الدرس في تفسير سورة الغاشية من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن صفات أهل الجنة في سورة الغاشية ونعيمهم، حيث ذكر الله تعالى وجوهًا ناعمة وراضية لسعيها في الدنيا. الجنة تحتوي على نعيم متعدد مثل الأنهار والقصور والزروع والأزواج.
يصف الجنة بأنها عالية حسا ومعنى، خالية من الهذيان والكلام البذيء، وفيها عيون جارية وأنهار تمشي بلا أخاديد، وسرر مرفوعة. الأنهار في الجنة تجري حيث يشاء أصحابها وتتسم بالجمال والكمال.
تنبيه عن دورة علمية قادمة في تعليم القراءة والكتابة، واعتذار عن عدم إكمال دروس العصر حتى انتهاء الدورة. يُبين أهمية الدورة العلمية القادمة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في سورة الغاشية، ومضى معنا ما جاء في الآيات التي ذكر الله عز وجل فيها ما أعده للكافرين، وذكر جل في علاه أنه جعل لأهل الكفر نارا حامية، وأنهم يسقون من عين آنية، ليس لهم طعام إلا من ضريع، لا يثمن ولا يغني من جوع. وذكرنا أن عادة القرآن إذا ذكر أحوال أهل النار عرج في بيان صفات أهل الجنان، فذكر ربنا عز وجل بعدما ذكر أحوال أهل النار وما يصطلونه في النيران، قال ربنا جل في علاه: ﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾. وقلنا أن ناعمة إما أنها متناعمة، وإما أنها مأخوذة من النعومة، إذ أن أهل الجنة سيكونون يوم القيامة جرد مرد، ليس لهم شعور، وليست عليهم لحى، وإنما تكون أساد ملساء ناعمة، تليق بمكثهم في الجنة، وهذا يحمل على هذا أو على ذاك. قال سبحانه وتعالى: ﴿لسعيها راضية﴾، قال: لسعيها في الدنيا بالطاعة راضية في الآخرة، لما رأته أو لما رأت ثوابه. إذن هذه الوجوه الناعمة، وهي أهل الجنة، إنما وصلوا إلى هذه الجنان وما سيأتي من الخلود فيها، إنما كان بسعيهم، لسعيها سعت سعت في هذه الدنيا بالأعمال، لا بالراحة، لا بالكسل، لا بالخمول، لا بالضعف، وإنما بالسعي، بصلاة وصيام وقيام، وبذكر الله وقراءة القرآن. وهذه المجالس مثلا، هذا من السعي، كون أن الإنسان يحتبس ويحبس من وقته شيئا من الزمان لأن يستمع لآي الذكر والقرآن، هذا من السعي الذي تؤجر عليه. كل هذه الأعمال يا عبد الله تجمع لك يوم القيامة وتعطاها كجنة، تعطاها جنة، حينها ترضى، بل ستجد أعظم مما عملت، ما الذي عسى أن تعمل؟ لكن ما منا من أحد إلا ويدخل الجنة برحمة من الله، وإنما هذه الأعمال أسباب، براهين نقربها إلى ربنا عز وجل في بيان مدى حبنا لهذه الدار العظيمة. قال: ﴿لسعيها راضية﴾، قال: «في جنة عالية». قال المؤلف: حساً ومعنى، الجنة وهي دار الأبرار، دار المتقين الأطهار، هي جنة عالية. قال المؤلف: حساً ومعنى، أي جنة عالية حساً، حساً أي أنها مرتفعة عالي عالي، الله أعلم بعلوها. فإن الجنة -يرعاكم الله- هي عبارة عن منازل ودرجات، بعضها فوق بعض، ما بين درجة والدرجة كما بين السماء والأرض إلى العلو. ولهذا يقال لصاحب القرآن: اقرأ ورتل وارتقي وارتقي اصعد، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها، ولا زال الناس في علو وفي علو وفي علو إلى أن يصلون إلى عرش الرحمن، فهو سقف الجنة، فهو سقف الجنة. فالشاهد أن الجنة هي عالية حسا، وهي عالية معنا، كما أشار المؤلف، عالية معنا بمعنى أن كل ما فيها صفات العلو، فيها من الأجهار، من الأجهار، من الأجهار، وفيها من النباتات، وفيها من الزروع، وفيها من الأزواج، كل واحد منها قد وصف إلى الصفة العالية من الجمال والكمال والحسن والتمام. فهي جنة عالية حسا ومعنى. قال: «لا يسمع فيها لاغية». قال المؤلف: على قراءة المؤلف «لا يسمع» بالياء والتاء، وهذه الكلمة القرآنية في هذه السورة «لا يسمع» و«لا تسمع» فيها ثلاث قراءات، وكلها صحيحة. فقال هنا «لا تسمع» بالياء والتاء، «لا تسمع فيها لاغية»، قال: أي نفس ذات لغو، أي هذيان من الكلام. أي أنك في الجنة يا عبد الله -نسأل الله جل فعلا أن يجعلنا من أهلها جميعا- أن هذه الجنة العالية ليس فيها لغو، ليس فيها هذيان، ليس فيها كلام بذيء، ليس فيها كلام باطل، ليس فيها فحش ولا تفحش، وليس فيها سباب ولا غيبة ولا نميمة ولا شتام، ليس فيها إلا ما ترتاح إليه الأسماع من ذكر الله جل فعلا، فهي خالية من الهذيان. قال: «فيها عين جارية»، قال: بالماء، بمعنى العيون، فيها عين، عين، هل قد يقول: قال العين واحدة في الجنة؟ لا، العين هنا يقول عنها العلماء: اسم جنس، بمعنى عيون، وهذا الذي أشار إليه الشارح بقوله: بمعنى عيون، فيها عين، أي بمعنى فيها عيون. وهذه العيون تجري، تجري في الجنة، أين تجري؟ أين محلها؟ ينبغي أن تعلم يا عبد الله أن العيون التي تتفجر منها الأنهار، وهذه الأنهار التي تمشي في خلال الجنات، أنها تمشي بلا أخاديد، ليس لها حفر كحال أنهار وجداول الدنيا لها حفر تمشي عليها. أما في الجنة لا تمشي في علو، تبارك الله أحسن الخالقين. زد على ذلكم أنها لما تمشي تمشي على ماذا؟ هل هناك قنوات محددة تسير عليها؟ قال العلماء: لا، وإنما تسير حيث ما شاء أصحابها أن تسير، حيث ما تشاء أنت أن تسير هنا، أن تسير هنا، أن تسير هنا، الأنهار طوع لصاحبها، كل واحد عنده من الأراضي، عنده من الجنات، عنده من القصور، وعنده من الأنهار، هذه الأنهار تتحرك بإذن منك، تتحرك هنا وتتحرك هنا. فقال سبحانه: «فيها عين جارية»، تجري، وجريانها يعود إليك يا عبد الله. قال: «فيها سرر مرفوعة»، ذاتا وقدرا ومحلا، فيها سرور، مرفوعة، والسرور جمع سرير، وهو الذي يجلس ويتكى عليه. وهذه السرر الموجودة في الجنة لأهل الجنة، قال عنها ربنا: «فيها سرر مرفوعة»، وهي رافعة مرفوعة. قال: مرفوعة ذاتا وقدرا ومحلا، أي مرفوعة بما فيها من صفة الأبهة، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا تظن أن سرير الجنة كسرير الدنيا، شتان شتان. وهي كذلك مرفوعة مرفوعة من الأرض، الله أعلم بمدى رفعتها، وهي مرفوعة محلا، قال علماء: لأن فيها بطاء حشو، الله أعلم بمدى يرتفع يرتفع يرتفع، الله أعلم، فهي مرفوعة من كل جهة من جهاتها. قال: «فيها سرر مرفوعة»، وأكواب، قال: أقداح لا عرى لها، أي أكواب، أكواب الجنة هي أقداح لا عرى كما نسميه، لا آذان، ليست فيها آذان. قال: أكواب أقداح لا عرى لها موضوعة على حافات العيون، معدل شربهم هذه الأنهار سنرجع إليها كما مضى، هي عيون تجري، هذه العيون الجارية تجد على حافتها أكواب، أكواب، أنت ما عليك يا عبد الله سوى أن تأتي وتأخذ هذه الكوب المطروحة، لا تتعب نفسك في أنك تبحث أو أنك تذهب يمين ويسار، هي موجودة عندك، هي موجودة عندك، فقط تأتي ثم أغرف واشرب منها. من باب الفائدة، الغرف يكون من هذه الأنهار، والأنهار لن تكون سوى أربعة أنهار، أربعة أنهار، أنهار فيها أجناس الأجربة، فيها نهر من ماء غير آس، ونهر من خمر لذى للشاربين، ونهر من عسل مصفى، ونهر من لبن لم يتغير طعمه. تخيل يا عبد الله، ولا أظن أن أحد يستطيع أن يتخيل، مهما حاول الخيال أن يقرب هذا المثال، لن يستطيع أبدا، أنهار لكن على هذه الأشكال. تخيل نهر من لبن يمشي يجري، وكما قلنا جريانه على ما تريد، أن يأتي هنا أو يأتي هناك، يجري وهو لا يتأثر بالعوامل، لا تقول تحته أتربة أو من فوق غبار، لا، لا تخاف، خذه واغرف من هذا الكوب المطروح بجانب حافتي النهر، اغرف من هذا اللبن واشرب، واللبن ليس كلبن الدنيا، لبن الجنة ليس له مثيل ولا نظير. أو ما أردت اللبن، أردت العسل الذي لربما الواحد منا ما استطاع يتذوقه، في الجنة تجد أنهار تمشي تحت قدميك، اغرف منه يا عبد الله كما تشاء، في أي ساعة من ساعاتك، كما تحب، أو عندك ماء، أو عندك كذلك خمر، لكن خمر الآخر ليس كخمر الدنيا، فهذا لا يؤثر على صاحبه. فذكر ربنا عز وجل أن لهذه الأنهار العظيمة أكواب قد عدت وقد طرحت أمامه وبجانبه. طيب نقف إلى هذا الحد، ومن باب التنبيه لعلكم علمتم -حفظكم الله- عن إقامة دورة علمية في هذا المسجد المبارك في تعليم القراءة والكتابة، تبتدأ في مثل هذه الأوقات، فحرصا على استغلال الأوقات نحاول أن لا نأخذ الشيء الكثير من دروس العصر إلى أن تمضي هذه الدورة التي أعدت لهذا الأسبوع فقط. فإذا هنا نكتفي إلى هذا الحد، وفي غد إن شاء الله نواصل ما بقي. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.