الإهتمام بالعلم النافع في زمن الفتن

الإهتمام بالعلم النافع في زمن الفتن

المحاضرة بعنوان الإهتمام بالعلم النافع في زمن الفتن، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

أهمية العلم النافع للنجاة من الفتن

تؤكد المحاضرة أن التمسك بكتاب الله وسنة رسوله بالعلم والفقه هو السبيل الوحيد للنجاة من الفتن المتنوعة، محذرة من الجهل المورد للبدع والضلال. وتستشهد بنماذج من الصحابة كأبي بكرة وابن عباس رضي الله عنهم الذين نجاهم الله بالعلم من الفتن.

تلقي العلم من مصادره الصحيحة وخطر الإعلام

يبيّن المقطع وجوب أخذ الدين من كتاب الله وسنة رسوله وعلى أيدي العلماء المأمونين، محذراً من التلقي من وسائل الإعلام والأعداء. ويوضح أن العلم النافع مفتاح النجاة والعبادة الصحيحة وصلاح النفس والأهل، مستدلاً بآيات وأحاديث تفضل العالم على الجاهل.

فضل التفقه في الدين وسير السلف في طلب العلم

يؤكد المقطع أن التفقه في الدين علامة على إرادة الله بالخير للعبد، مبيناً فضائل تلاوة القرآن وحفظه والعمل به. ويستعرض تضحيات السلف الصالح في طلب العلم ونشره، داعياً المسلمين للاقتداء بهم والرجوع إلى الكتاب والسنة لنيل الفلاح.

العلم النافع سبيل نهضة الأمة وتمكينها

يشدد المقطع على أن عز الأمة وتمكينها مرهون بطلب العلم الشرعي النافع والتمسك بمنهج النبوة، محذراً من عواقب الإعراض عن الدين. ويدعو إلى بث العلم في المساجد والأسر والصبر على التعلم والتعليم سبيلاً للنصر والفلاح في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الاهتمام بالعلم النافع في زمن الفتن، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فاتقوا الله عباد الله. فإن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسول، وأنزل الكتاب، وأمر العباد بالاستقامة على كتابه وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا نزال عباد الله نحتاج إلى من يذكرنا، ومن يعلمنا، ومن ينصح لنا. فالأمر خطير، لا سيما في هذه الأيام التي كثرت فيها الفتن والبلايا والمحن، وعظمت فيها الشرور والمفاسد، وكثر فيها الأجهلاء، وقل فيها العلماء، وكثر المنحرفون، وقل الناصحون. فلا تزال الأمة عباد الله بحاجة إلى تعليم وتذكير، وإلى وعظ وإرشاد، وإلى توجيه صحيح إلى الطريق التي يحبها الله سبحانه وتعالى ويرضاها، وإلى المنهج السوي الذي أمرنا الله عز وجل بالقيام عليه والاستقامة عليه: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. والحقيقة أن الفتن الموجودة في المجتمع ليست مقصورة على هذه الفتنة التي ألمح الإخوة حفظهم الله في كلامهم إليها، وإنما هي فتن وشرور كثيرة وعظيمة: فتنة الدنيا والمال، وفتنة النساء والزوجة والأولاد، وفتنة الجيران، وفتنة الملة والرئاسة، وفتنة الدماء، وفتنة الأغاني والموسيقى، وفتنة الربا، وفتنة السحرة والكهنة والمشعوذين، وفتنة الغنى والفقر، فتنة المحيا والممات، فتنة الدجال. فتن كثيرة وعظيمة، المسلم يعايشها في الصباح والمساء، فهو بحاجة عباد الله إلى أن يحصن نفسه بالوحي الذي أوحاه الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فسبيل النجاح وسبيل السلام من هذه الفتن عباد الله: أننا نقبل على دين الله فنتمسك به، وأننا نعض على سنة رسول الله، وأننا نتمسك بكتاب الله عز وجل. وهذا كما تسمعون دائماً أبداً من قبل الموجهين والعلماء والناصحين، لا يكون بالعواطف والحماسات، ولا يكون بمجرد الانتساب بدون تعلم وفقه واعتبار ونظر وبصيرة وبينة على ما كان عليه السلف، وهذه الأمة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإنك في زمن تجد كثيراً من الناس من يدعي أنه من أهل السنة، وأنه على الصراط المستقيم، وأنه على منهج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلابد للمسلم حتى ينجو من هذا الشرع، وحتى يستقيم في نفسه، وحتى يقوم أسرته ويعينهم على طاعة الله ويأخذ بأيديهم إلى بر آمن، عليه أن يقبل على ميراث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالأمة عباد الله بسبب جهلها بالدين تمسكت بكثير مما عليه أهل الشرق والغرب، وبسبب الجهل بطريق رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقف كثير من الناس، ومنهم من هو منسوب إلى الصلاح والاستقامة، بغير تمسك بطريق رسول الله، ويظنون أنهم يحسنون صنعاً، ويظنون أنهم في طرق الجنة، بسبب الجهل عباد الله. فالفتن تتنوع وتتعدد وتختلف أسماؤها، وتختلف بهارجها وصورها، وهي في الحقيقة تضر بدين المتمسك. فالحل عباد الله للنجاة من هذه الفتن: أنك تتبصر في دينك، وأنك تتعلم كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأنك تستثمر أوقاتك، وأنك تحفظ عمرك، وأنك تحرص على سلامة قلبك، وذلك بالإقبال على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، وهذا الذي ينبغي أن يتسارع إليه المتسارعون في خضم هذه الفتن والبلايا والشرور، وهذه الأمواج المتلاطمة. فإن كثيراً من الناس من يعيش حيران أمام هذه الفتن، يصبح على منهج طيب ويمسي وقد غير وبدل. وهكذا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما هو أعظم من ذلك: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا». هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن حصول هذه التقلبات وهذه التأرجحات عند كثير من الناس عباد الله، بسبب الإقبال على الدنيا والرغبة فيها والتنافس عليها. وهكذا من أعظم الأسباب الرئيسة في حصول ذلك هو الجهل بدين الله سبحانه وتعالى. لما جهل المسلمون دينهم تمسك كثير منهم بغيره، ولما جهلوا طريق رسول الله تمسكوا بالبدع والأهواء والخرافات والضلالات والانحرافات، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وصدق الله عز وجل إذ يقول في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾. فأنت يا مسلم يا عبد الله، عليك أن تحرص على النجاح، على النجاح، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل. وأمامك أهوال، وأمامك شدائد، وهناك منكر ونكير، وهناك فتنة وابتلاء، وهناك جنة وهناك نار، وهناك ميزان يوضع، وهناك صراط ينصب، وهناك أمور مهولة. فعليك أن تحرص على النجاح، تنجو وتنجو أسرتك، وهكذا تساهم في إنجاء من تستطيع من أقاربك وإخوانك المسلمين. فهذا عباد الله يتطلب من المجتمع المسلم أن يعتني العناية المطلوبة والعناية الفائقة بتعلم العلم النافع. فهذا والله عباد الله الذي ينجي من الفتن والشرور. وما أحسن قول القائل: ويجلو ما بعينك من عماها ويهديك السبيل إذا ضللت فإن من فوائد العلم أنه ينجي في وقت الفتن. كم من أناس نجاهم الله سبحانه وتعالى بسبب مجالس العلم، بسبب آية سمع تفسيرها، أو بسبب حديث عرف فقهه ومعناه. هذا أبو بكرة الصحابي رضي الله تعالى عنه، هو القائل: «لقد نفعني، لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمل، بعدما كدت أخرج مع القوم». سمع النبي صلى الله عليه وسلم حينما وفد وفد كسرى وأمروا عليهم بنت كسرى، قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». هكذا لما كان في معركة الجمل على الجانب الأول من الجيش عائشة رضي الله عنها، اعتبر بهذا الحديث ولم يخرج بعد أن كاد أن يخرج معهم. قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». فنجاه الله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله، ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ناظر الخوارج وكانوا ستة آلاف بالحجة والبرهان والعلم والبيان، فأفحمهم وحاجهم وخصمهم، فرجع منهم ألفان، وخرج أربعة آلاف، قتلهم المهاجرون والأنصار بأسيافهم. نعم عباد الله، هكذا يظهر أهمية العلم. فلا يستوي العالم والجاهل، لا يستوي طالب العلم والمتبصر في دينه والحريص على التفقه فيه، وذلكم الذي يتلقى دينه من قبل وسائل الإعلام، يظل الساعات الطوال وهو أمام هذه الشاشات، وهو أمام هذه الجرائد والمجلات، يتلقى دينه ويأخذ ثقافته ويأخذ معلوماته من قبل أعدائنا من اليهود والنصارى وأذنابهم ومن سار على فلكهم. هذا لا يمكن عباد الله، وهذا لا يصلح. بل على المسلم أن يأخذ دينه على أيدي العلماء المأمونين، الدين يأخذ من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يأخذ من الجرائد والمجلات، ولا يأخذ من هذه الفضائيات والمجلات، ولا يأخذ من هذه الشاشات. بل عليك يا مسلم يا عبد الله أن تحرص على البصيرة في الدين، فالله سبحانه وتعالى ينجيك من شرور كثيرة وفتن عظيمة. يقول الله في كتابه الكريم: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. لا يستوي عباد الله من تبصر بالحق وعرفه وتمسك به، وأنار بنوره واهتدى بهداه، وذلكم الجاهل المعرض المقصر. أقبلوا عباد الله إلى ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه خرج من الدنيا ولم يورث، ولم يخلف ديناراً ولا درهماً، ولا قصراً ولا حديقة، وإنما خلف هذا العلم النافع الذي به استنارت القلوب، وأعز الله به سلف هذه الأمة. فالواجب عباد الله في الوقت الذي ينشغل فيه الناس بالقيل والقال، وهذه الجرائد، وهذه الفضائيات والشاشات، أن تقبل وتقطع جزءاً من وقتك في تعلم آية من كتاب الله، في حفظ حديث من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا تهن بذلك، فإن النبي عليه الصلاة والسلام خرج على أصحابه فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم؟» قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله. قال: «فإن أحدكم يغدو إلى المسجد فيتعلم آية من كتاب الله، خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهن من الإبل». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضلكم لمن تعلم القرآن وعلمه». فهكذا عباد الله تتعلم العلم وتأوي إلى الله، فيؤويك الله، ويسلمك الله، ويحفظك الله، ويعافيك الله. كما في الصحيح من حديث أبي واقد الليثي: «أنهم بينما هم جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، إذ أقبل نفر ثلاثة، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فأوى وجلس فيها، وأما الثاني فجلس في آخر الحلقة، وأما الثالث فولى مدبراً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما قضى حديثه: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ قال: أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه». فكونوا ممن يأوون إلى الله، ويأوون إلى حلق العلم ومجالس الخير، وإلى هذه الأماكن التي يرتادها الأخيار والصالحون. واحذروا أن تكونوا من المعرضين، وأن تكونوا من المدبرين. كما سمعتم إخواني في الله، الذي ينبغي على المسلم أن يعتني بهذا الأمر العظيم وهذا الأمر الجليل، وهو اهتمامه بالعلم النافع في هذا الوقت الذي زهد فيه كثير من الناس في هذا العلم، وأقبلوا على الدنيا وتنافسوا فيها، وأنهمكوا في تحصيلها، وتقاتلوا وتعادوا وتحابوا وتباغضوا من أجلها وبسببها. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن وقوع مثل هذه الشرور وهذه الفتن وهذا التنافس، وهذا الذي خافه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمة. فأنت يا عبد الله في أمس الحاجة إلى أن تحصن نفسك، وإلى أن تعبد الله على بصيرة، وإلى أن تنجو. فإنك لا تستطيع أن تكون على عقيدة سليمة من الشكوك والشبهات إلا من طريق العلم النافع، ولا تستطيع أن تعبد الله عبادة خالية من البدع والخرافات إلا من طريق العلم النافع، ولا تستطيع أن تزكي نفسك وأن تطهر قلبك وأن تصلح نفسك أيضاً إلا من طريق العلم النافع. فهو المفتاح لكل خير، لأداء ما أوجب الله وترك ما حرم الله. فالأقوال والأعمال والحركات والسكنات لا قيمة لها ولا نفع فيها إلا من طريق العلم النافع. وهكذا أيها الإخوة في الله، كما تعرفون أننا في زمن قل فيه العلم وكثر فيه الجهل، وتكلم فيه الرويبضة كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ففي مسند البزار وغيره من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أمام الدجال سنين خداعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة». قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العام». وهكذا تجد الآن كثيراً من الموجهين والمعلمين والمرشدين هم ليسوا على استقامة، ولم يتلقوا تعليمهم وثقافتهم على أيدي مأمونة، فصاروا في كثير من النوافذ، وكثير من المنابر، وكثير من أماكن التوجيه. فهذا أمر خطير: إذا كان العود أعوج، فكيف يستقيم الظل؟ إذا كان العود أعوج، فلا بد أن يكون الظل أيضاً أعوج. فهكذا إذا كان الانحراف والضلال والجهل والتقصير حاصلاً في من يشار إليهم بالبنان، وهم صاروا القدوة والأسوة، والمربون والموجهون، صاروا أسوة وقدوة للمربين والموجهين، فهذا نذير بالشر. صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «يتقارب الزمان، ويقبض العلم، ويظهر الجهل، ويكثر الهرج». قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: «القتل، القتل». وهكذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إذا انقطع عن الناس نور النبوة، وقعوا في الفتن وفي الظلمات، وقل عنهم الخير». فلهذا، خير سبيل وأعظم علاج إخواني في الله، وأعظم حل لنا: أننا نقبل على إصلاح أنفسنا وإصلاح أسرنا. وهذا لا يكون إخواني في الله إلا من طريق العلم. الرجل بحاجة، والمرأة بحاجة، والصغير والكبير، والراعي والرعية، والمسؤول والموظف، كلنا بحاجة. فأنت أمامك عبادات كلفت بها، وما خلقك الله عز وجل إلا لأجلها، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون: ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾. فما أوجدك الله سبحانه وتعالى لغرض من الأغراض، ولا لأمر من الأمور، إلا للقيام بهذه الوظيفة التي فيها الشرف والسعادة والعزة والكرامة والرفعة والنّجاح للعبد في الدنيا والآخرة. فإذا كان الله سبحانه وتعالى خلقك للعبادة، فأنت عليك أن تكون على علم بهذه العبادة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين». من يرد الله به خيراً يفقه في الدين. فمن دلائل الخير وعلامات الخير أن الإنسان يبع قدمه على طريق التفقه في دين الله سبحانه وتعالى. فمن تفقه في دين الله كان دليلاً على أن الله سبحانه وتعالى أراد به خيراً، ومن أراد الله به خيراً وفقه لتفقه في الدين. فإن الأمور بأسبابها، فمن حرم من أسباب الخيرية والفلاح فإنه محروم، ومن وفق لأسباب الخيرية فهو الموفق. «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين» يعني: يعرف عقيدته، العقيدة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتبصر في أمور أنواع التوحيد وأقسامه، وهكذا الشرك وأنواعه ووسائله، ويكون على بصيرة في عبادته. أنت تصلي، وأنت تصوم، وأنت تزكي، وأنت تحج وتعتمر، وأنت عليك حقوق تجاه الوالدين والأولاد والأسرة، وتجاه الجيران والأصحاب، وتجاه الراعي والرعية. فهكذا ما تستطيع أن تعبد الله حق العبادة إلا من طريق العلم النافع. وهكذا المعاملات، ما أكثر الذين يبيعون ويشترون ويتعاملون هم على جهل فضيع. وهكذا أشياء كثيرة من أمور الأخلاق والمنهاج والدعوة، وهذه أمور لا تقل أهمية. فإن من انحرف في منهاجه مستعد أن يبيع دينه، أو أن يضل ويحسب أنه محسن. فلهذا إخواني في الله، ينبغي علينا أن نكرس جهودنا، وأن نملأ أوقاتنا، وأن نستفيد من أوقاتنا فيما يعود علينا بالنفع. هذا الطريق الشاق الذي زهد فيه كثير من الناس. كثير من الناس مستعد أن يحضر الندوات، وأن يحضر التمثيليات والمسرحيات، وأن يشارك في الرحلات، أما أنه يصبر نفسه على تعلم كتاب الله الذي فيه الهدى والنور، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي فيه أسباب السعادة، والذي فيه أسباب الهداية: ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾. هل أنت مستعد على أن تحفظ ما تيسر من كتاب الله سبحانه وتعالى، فيستنير بذلك قلبك، وتهتدي، وتنفتح لك طرق وسبل الخير، وتنجلي أمامك الظلمات، وتنكشف الشبهات؟ هل أنت مستعد لتلاوة كتاب الله، الذي قال الله في أهله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾. فأنت أكرمك الله سبحانه وتعالى بهذا الكتاب الذي يعتبر دستوراً ومنهاجاً ونوراً يضيء الطريق لمن تمسك به، وعض عليه، وسار على أحكامه، وتأدب بآدابه، وتخلق بأخلاقه، ومشى بما فيه. نعم، لا يمكن أن يضيع، ولا يمكن أن يشقى ويضل، وهو متمسك بكتاب الله. فالذي ينبغي على المسلم أن تكون له عناية بكتاب الله سبحانه وتعالى، فيؤجر على قراءة آياته وحروفه. وما أكثر الحسنات التي ينالها بسبب ذلك: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تسبقهم سورة البقرة وآل عمران، تحاجان عن صاحبهما». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران». وأحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل تلاوة القرآن وفضل العمل به. فإنه نور إخواني في الله: ﴿ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾. لا تهمل القراءة والحفظ لكتاب الله سبحانه وتعالى، ولا تهمل النظر في أحاديث رسول الله، فإن النظر في أحاديث رسول الله مما تزيد البصيرة وتفتح لك أبواب العلوم مع كتاب الله سبحانه وتعالى. لا تهمل ميراث المصطفى صلى الله عليه وسلم: علم التفسير، وعلم العقيدة، وعلم الحديث، وعلم الفقه، وهكذا العلوم الآلية التي تعين على تعلم العلم والفهم في الدين. فهذا شرف، وهذه سعادة للمسلم. وانظروا إلى سلف هذه الأمة، كيف أن الله سبحانه وتعالى أنقذهم ورفعهم ونفعهم بهذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. كان قد بعثه الله سبحانه وتعالى في زمن خيم عليه الجهل، وكثرت فيه الشرور، فأنزل الله القرآن، وبعث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، يتلو عليهم الآيات، ويعلمهم ويؤدبهم، وجلس بينهم كالقمر بين النجوم في ظلمة الليل، يعلمهم ويربيهم ويزكيهم، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. فاستنارت قلوبهم، واستقامت جوارحهم، وعلت هممهم، وأقبلوا على دين الله، ونفع الله بهم المشارق والمغارب، وأعزهم ورفعهم في مدة وجيزة. فهكذا عباد الله، هذه الأمة لن يكتب لها رفعة، ولن يحصل لها سؤدد، إلا بأن ترجع إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة. فالأمر كما قال الإمام مالك: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». فأول هذه الأمة أقبلوا على تعلم العلم، ما كانت عندهم جبال شاهقة يدربون عليها، ولا مصانع ينافسون غيرهم في إيجادها، ولا سدود يفاخرون بها، ولا آلات حربية متطورة أيضاً يعني يفتخرون بها، وإنما كانوا يجلسون جلوس المتواضعين في بيوت الله سبحانه وتعالى يتعلمون، ويزداد بذلك إيمانهم. قال جندب: «كنا ونحن فتيان حزاورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا بعده القرآن، فازددنا به إيماناً». وهكذا كان سلف هذه الأمة من الصحابة، الصغار والكبار، جلسوا وجثوا بركبهم، وتعلموا من رسول الله، ثم نشروا هذا العلم، وبلغوا هذا الدين، وملأوا به أوقات الناس ومجالس الناس وأذهان الناس. نعم عباد الله، كيف وصل دين الله سبحانه وتعالى إلينا غضا طريا، كأننا نجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إنها بعد توفيق الله سبحانه وتعالى بسبب تلكم الجهود العظيمة والمباركة التي بذلها سلف هذه الأمة. جلسوا مع رسول الله، حصلوا العلم، وبلغوا ونشروه. وهكذا قام بهذه المهمة التابعون، وهكذا قام بها الأعلام ومصابيح الدجى ونجوم السنة، بهذه المهمة العظيمة والشاقة، تعرضوا للمخاطر، وقطعوا المسافات، وأنفقوا الأوقات النفيسة، وبذلوا الأموال الغالية في سبيل تحصيل العلم وجمعه وبثه ونشره. هذا ينفق الملايين بحساب اليوم، وهذا يبيع بيته، وهذا يبيع سقف بيته، وهذا يبيع أدوات مطبخه، وهذا يصبر على الجوع والعطش، وهذا يطلب العلم في البرد القارس وفي الحر الشديد، وهذا يكاد يموت من العطش ومن الجوع، وبعضهم يموت في الرحلة في طلب العلم. فهذه الجهود التي بذلها أيها الإخوة في الله سلف هذه الأمة، كان لها الأثر العظيم في حصول الرفعة ووصول هذا الدين. فنحن ما من باب من أبواب العلم إلا وعندنا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قيض الله سبحانه وتعالى رجالاً أمناء وعلماء ناصحين، جلسوا للأمة. وهكذا وجد من الشباب والصغار والكبار من تلقوا هذا العلم، فرفعهم الله وعزهم ونصرهم على أعدائهم، وحصل لهم كل خير ينشدونه. لكن اليوم، كثير من الناس من أقبل على السياسات وعلى القيل والقال، وأهمل صلاته، وقصر في تعلم دينه، وحصلت الشرور الكثيرة. وإلا لو وقفت الأمة صفاً واحداً تتعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعض على منهج النبوة، لا بدع ولا خرافات ولا أهواء ولا انحرافات، لو وجدت هذه الأمة عزيزة قوية، ولا يقف أمامها أي عدو إلا انهزم وذل. ﴿ وَجَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾. لكن الجهل خيم على الأمة، والبدع كثرت، والانحرافات تعددت، والاختلافات موجودة، فصارت هذه الأمة لقمة سهلة وسائغة لأعدائها. فلهذا إخواني في الله، فدعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام: دعوة للاهتمام بالعلم النافع، ودعوة للتمسك بالقرآن والسنة، ودعوة للتعاون على البر والتقوى، ودعوة لجمع الكلمة وتوحيد الصف، والحذر من الفرقة والتنازع والاختلافات. فبهذا إخواني في الله، يعافي الله سبحانه وتعالى هذه الأمة من هذه الشرور، ويعود لها عزها ومجدها، ويكون لها الصدارة والمكانة أمام أمم الأرض. ولا نبالي إخواني في الله بما أعطى الله سبحانه وتعالى الكفار من هذه الماديات وهذه الصناعات وهذه الاختراعات، فإن الله سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه الكريم: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ﴾. فالله سبحانه وتعالى يبتلي المؤمنين بالكافرين، ولو صبر المسلمون واستقاموا على دينهم، ورجعوا إليه، وتمسكوا بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، لرفعهم الله وعزهم وسلمهم. فهذا كما سمعتم، ما يكون من طريق العواطف والحماسات، وإنما من طريق البذل والتضحية. فاحرص على أن تتعلم في نفسك، وأن تعلم أسرتك، وأن تشجع فلذات الأكباد من البنين والبنات، والزوجات، والأخوات، على تعلم العلم النافع. تكون حياتنا حياة إيمانية، حياة علمية: كم درس، وكم تعلم، وكم حفظ، نصون ألسنتنا ومجالسنا من القيل والقال والضياع، والمعاصي والمنكرات. فهذا الذي ينبغي أن يهتم به المسلم: أن يهتم بتعلم العلم النافع وتحصيله وجمعه. فهذا بارك الله فيكم، خير ما يعود على الإنسان بالنفع. نعم إخواني في الله، الأيام تمشي وتمضي، أنت اليوم في سن العشرين، وما تلتفت التفاتة إلا وصرت فيها من أصحاب الثلاثين، ما هي إلا أيام وصرت من أصحاب الشيخوخة. وهكذا، ما هو رصيدك، وما الذي قدمت لدينك، وما الذي قدمت لنفسك؟ نعم إخواني في الله، لكن لو انتشر العلم وعم الخير، لقلت المنكرات، ولأدبرت الرذائل، ولكثرت الفضائل، ولحصل الهدى والاستقامة والصلاح في مجتمعاتنا. حتى ذلك الذي درس الدراسة الوضعية، وتلقاها في وظيفته، فإن هذه الأشياء تكون حبراً على ورق، بسبب ما يسمع في مسجده ووظيفته يعني من كلام يذهب قناعته وثقته بهذه القوانين الوضعية، وهذه الانحرافات، وهذه الضلالات. فلهذا إخواني في الله، ينبغي علينا جميعاً أن نعتني بالعلم، وأن نعمر أوقاتنا، وأن نتواصى فيما بيننا، وأن نحيي مساجدنا بإيجاد الحلقات النافعة والمفيدة. أما أن يوجد طلاب العلم الراغبون، ثم لا يجدون من يعلمهم، يدرسهم، يصبر على تعليمهم في المساجد، فهذه مصيبة، وهذا يعتبر تقصيراً من قبل طلاب العلم والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى. فحقيقة يحتاج أن يوجد القدر الكافي من العلماء والأقوياء والمستفيدين. المنابر تحتاج، والمساجد تحتاج، والأمة والقرى والمدن بحاجة ماسة إلى هذا العلم النافع. فلهذا إخواني في الله، ينبغي أن نشحذ الهمم، وأن نكرس الجهود في سبيل تحصيل العلم وبثه ونشره. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.