة عن مناقشة، الله عز وجل يسألك وتجد أن هذا العبد يرد على الله، ينكر، يجادل، يماطل، يخفي، يوري في تحقيقه مع ربه، إذا وجد العبد نفسه أنه دخل إلى مرحلة المناقشة فليعلم أنه هالك لا محالة، قال عليه الصلاة والسلام: "من نوقش الحساب عذب". ولهذا تعلم لماذا كان نبينا يقول: "اللهم اجعل حسابي يسيرا"، ونسأل الله عز وجل أن يجعل حسابنا يسيرا، أن بعده عفو وصفح وإحسان وإكرام من الله، فالشاهد أن هذه الآية ختمت بهذه الآية العظيمة ﴿ثم إن علينا حسابهم﴾، فيه بيان إلى أن المسلم والكافر على حد سواء، أن الكل ينبغي أن يعد العدة لمثل هذا اليوم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.