قصة شعيب عليه السلام 3

قصة شعيب عليه السلام 3

الدرس في قصة شعيب عليه السلام 3، عناد قوم شعيب - عليه السلام - , هلاك قومه . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دعوة شعيب وردة فعل قومه

دعا شعيب قومه إلى الإصلاح، ولكنهم كذبوه واستهزؤوا به وهددوه بالقتل والإخراج من البلاد. حاولوا تخويف أتباعه من اتباعه.

تنوع عذاب قوم شعيب وتفسيره

نزل على قوم شعيب عذاب متعدد ومتنوع، حيث تعرضوا للرجفة والصيحة وعذاب يوم الظل. اختلف العلماء في تفسير هذا التعدد.

نجاة المؤمنين من العذاب

عذب قوم شعيب بثلاثة أنواع من العذاب بسبب جرائمهم وشركهم، بينما نجى الله المؤمنين من هذا العذاب برحمته.

ختام الحديث والصلاة على النبي

انتهى الحديث والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر احترام وتقدير للنبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في بيان قصة شعيب عليه السلام، ومضى معنا في الدرس الأخير ما كان من أمر آيته والمعجزة التي اختلف فيها العلماء، ما الذي كان لشعيب على أقوال عدة. وتطرقنا أيضًا إلى حال قوم شعيب وما الذي تورطوا فيه من الشرك بالله جل في علاه، وأيضًا ما كان من انغماسهم في المال الحرام وأخذهم من غير حله. ثم نظرنا بعد ذلك إلى شعيب عليه السلام كيف أنه دعا قومه بما يستطيع إلى دعوتهم لخيري الدنيا والآخرة، حتى أنه كان يقول: «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت». فاستخدم معهم أسلوب الترغيب وأسلوب الترهيب، وهكذا معهم أسلوب النصيحة. ونصح لهم. الشاهد أن شعيبًا عليه السلام حرص على دعوة قومه أيما حرص. نأتي هاهنا الآن إلى ردة فعل قومه. طبعًا مر معنا في الدرس السابق أن قومه انقسموا إلى قسمين اثنين: منهم من آمن به، ومنهم من كفر. إلا أن الذين كفروا لم يكتفوا بكفرهم وإشراكهم، وإنما تمادى بهم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلكم. ذكر لنا القرآن في محكم التنزيل بعض الأعمال والأقوال والأحوال التي صدرت من قوم شعيب إلى شعيب. فمن ذلكم ما قاموا به من مسألة التكذيب. كان من قولهم، كما قال ربنا: «قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول». هذا التكذيب «ما نفقه» وهل هذا صحيح أنهم ما كانوا يفهموا كلام شعيب؟ حاشا هذا كذب وبهتان وزور. فشعيب عليه السلام قد جاء باللسان العربي المبين. بل مر معنا إلى أن شعيب من ألقابه عند العلماء أنه «خطيب الأنبياء»، وذلك لقوة فصاحته وحسن عبارته عليه السلام. بل مضى معنا في الدرس السابق إلى أن من أهل العلم من ذكر أن معجزة شعيب إنما كانت في كلامه لقوة العبارة الذي أطلقها من لسانه عليه السلام. فكيف بعد ذلك يقولون «ما نفقه»؟ إذن هذا هو التكذيب بعينه مما قاموا به. كذلكم أن قاموا بالاستهزاء والتطاول على شعيب عليه السلام. كان من قولهم: «قالوا أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ إنك لأنت الحليم الرشيد». هذا خرج منهم مخرج التهكم والضحك والاستهزاء، يعني أنت بدينك هذا تأمرنا بأن نترك ما كنا عليه من عبادة ما عليه الآباء والأجداد والأسلاف، أو أننا نلزم بأن نفعل ما تريد أننا نفعله دون أن نرجع إلى مشيئتنا. أنت الحاكم وأنت الآمر والناهي في أموالنا. أنت الحليم، لأنت الرشيد. بهذا المقام، وكل ذلك من باب التهكم به عليه السلام. وأيضًا مما قاموا به أنهم توعدوا شعيبًا عليه السلام، توعدوه بالإخراج والطرد من بلاده ومن قريته، وأيضًا هددوه بالقتل. فكان من قولهم: «قالوا وقالوا لنخرجنك»، «وقال الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا». أي إذا لم تنته عما أنت فيه أنت ومن معك، سنخرجكم إلى خارج هذه البلاد إلى المنفى. وأيضًا من ذلك ما جاء في قول الله تعالى: «ولولا رهطك لرجمناك». أي ولولا عشيرتك الذي أنت الآن تحتمي بها، وجماعتك الذي أنت تنتسب إليهم، ولولا رهطك لرجمناك. رجمناك بمعنى قتلناك. والقاعدة أن كلمة الرجم في القرآن تأتي بمعنى القتل، أي قتلناك. وأيضًا من أفعالهم المشينة من صدهم عن دين الله، أنهم أيضًا توعدوا الأتباع، أتباع شعيب. لم يقف الحال إلى أنهم توعدوا شعيبًا، بل كذلكم توعدوا الأتباع. فكان من قول ربنا عز وجل: «وقال الملأ الذين كفروا من قومه». وقاعدة أخرى، قاعدة ثانية في القرآن، إذا مضى أو جاء على مسامعك لفظ «الملأ»، اعلم أنهم الأعيان والأشراف. الأعيان والأشراف. ففي قوله تعالى: «وقال الملأ الذين كفروا»، أي الأشراف والأعيان والكبراء من قومه، «قالوا لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذا لخاسرون». هذا قالوه لمن؟ قالوه للأتباع. يحاولون أن يعرقلوا من آمن بشعيب أن يستكمل في إيمانه، بل أرادوه أن يذهب عنه، بل وحلفوا وأقسموا: «إنكم إذًا لخاسرون». وأعظم ما قاموا به في صدهم لشعيب ولما جاء به، أنهم استعجلوه بالعذاب. استعجلوه بالعذاب كما قال سبحانه وتعالى: «قال فأسقط علينا كسفًا من السماء إن كنت من الصادقين». كسفًا، أي بمعنى أنزل علينا عذابًا من السماء. أنت تدعي بأنك مرسل، وأنك مبعوث، وأنك تحذر بين يدي عذاب شديد، أين هذا العذاب؟ أنزله علينا. وهنا البلية، وكما يقال: البلاء موكل بالمنطق. احرص يا عبد الله، هذا ليس لهم بل لجميع الناس، على أنك لا تتمنى الشر، ومن باب أولى أنك لا تدعو بالشر لا على نفسك ولا على أهلك ولا على أموالك، فلربما وافق ذلك ساعة استجابة. فالإنسان إن تكلم تكلم بخير. وهؤلاء الحمقى مع كفرهم دعوا على أنفسهم ببلاء الدنيا قبل الآخرة. فلما أرادوا هذا، كان لهم ما أرادوا. أنزل الله عز وجل العذاب على قوم شعيب. والعذاب النازل على قوم شعيب كان عذابًا متعددًا متنوعًا، لم يكن عذابًا واحدًا، وإنما هي ثلاثة صور من صور العذاب أنزلها الله عز وجل على قوم شعيب. أنزل الله عز وجل عليهم الرجفة، كما قال سبحانه: «فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين». والعذاب الثاني الصيحة، قال سبحانه: «وأخذت الذين ظلموا الصيحة». والعذاب الثالث الظل، قال جل في علاه: «فأخذهم عذاب يوم الظل إنه كان عذاب يوم عظيم». هذه الأنواع الثلاثة تتابعت وتنزلت على قوم شعيب: الرجفة والصيحة وعذاب الظل. ذكر العلماء من المؤرخين كيف بدأ بهم العذاب. بدأ بهم العذاب بأن الله عز وجل ابتلاهم بحر شديد، حر شديد لم يطيقوه، وتوالت عليهم الأيام سبعة أيام، وكان ذلك في أشد الحرارة عليهم، حتى أنهم إذا دخلوا إلى بيوتهم ما استطاعوا أن يصدوا الحر. فأخذوا يخرجون إلى الخارج، هناك الشمس الحارقة بلهيبها، فأينما ذهبوا الحر وراءهم، حر شديد جدًا. حينها ظهرت عليهم سحابة، وهذه السحابة من عجيب أمرها أنها من تحتها هواء بارد جدًا، وهم أرجى ما يودون أن يكون هذا لهم في هذا الوقت بالذات. فهذه السحابة أخذ الناس يستظلون تحت ظلها، ويتنادى الناس، ويتنادى من كان في هذه البلدة من أهل مدين أصحاب الأيكة، من كان في البيوت، من كان في القرى، من كان في الأرياف، هلموا، ما هناك منجاة من هذا الحر الذي نحن فيه إلا أن نستظل تحت هذا الظل. سحابة الله أعلم بعظمتها، لكنها باردة، فكانوا يستظلون في ظلها، إلى أن تكامل قوم شعيب جميعًا، ما شذ أحد، ومن خرم منهم واحد، الكل استظل. حينها انقلب الحال، بدل هذه البرودة والهواء العليل، انقلبت عليهم هذه السحابة، أن أسقطت عليهم النيران وأسقطت عليهم الشهب من السماء فأحرقتهم. ثم أتبعت بهذا الشهب والنيازك، وبهذا الوميض العظيم، كما وصفه ربنا: «عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم». هذا العذاب لم يكتف حتى جاءهم العذاب الثاني، وهي الصيحة مع الرجفة، وهي الزلزلة، تزلزلت عليهم الأرض فأصبحوا في دارهم جاثمين. فهذه العقوبات الثلاث تتابعت على قوم شعيب. هنا تأتي مسألة، وهي من باب الاستذكار: لماذا هذا التعدد الذي وقع لقوم شعيب؟ طبعًا من أهل العلم من ذهب إلى مسألة أن هذا العذاب هو في الحقيقة ما نزل على أمة واحدة، بل على أمتين. ومن كان معنا يستذكر المسألة الخلافية التي ذكرها العلماء في حق شعيب: هل أرسل إلى أمة واحدة مدين أصحاب الأيكة، أم أرسل إلى أمتين مختلفتين: مدين قرية، وأصحاب الأيكة قرية أخرى؟ على قولين اثنين. فعلى القول الثاني استأنسوا بهذا التعدد، قالوا: هذا التعدد يظهر لك على أن العذاب تنوع لتنوع القرى. قرى عذبت بالرجفة، وقرى عذبت بالظلة. فتنوعت أنواع العذاب على حسب القرى. هذا قول. لكن قول أكثر العلماء لا يرون أنها أمة واحدة، مدين هم هم أصحاب الأيكة، وأن العذاب نزل عليهم في هذا اليوم لهذه الأمة الوحيدة، وأنه لا مانع من أن الله عز وجل ينوع العذاب على أمة واحدة. قد مضى ذلك معنا في قوم عاد، مضى قريبًا في قوم لوط، كيف أن الله قلب ظاهرها سافلها، وخسف بهم الأرض، وأتبعوا بحجارة، عذاب آخر فعذاب داخل عذاب. قالوا: هكذا قوم شعيب، لا يستبعد أن الله عذب لهم العذاب لعظيم ما فعلوا، إذ أنهم فعلوا الجرائم من الشرك والتطاول على الناس. وهنا فائدة على هذا القول. حاول بعض العلماء أن يأتي بفائدة هذه الأنواع الثلاث من العذاب: الرجفة والصيحة والظلة، وأنها أرجعها إلى أن الله عذب قوم شعيب بها لأسباب ظهرت منهم. وممن أبدع في هذا المقام الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره. وملخص كلامه رحمه الله تعالى أذكره في هذا المقام: أن قوم شعيب عندما قالوا لشعيب: «لنخرجنك يا شعيب من قريتنا»، هددوهم بالقتل والإخراج، قالوا: هذا إرجاف. هذا إرجاف لشعيب، فلما قاموا بإرجاف شعيب ومن معه من بلادهم، كان أن الله أرجف عليهم الأرض. أرجف الله عليهم الأرض كما أرجف بنبي الله. إرجاف يقابله إرجاف. قالوا: هذه العقوبة الأولى. العقوبة الثانية لما قاموا بالاستهزاء على شعيب عليه السلام، ومن ذلك ما مضى معنا في قولهم: «أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا؟»، هذه صلاتك، «إنك لأنت الحليم الرشيد»، تطاول. لما استهزأوا بشعيب عليه السلام، ناسب أن الله يسكتهم، فما كان سكوتهم إلا بصيحة، بصيحة تأخذ عليهم الأصوات وتأخذ عليهم الأرواح، الجزاء من جنس العمل. وأما لما قاموا وقالوا: «فأسقط علينا كسفًا من السماء»، هم طلبوا هذا، طلبوا عذابًا أن ينزل من السماء، فحقق الله لهم ما أرادوا، فأنزل الله عز وجل عليهم عذابًا من السماء، وهو عذاب الظلة، فأنزل عليهم النيران والشهب التي أحرقتهم. فهذه العذاب الثلاث إنما نزلت بما يناسبها من مناسبات ظهرت منهم: الإرجاف مقابل الإرجاف، والصيحة مقابل الاستهزاء، وعذاب السماء لما طلبوا ذلك. فهذا إخواني في الله ما حصل لقوم شعيب. ما بعد هذا العذاب، هذا العذاب الذي وقع إخواني في الله إنما وقع للكفرة، وأما أهل الإيمان وممن تبع شعيب عليه السلام، فقد نجاهم الله سبحانه وتعالى من هذا المصير، كما قال سبحانه: «ولما جاء أمرنا نجينا شعيبًا والذين آمنوا معه برحمة منا». نجى الله عز وجل أهل الإيمان، ومن كل كرب، وهكذا هم أهل الحق وأهل الاتباع، من كان متبعًا لنبيه، فالله عز وجل يجعل مآلهم إلى خير. وبعد ذلك، وبعدما نظر شعيب عليه السلام إلى حال قومه وهم قد جثوا على ركبهم جاثمين، الجثمان كما والجثو، قال علماء: أن يكون الوجه والركب على وجه منكب على الوجه. فلما رأهم على هذا الحال، منهم الجاثم، ومنهم من صعق بالنيران، وهم قد ذهبوا في هذه الدنيا إلى عذاب الله الأكبر. حينها قال ربنا عز وجل حاكيًا عن شعيب: «فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين؟» أي أنتم أمثالكم ليست محل الأسى، ليست محل الأسف أو التندم على أمثالكم، لأنه لا خير فيكم. لأن شعيب قد أعطاهم ما لم يكن لهم في الحسبان من التذكير والخيرة والنصيحة والتحذير والترغيب والترهيب، وبكل أمر، ومع ذلك ومع البيان والفصاحة إلا أنهم ركبوا أهواءهم وأصروا على التكذيب وعلى الاستهزاء، فكان هذا العذاب. والمسلم إذا علم هذا، يعلم أنه لا أسى ولا أسف ولا ندم على كل ظالم إذا أهلكه الله عز وجل، لا نأسى لأن الله هذا حكمه وحكم الله العدل، والله لا يظلم أحدًا من خلقه حاشا وكل جل في علاه. فكيف آسى؟ فكيف نأسى إذا رأينا أن الله جل وعلا أهلك قومًا قد ظلموا أنفسهم وسفكوا دماء غيرهم؟ فلا أسى على هذا، بل بالعكس، بل إن الناس يفرحون بهذا وتستريح من أمثالهم البلاد والعباد. كما قال عليه الصلاة، وإن العبد الفاجر لا يستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب. وبهذا إخواني في الله ننتهي من قصة شعيب عليه السلام من أوائلها إلى منتهاها. وبقيت مسائل مهمة نعرج عليها في درس غد بإذن الله، نكمل فيها بعض المسائل المتعلقة بقصة شعيب عليه السلام وببعض المسائل الأخرى. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.