قصة شعيب عليه السلام 2

قصة شعيب عليه السلام 2

الدرس في قصة شعيب عليه السلام 2، بيان دعوة شعيب - عليه السلام - ومعجزته وحال قومه . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

ذنوب قوم شعيب ومخالفتهم لله

كان قوم شعيب مشركين ويعبدون غير الله، ويحتالون في المكاييل والأوزان. نهاهم شعيب عليه السلام عن هذه الأفعال وغيرها من الفساد في الأرض.

معجزة شعيب عليه السلام وآراء العلماء

اختلف العلماء في معجزة شعيب عليه السلام، فمنهم من قال إنه لم تأته معجزة، ومنهم من قال إن البينة كانت في إقامة الحجة. نؤمن أن شعيب عليه السلام كانت معه آية ولكن الله أعلم بها.

دعوة شعيب عليه السلام لقومه والإصلاح بينهم

نصح شعيب عليه السلام قومه بكل قوة، واستخدم أساليب مختلفة في دعوتهم، مثل الترغيب والترهيب. قومه انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر.

ختام الدرس وتأجيل الحديث عن الطائفة الكافرة

تم تأجيل الحديث عن الطائفة الكافرة وتطاولها على شعيب عليه السلام إلى الدرس القادم. ختم الدرس بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذه السلسلة والتي لا زلنا في تتبع قصص الأنبياء والرسل، وكان المطاف قد وصل بنا إلى نبي الله شعيب عليه السلام. وأشرنا في الدرس السابق إلى مقدمتين مهمتين أساسيتين في قصة هذا النبي، المقدمة الأولى ما يتعلق بحياته الشخصية عليه السلام، بمعرفة نسبه وأصله، وعلى قول أكثر العلماء على أنه من سلالة إبراهيم عليه السلام، وقيل أنه من سلالة لوط عليه السلام. وذكرنا ما يتعلق بالفترة الزمنية التي بعث فيها، وأنه كان قريبًا من زمن لوط عليه السلام، وما قوم لوط منكم ببعيد. وذكرنا أنه اشتهر عند أهل العلم بأنه خطيب الأنبياء، وأشرنا إلى أقوال من قال بهذا. ثم تطرقنا إلى قوم شعيب، على الخلاف الحاصل بين العلماء قديمًا وحديثًا، والربط بين قرية مدين وبين أصحاب الأيكة، هل هما شيء واحد؟ أنهما افترقا على قولين اثنين. نصل الآن، إخواني في الله، إلى ذكر ما يتعلق بقصة شعيب عليه السلام من الأشياء المهمة التي ينبغي أن نذكرها في هذا المقام، ما يتعلق بحال قومه. قوم شعيب، والذي بعث إليهم شعيب عليه السلام، كانوا كفارًا، كانوا من المشركين، كانوا يعبدون غير الله سبحانه وتعالى. ومضى معنى أن لقب أو وصف أو اسم أصحاب الأيكة أرجعه العلماء إلى هذا المعنى، إذا أن الأيكة هو اسم الشجرة التي كانت تعبد من دون الله، فكانوا يعبدون الأشجار بشكل عام أو يعبدون هذا النبات الخاص، وسميت أيكة لأنهم يعبدونها، فسموا وأضيفوا إليها أصحاب الأيكة. فقد كانوا قومًا مشركين. وزد على ذلكم أنه مع هذا الذنب العام، أنهم ابتلوا بذنب خاص، وهو ما كان من حبهم للمال. فقد كانوا يحتالون عليه بأكثر الحيل دناءةً وحقارة حتى يتوصلوا إلى أموال غيرهم. وقد جاء ذلك في معرض كلام شعيب عليه السلام حين أن كان يعدد ما ينبغي عليهم فعله، فكان من قوله عليه السلام: «أوفوا الكيلة ولا تكونوا من المخسرين». فأوفوا الكيلة ولا تكونوا من المخسرين، من المخسرين الإخسار هو النقص، أي لا تكون ممن يتصف بالنقص. فأمرهم بالأمر الأول وهو أوفوا الكيل، والإيفا بمعنى الإتمام، أي أنكم إذا كلتم للناس أوفوا للناس كيلهم ولا تنقصوهم، فكانوا ينقصون في المكيال طمعًا في المال. وليس هذا خاصًا بالمكاييل، بل حتى في الأوزان، لهذا جاء أيضًا في قوله تعالى: ﴿وزنوا بالقصطاص المستقيم﴾، وزنوا هنا مسألة الوزن بالقصطاط المستقيم، أي القسطاط الوزن العادل السوي، أمرهم كذلك في أوزانهم أن يتقوا الله. والفرق بين المكيال وبين الميزان، بين المكيل وبين الوزن، أن الكيل إنما يقدر بالحجم، الكيل يقدر بالحجم، لا يستخدم الصاع والغرف هذا كيل. وأما الوزن إنما يقدر بالثقل على حسب ثقله، فهنا يكون الوزن. فالشاهد أن هؤلاء كانوا يحتالون في كيلهم وفي وزنهم حتى يتوصلوا إلى مال غيرهم. وقال أيضًا شعيب عليه السلام في بيان أخطائهم: «ولا تبخسوا الناس أشياءهم»، تبخسوا أي تنقصوا الناس أشياءهم، وهذا أمر عام، أعم من المكيال والميزان، يدخل في ذلك أنك لا تنقصوا الناس في أموالهم، قد يكون ذلك في الزروع في المحاصيل أو فيما يعد عدًا كالورق والذهب والفضة وغير ذلك. فالشاهد أن شعيب عليه السلام كان يعيب هذا على قومه، «ولا تبخسوا الناس أشياءهم». وأيضًا جاء في كلامه نصحًا لقومه: «ولا تعثوا في الأرض مفسدين»، نهاهم أن يعيثوا في الأرض فسادًا. وما معنى الإفساد هاهنا؟ على قولين من أهل العلم، قال أن الذي عناه شعيب عليه السلام عموم الفساد، وهذه حالة حتمية لكل من دخل في باب الكفر والشر، فإنه لا يولد إلا الشر، فكان فيهم المعاصي وفيهم الرذائل وفيهم الملهيات والشهوات، فأمرهم بأن يكفوا عن ذلكم. ولهذا جاء في آية أخرى في كلام شعيب عليه السلام لقومه: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾، هذا القول. والقول الثاني، وهو من علق هذا المقام «ولا تفسدوا في الأرض» أنه علقها بما نحن فيه وهو حب المال، وذلك أن من صور إفسادهم أنهم كانوا يقطعون الطريق على الناس، يقطعون الطريق على الناس لكي يستولوا على أموالهم. وهذا أيضًا جاء في قوله سبحانه وتعالى على لسان شعيب لقومه: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون﴾، ولا تقعدوا أي أنكم أصبحت لكم مقاعد تجلسون عليها، أين هذه المقاعد؟ على الطرق. وما عسى أن تفعلوا في الطرقات؟ قال: توعدون، أي تتوعدون الناس بماذا؟ إما المال وإما الموت، إما المال وإما الموت. فالشاهد أن شعيب عليه السلام أرسل إلى قوم ابتلوا بهاتين البليتين، بجريمة يفعلونها مع الله وهي الشرك والكفر، وجريمة مع الناس وهو الإفساد وأخذ الأموال. جاء شعيب عليه السلام إلى هذه الطائفة من الناس من الكفار ممن أحب المال، أتاهم ببينة من ربه سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾، إذن شعيب عليه السلام أتى ببينة. والبينة هاهنا فسرت عند كثير من العلماء بأنها المعجزة والآية الخارقة للعادة، هذه قد جئتكم بها حتى تؤمنوا بي وتزعنوا لرب العباد. وها هنا مسألة اختلف فيها العلماء، ألا وهي ما هي البينة؟ ما هي المعجزة التي أتى بها شعيب عليه السلام؟ وهذه مسألة وقع فيها نزاع بين أهل العلم على أقوال عدة. من هذه الأقوال، من أهل العلم من يرى إلى أن شعيب عليه السلام لم تأتيه معجزة أصلا، ليست له معجزة أصلا، وإنما المقصود «قد جاءتكم بينة» أي بيان بين الحق والباطل، بيان بين الصواب والرشاد، هذه البينة أي بيّنت لكم أموركم، هذا البيان الذي أتى به شعيب، ولم يأتي بمعجزة ولم يأتي بآية، هذا نعم قال به بعض الناس، لكن قد رد عليهم، وهذا القول ضعيف. وكيف لا يكون ضعيفًا وهو يخالف النصوص الصريحة؟ فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر»، ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله قد آمن عليه البشر. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي»، ما من الأنبياء من نبي، هذا تأكيد، وفيه عموم على أنه ما من نبي إلا وأعطاه الله آية وأعطاه الله كما يعبر عن ذلكم بمعجزة تكون خارقة للعادة. إذن قول من يقول ما هناك آية أو معجزة لشعيب هذا قول ضعيف. القول الثاني، من قال أن البينة التي أتى بها شعيب هو نفسه هو البينة «قد جاءتكم بينة من ربكم»، أنا أنا بينة من ربي إليكم، وهذا كذلك قول قال به جماعة من أهل العلم، لكن ليس فيه دلالة صريحة على هذا الصواب. القول الثالث، منهم من قال إلى أن البينة والآية التي أتى بها شعيب عليه السلام ما كان في إقامة الحجة، ما كان في إقامة الحجة من ذكر الدلائل والبينات، وأفحم قومه ورد على كل ما كانوا يأتون به من باطل، حتى أنهم ما استطاعوا أن يردوا عليه، أفحمهم، قالوا هذا الإفحام وإقامة الحجة الواضحة البينة الذي ما استطاع الكفار لها سبيل، هذه الآية التي أتى بها شعيب عليه السلام. والقول الرابع، الذي ذهب إليه أكثر العلماء على أن شعيب عليه السلام قد جاء بآية قد جاء بمعجزة، إلا أن الله ما ذكرها لنا، وما سطرت في القرآن، فليس كل الآيات تذكر، فليس كل المعجزات تبين، ومنها ما قام أو ما صار مع شعيب مع قومه، فنؤمن أن شعيب عليه السلام كانت معه آية كانت معه معجزة، لكن الله أعلم بها. ولهذا يقول إمام البغوي رحمه الله تعالى في هذا الصدد قال: قد كانت لهم آية إلا أنها لم تذكر، وليست كل الآيات مذكورة في القرآن، قال رحمه الله: قد كانت لهم آية أي قومه قوم شعيب لهم آية قد وضحت، قد كانت لهم آية إلا أنها لم تذكر، أي أن الله ما ذكرها. ثم بيّن هذه القاعدة «وليست كل الآيات مذكورة في القرآن»، ليست كل الآيات، فأكثر الأنبياء الذي ذكروا نعم ذكروا بعض ما كان من خوارقهم للعادة من المعجزات، وبعض الآيات أنبياء ما ذكروا، مثل هود عليه السلام، قد مضى معنا قصته، هل مرت معنا معجزة آية؟ لم نذكرها لأن الله ما ذكر في حقه شيئًا، إلا أنها موجودة هي موجودة، لكن الله لم يذكرها لنا. فالشاهد إخواني في الله أن شعيب أرسل بالبينة، وشعيب عليه السلام مع هذه البينة الذي أتى الله جل وعلا بها، إلا أنه ما اكتفى بها، وإنما أخذ ينصح ويبلغ دين الله بكل ما أوتي من قوة، كما قال ربنا عنه: ﴿يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم﴾، هذا سيأتي في آخر المطاف يبين شعيب ما الذي فعله في قومه ومعهم. قال: ﴿يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم﴾، أي كنت لكم ناصحًا وكنت لكم مبلغًا وكنت لكم معلمًا وموجهًا، لكنكم لا تحبون الناصحين. فهو نصح عليه السلام أيما نصح، وكان وذكرنا هذا على أن أعظم وأطول حوارات القرآن بين الأنبياء وأقوامهم هي حوارات شعيب، أطول حوارات القرآن أي تحاور النبي مع قومه كانت من نصيب شعيب عليه السلام، إذ أنه بالغ في النصح جدًا لقومه عليه السلام. ونصحت لكم، وكان نصحه عليه السلام يدور على هاتين المسألتين التي وقع فيها قومه، فيما كان من أمرهم مع ربهم من الإشراك، وفيما كان مع غيرهم بأكل الأموال. ولهذا كان من نصي عليه السلام: «يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان»، نصح في هذا وفي الثاني، وبالغ في النصح عليه السلام. وكان من قوله أيضًا: ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾، بقية الله ما معنى بقية الله؟ على أقوال عدة من المفسرين في تفسير هذه الجملة، بقية الله خير لكم، قال العلماء: أي ما أبقى لكم الله من الخير يكفيكم، أي اكتفوا اكتفوا بالذي عندكم من المال، اكتفوا بما عندكم من الخير. ولهذا جاء في تفسير ابن عباس: «بقية الله رزق الله»، بقية الله رزق الله، أي ما رزقكم الله به من الأموال والمتاع هذا يكفيكم، خير لكم فيه الخيرية، فلا تتطلعوا إلى الحرام من بخس الناس أشياءهم من نقص في المكيال، عدم الإيفاء الميزان، ومن التعرض للناس والاستيلاء على الأموال، هذا ما ينفعكم، لا خير فيه، هذا لا خير فيه، وإنما الخيرية في بقية الله الذي أبقاه الله لكم، وهو رزقكم، هذا فيه الخير. فكان ينصح في هذا المقام، وهكذا كان نصح عليه السلام لم يكن فقط بلسانه ومقاله، بل كان أيضًا بأفعاله، كما قال سبحانه: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾، حاشا حاشا إني آمركم بشيء أو خالفكم، بل أن أفعالي قبل أقوالي، فما أخالف، ولا يخالف قولي فعلي عليه السلام. وهكذا كان يستخدم معهم أسلوب الترغيب وأسلوب الترهيب، فكان من ترغيبه لهم: ﴿واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم﴾، هذه نعمة نعمة من الله عز وجل أن كثّركم بالكثرة وأن أعطاكم الوفرة، هذه نعمة اذكروها لله عز وجل. واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم. وهكذا استخدم أسلوب الترهيب والتشديد والتغليظ، فكان من قوله: «يا قومي لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد». فالحاصل أن شعيب عليه السلام نصح وبلغ بكل ما أوتي من قوة، وكان مراده من هذا كله ما جاء في قوله تعالى: ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾، إن أريد إن هو بمعنى ما النافع، أي ما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، لا أريد منكم مالا ولا جاها ولا سيادة. وهكذا الداعية يفعل ما يفعله من التبليغ والدعوة إلى الله عز وجل، لا يريد من الناس ثناء ولا شكور. أمام هذه الدعوة الخالصة والناصحة من شعيب عليه السلام، إن قسم قومه إلى قسمين، منهم من آمن به، ومنهم من تولى وكفر عنه، كما قال سبحانه على لسان شعيب: ﴿وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا﴾، فدل على أن الناس انقسموا أمام دعوة شعيب. وسيأتي معنا بإذن الله في درس غد ما يتعلق بحال الطائفة الكافرة، إذ أنها لم تكتفي بكفرها بل تطاولت على شعيب عليه السلام بما هو أعظم من ذلك. فنرجي الحديث عن ذلك إلى درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.