المدخل إلى تخريج الأحاديث والآثار والحكم عليها 2

المدخل إلى تخريج الأحاديث والآثار والحكم عليها 2

الدرس في المدخل إلى تخريج الأحاديث والآثار والحكم عليها 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية التخريج وفوائده العلمية والعملية

تمثل ممارسة التخريج ركيزة أساسية لاكتساب الملكة العلمية الواسعة، حيث تمكن الباحث من توثيق الأحاديث ومعرفة درجاتها، وضبط المتون والأسانيد وتصويب التحريف والتصحيف. كما يكشف التخريج المشتبه ويوضح الملتبس، ويوسع أفق العالم بطرق الجرح والتعديل والتعليل، ليكون طريقاً للإتقان والتمهر في علم الحديث والاستنباط الفقهي الصحيح.

نشأة علم التخريج ومراحله التأسيسية

ارتبط نشوء علم التخريج بعصر التدوين الذهبي للحاجة إلى تمييز الصحيح من السقيم، ومارسه الأئمة الكبار كشعبة وأحمد بن حنبل برواية الحديث بطرق متعددة. ثم جاء تدوينه منهجياً على يد الإمام الترمذي في جامعه، وتطور الاهتمام بعلو الإسناد والمستخرجات على الصحيحين كما فعل مسلم بن الحجاج، مما أسس القواعد الأولى لهذا العلم.

تطور علم التخريج في القرون الهجرية الأولى وأبرز مصنفاته

شهد القرنان الثاني والثالث الهجريان مظاهر مبكرة للتخريج كالمستخرجات والانتخابات على الشيوخ، مع بروز مصنفات للدارقطني والخطيب البغدادي والبيهقي. ثم ازدهر هذا العلم في القرن الثامن الهجري على يد علماء كبار كابن عبد الهادي والزيلعي وابن كثير والزركشي، الذين عنوا بتخريج متون الفقه والحديث بشكل موسع ومنهجي.

علماء التخريج ومؤلفاتهم المتأخرة والمنهجيات الخمس

استمر العطاء العلمي في القرون التاسع إلى الثاني عشر الهجري بظهور علماء بارزين ومؤلفات نوعية، مع عناية العصر الحديث بتحقيق المتقدم وتخريج المتأخر. وقد استقرت الممارسة العلمية على خمس طرق منهجية للتخريج تتنوع بين النظر في الإسناد، المتن، المعنى، الحال، والاستعانة بالبرمجيات الحاسوبية لتسهيل عملية الاستخراج والتوثيق.

منهجية التخريج العملية ومشكلات البحث الحديثي

يتبع الباحث في التخريج منهجية انتقائية للطرق المناسبة للحديث وقدرته، سواء بجمعها أو الاكتفاء ببعضها. وتعترض هذه العملية مشكلات متعددة أبرزها: اختلاف اللفظ والمعنى، والتصحيف والتحريف، وعدم وجود الحديث في موطن الإحالة، وإبهام الإحالة، وخطأ أسماء الرواة، مما يستدعي التروي وحل المشكلات تباعاً لاستكمال التخريج بشكل سليم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: المبحث الثاني: في أهمية التخريج وفوائده. قال: إن ممارس التخريج للأحاديث والآثار، وجمع النصوص الحديثية والتفتيش عنها في بطون الكتب مخطوطة ومطبوعة من جوامع ومسانيد ومصنفات وأجزاء ومشيخات، والنظر في أحوال الرجال وتراجمهم، ومعرفة الوجوه المختلفة لرواية الحديث من تقديم وتأخير واختصار وزيادات في النص، كل أولئك له فوائد جمة تعود على الباحث والقارئ. سواء عن الباحث الذي يبحث، مثل هذا لا يعدم من الفوائد التي يتحصلها؛ إما أنه يعرف نصوصاً لم يكن يعرفها، أو يعرف طرقاً لم يكن يعرفها، أو يعرف كذلك رجالاً، يعرف أحوال رجال لم يكن يعرفهم. وهكذا يستفيد الباحث والقارئ. قالوا: لا يصير الماهر في علم الحديث حتى يمارس التخريج علماً وتطبيقاً. ما لو التطبيق كما قلنا هم، فكثير من الناس دخل علم التخريج بالتطبيق، لم يتعلم هذا العلم وإنما طبقه. فالتطبيق والممارسة لها دور كبير، قد يفوت بعض الأشياء، لكنه من ناحية أصل المادة وأصل الفائدة يجدها. قال الخطيب البغدادي رحمه الله: كان بعض شيوخنا يقول: من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ وليأخذ قلم التخريج. يكسر قلم النسخ وقلم الكتابة ويأخذ قلم التخريج. معنى المراد به التطبيق العملي. وقال: قل ما يتمهر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستثير الخفية من فوائده إلا من جمع متفرقه وألف مشتته وضم بعضه إلى بعض واشتغل بتصنيف أبوابه وترتيب أصنافه. فإن ذلك الفعل مما يقوي النفس ويثبت الحفظ ويشحد الطبع ويبسط اللسان ويجيد البيان، لأن هذه الأشياء ما تعرف إلا بهذا. فالتقريب يقرب للناس العلم ويقرب للناس المسألة. قال: ويكشف المشتبه ويوضح الملتبس، ويكسب أيضاً جميل الذكر وتخليده إلى آخر الدهر، كما قال الشاعر: يموت قوم فيحيي العلم ذكرهم والجهل يلحق أمواتاً بأموات قالوا: لا يكون ذلك إلا بالتخريج. هذا، ومن تلك الفوائد التي يمكن أن نذكرها في هذه العجالة التي نجنيها من التخريج ما يأتي: أولاً: توثيق الحديث ومعرفة درجته في اصطلاح المحدثين. توثيق الحديث ومعرفة درجته في اصطلاح المحدثين. ثانياً: معرفة الزيادة والنقص في متن الحديث، فيعرف ما هو الصحيح وما هو شاذ أو منكر أو مدرج. وهذا مهم جداً حتى يتسنى للباحث أن يستدل بهذا الحديث في الأحكام الفقهية، أو حتى في العقائد أحياناً. بعض الأشياء أيضاً بعض الألفاظ حتى تكون في العقائد، أنه يستدل بها أو يبين ضعفها. مثلا على سبيل المثال: رواية الشمال: أن لله يد شمال، كما في صحيح مسلم. هذه الرواية علها جماعة من العلم بعمر بن حمزة أو حمزة بن عمر، حمزة بن عمر، وفيه ضعف أو فيه أوهام في حفظه، سوء حفظه، وهو الذي ذكر الشمال. ولهذا لم يقل بها بعض العلم، لم يثبتها لله عز وجل، لأن الحديث الصحيح قال: «كلت يدي ربي يمين»، مبارك. وفيه أيضاً الصحيحين: «بيده الأخرى»، ولم يقل: وبالشمال، بيده الشمال. فلهذه فهي زيادة منكرة أو قل شاذة. فبعلم الحديث يعرف مثل هذه الأمور. ثالثاً: معرفة الوجوه المختلفة لرواية الحديث مما يساعد في الاستنباط الصحيح للأحكام الفقهية. يعرف مختلف الوجوه لرواية الحديث، أن بعض الزيادات يتحصل عليها بالبحث، وقد يستدل بها في أمور شرعية. رابعاً: تصويب النص مما يقع فيه من التحريف أو التصحيف، فنخلص إلى نص صحيح. أن أحياناً بالبحث يعرف أن الصواب في الحديث كذا وكذا. مثلا على سبيل المثال: حديث «زينوا القرآن بأصواتكم». فبعضهم رواه: «زينوا أصواتكم بالقرآن». غالباً المتبادر للذهن الثاني: «زينوا أصواتكم بالقرآن». أن بعضهم يستعظم كيف: «زينوا القرآن بأصواتكم»؟ هل القرآن يتزين بالأصوات؟ أو أن القرآن يزين الأصوات؟ ما سوى: «أصواتكم بالقرآن» أو «زينوا القرآن بأصواتكم»؟ هو هذا الصحيح: «زينوا القرآن بأصواتكم». لكن كما قلنا يتبادر إلى الذهن: «زينوا أصواتكم بالقرآن». ولهذا بعض الرواة كأنه استعظم المعنى الأول فجاء وعكس الحديث، فقال: «زينوا القرآن... زينوا أصواتكم بالقرآن». فالباحث إذا بحث يجد أن هذه الرواية شاذة وأنها غير صحيحة، والصحيح في الحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم». وأيضا تؤيده الأدلة: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن»، فهذا أيضاً من التزين. قال: ويربط طيب، يصوب النص من التحريف أو التصحيف. أحياناً التصحيف يكون مثلاً: الحديث الذي رواه ابن لهيعة عن عقبة عن موسى بن عقبة عن نافع بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم، احتجم في المسجد، احتجم في المسجد. بعض العلماء يستدل بهذا على جواز الاحتجام في المسجد، احتجم في المسجد وهو صائم. فهنا هنا الحديث فيه تصحيف، الحديث ليس فيه احتجم، وإنما لما كتب موسى بن عقبة إلى ابن لهيعة كتب: احتجر، لكن ابن لهيعة ظنها أنها احتجم، فرواها: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما هو احتجر، احتجر، أي جعل حجرة في المسجد، جعل حجرة في المسجد، والمراد به الخيمة التي نصبها في الاعتكاف. النبي صلى الله عليه وسلم احتجر في المسجد وهو صائم. فالعين هذا اللفظ غير حكماً، أنه احتجم وهو صائم. فبجمع الطرق والبحث في الحديث يتبين لك أن هذا تصحيف. خامساً: تصويب الأسماء في الإسناد، وتوضيح المبهمات، وتقييد المهملات. منها أحياناً كما قلنا بعض الزيادات لها حكم. قال: وضبط الصحيح، ضبطها الضبط الصحيح وغير ذلك. سادساً: فإذا تعود على الباحث نفسه وهي تكوين ملكة علمية لديه في إتقان تصويب النصوص، وكذا إتقان عزوها وتوثيقها. وهذا سبحان الله يجد الإنسان محبة لها في قلبه، ويجد مثل الفرح والسعادة إذا استمر في هذا. أولاً يكون وافق من النصوص ومطابقة لهذه النصوص، أن هذه الزيادات غير صحيحة، هذه الزيادة غير صحيحة، تلك الزيادة صحيحة، وهكذا. فكلما اكتشف شيء من هذا يجد أنه اطلع على شيء جديد، استفاد فائدة جديدة وعزيزة، وأحياناً قد يكون قل من يعلمها. قال: كما يوسع من أفقه العلمي من الاطلاع على سبيل العلماء في العزو والجرح والتعديل والاستنباط. أيضاً كصنيع الإمام البخاري في تراجم أبوابه، وكالترمذي في بيان العلل والحكم على الحديث، والحكم على الحديث. ونحو ذلك. معناه أيضاً هي يطلع على سبيل العلماء في تعليل الحديث، كيف يعلل الحديث أبو حاتم، كيف يعلل الحديث الدارقطني. أحياناً يختلفون في التعليل لأجل المصدر الذي عللوه من أجله. مثلا على سبيل المثال: حديث «صلوا علي، إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فصلوا علي فيه». فهذا الحديث رواه الحسين بن علي الجعفي عن عبد الرحمن بن جابر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي. وبعد ذلك اختلف العلماء: هل حسين بن علي روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي؟ أم أنه روى عن رجل آخر يقال له عبد الرحمن بن يزيد وهو شامي أيضاً؟ لأنهم قالوا: أن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر لم يدخل الكوفة، وإنما الذي دخل الكوفة رجل آخر. ولهذا جاءت في رواية الكوفيين عن عبد الرحمن بن يزيد مناكير كثيرة، وخاصة في رواية أبي أسامة. فمنهم من جعل هذا الحكم على أهل الكوفة جميعاً، وهو الإمام أبو زرعة، فقال: أن هذه الرواية ضعيفة. والإمام الدارقطني فرق بين رواية الحسين بن علي وبين رواية أبي أسامة حماد بن أسامة، فقال: أن الذي يروي عن عبد الرحمن بن يزيد الآخر هو أبو أسامة. فلهذا حصل خلاف، فصحح الرواية الدارقطني وضعفها أبو زرعة. فيعرف اختلاف العلماء لماذا حصل هذا التعليل، ومن أين جاءوا بالتعليل. وهكذا. طيب. قال: المبحث الثالث: في نشأة التخريج وتطوره. قال: إن علم التخريج على هذا النسق الذي نراه اليوم لم يكن وليد الصدفة ولا جديد الفكرة، بل كان ناشئاً عن حاجة بدت في أفق التدوين للسنة والاستشهاد بها والتصنيف فيها. وتختلف هذه الحاجة باختلاف الوقت الذي صُنفت فيه علوم السنة والتدوين. وقد بدأت بواكير علم التخريج إبان العصر الذهبي للتدوين وكتابة الحديث النبوي والتأليف فيه وتمييز صحيحه من سقيمه، مما جعل التخريج أخذ المظاهر وأشكالاً شتى حتى استقر على الحالة التي هو عليها في يومنا هذا. معنا هذا التخريج والتصحيح والتضعيف، ومعنا ظهر في ظهور تدوين الحديث، وإن لم يدون أكثر أو كثيراً منه، لكن دون أشياء كثيرة عن الأئمة كأحمد وابن المديني ويحيى بن معين وغيرهم من هؤلاء الأئمة. فيسألهم الطلبة عن بعض الأحاديث فيجيبون بصحته أو بضعفه، وكذلك عن الرجال. فمعنى ذلك أن هذا العلم بدأ في ذلك الوقت. فتجد أن العلماء يعرفون حديث فلان عن فلان، وحديث فلان عن فلان، وهكذا. قال: فالمحدث السابق لا يصير ماهراً في الرواية، عالماً بصحيح الحديث من سقيم، مطلعا على علله، حتى يروي الحديث من وجوه مختلفة وأسانيد متغايرة وروايات متعددة. فالحاجة للتخريج في ذلك العهد موجودة. حتى رواة الحديث تجد بعضهم يتفنن في هذا، خاص الحفاظ الكبار كشعبة والزهري وغيرهم. فتجد أنه يروي الحديث عن عدة من الرواة، فأحيانا يجمعهم، أحياناً يجمعهم في مجلس واحد، يقول: حدثنا فلان وفلان وفلان وفلان. وأحيانا يأتي بواحد فقط. أنا دائماً يفعل هذا شعبة، تجد الحديث الواحد يرويه من خمس طرق، وفي كل مجلس يأتي بواحد فقط. وأحيانا يأتي بهم جميعاً، وأحيانا يأتي بثنين. كيف تعرف هذا؟ تعرف هذا برواية أصحابه. فمن حفاظ أصحابه مثلاً، أحياناً من يروي الحديث من جميع الطرق، من جميع الطرق. وعلى مثلاً شعبة يرويه من طريق العمش، من طريق جامع بن شداد، ومن طريق زبيد اليامي، ومن طريق أبي إسحاق، كلهم مثلاً من حديث عبد الله بن مسعود، أو من حديث علي، عن أحاديث أهل الكوفة. فتجد شعبة ما يجمعهم في حديث واحد غالباً، وإنما مثلاً في مجلس يحدث فيقول: جامع بن شداد، وفي حديث يقول: زبيد، في حديث يقول: الأعمش، في حديث يقول: أبو إسحاق. كيف عرفنا ذلك؟ عرفنا برواية أصحابه. فتجد الحفاظ من أصحابه ممن يلازمه يرويها من كل طريق، وتجد غيرهم يروي طريقاً واحداً. هذا الذي لم يمارس معه، تجد مثلاً يرويه عن شداد أو عن جامع بن شداد، وذاك يرويها عن أبي إسحاق، وهذا يرويها عن الأعمش. لكن لما تجد في رواية يحيى بن سعيد، في رواية محمد بن جعفر، هؤلاء الذين لازموه كثيراً، تجد أنه يرويون كل الطرق. على خمس طرق يرويونها عن شعبة. فهل شعبة واهم؟ لا ما واهم، وإنما عنده الحديث عن هؤلاء كلهم، لكن أحياناً يروي عن اثنين، أحياناً يروي عن واحد، أحياناً يروي عنهم كلهم. وهذا من باب التفنن في الروايات. وأحيانا تجد أنه يحتاج إلى رواية فلان فيها زيادة، مثلاً يحتاجها في هذا الموقف، يذكر رواية هذا الشخص. قال رحمه الله: فالحاجة للتخريج ذلك العهد موجودة، لكن أخذت مظهراً مناسباً لتلك الحقبة من الزمن، حيث كانت عهداً زاهراً لروايات الأحاديث والآثار. قل أن ترى محدثاً لا يحفظ الأحاديث بأسانيدها، فيكفي عند إرادة تخريج حديث ما أن يشار له، لأنه يروى عن فلان وعن فلان من الصحابة أو التابعين. ولا أول من يمكن أن تنسب، أن ننتسب إليه نشأة هذا العلم وتأسيسه، هو الإمام أبو عيسى الترمذي في كتابه الجامع، حيث يقول عقب الأحاديث التي يريدها: «وفي الباب عن فلان وعن فلان». يعني يريد المتابعات. لكن هذا فقط في التصنيف. وأما في كلام الأئمة تجد كثيراً من هذا، تجد مثلاً عن الإمام أحمد، فيقول له فلان: هل تفرد بهذا الحديث؟ يقول: لا، قد رواه فلان، قد رواه فلان. وأحيانا يقول: تفرد به فلان. فهذا لم يتفرد به، أو لم يكن أبو عيسى أول واحد. وكذلك البخاري، وكذلك أبو حاتم، وكذلك أبو زرعة، فلهم شيء من هذا. لكن الترمذي وضعه في كتاب وأكثر منه. قال: فصنيع هذا بالنسبة لذلك الوقت يعد تخريجاً. فالعلماء عندما أخذوا في التأليف في أبواب السنة النبوية وتصنيف العلوم فيها، احتاجوا إلى الاقتصار وعدم التطويل خشية السآمة وقصور الهمم. ولما كانت كتبهم تعد في جانب ما يروى في الباب من روايات مختصرة، كانت الحاجة ماسة إلى الإشارة إلى من رواه من الآخرين. فكان منهج الترمذي هذا يعد تخريجاً. وأيضاً كذلك فعل النسائي في السنن الكبرى. لكن النسائي يسوق الحديث، ما يشير إليك الترمذي. النسائي غالباً يسوق الروايات، بل حتى مسلم، مسلم غالباً يسوق الروايات التي لهذا الحديث التي هي غالباً صحيحة، وأحيانا يذكر بعض الروايات التي فيها ضعف. قال: ونسبنا إليه نشأة هذا العلم مع وجوده في كلام لأئمة سابقين له وفي وقته، لأنه هو الذي التزم به كمنهج اتبعه في كتاب يروى عنه، يعني يقول: أنه نسبنا إليه هذا لأنه ذكره في الكتاب. قال: فكان بزوغ فجر التخريج في اعتبارنا على يديه رحمه الله. قال: من جهة أخرى نرى في ذلك العهد فما بعد اهتمام المحدثين بطلب علو الإسناد، وازداد ذلك بظهور كتب السنة الصحيحة، حتى انبرى أئمة بتصنيف المستخرجات على الصحيحين وحدهما، طلباً لعلو الإسناد، وللاطلاع على ألفاظ مزيدة صحيحة ومفيدة تعين على فهم النص والاستنباط منه، وطلباً لزيادة في قوة الحديث بتعدد طرقه وكثرتها. ولهذا يقال: أن مسلم جعل كتابه كالتخريج للبخاري، أو أنه إضافة. ولهذا لم يذكر البخاري في صحيحه أبداً، مع أنه شيخه وأكثر من لازمه في خراسان وفي غيرها. مسلم أكثر من لازم البخاري، حتى لما تركه الناس في نيسابور كان مسلم ملازماً له. مع ذلك لم يذكره في صحيحه أبداً. لماذا؟ قيل: لعله أفضل الأجوبة. قيل: أنه أراد أن يأتي بأحاديث مثل صحيح البخاري ليست من طريقه، يعني يريد مسلم أن يأتي بنفس الأحاديث أو بقوتها لكن ليس من طريق البخاري، من طريق غيره. وفعلاً وفى بهذا، لكنه لم يذكر هذا، وإنما استنبطها بعض العلم. حتى حتى أنه بعضهم سمى صحيح مسلم مستخرجاً للبخاري. فجاء مسلم بأحاديث نفس حديث البخاري لكنها من طريق أخرى، وجاء بأحاديث نفس صحة روايات البخاري، وجاء بأحاديث أضعف منها يسيراً. قال: فبروز تلك الحاجات في ذلك الوقت أدى إلى ظهور المستخرجات التي تعتبر أيضاً مظهراً من مظاهر التخريج في تلك الحقبة. فقد خرج على البخاري جماعة، ومن أفضلها تخريج الإمام إسماعيل، تخريج الإمام الإسماعيلي على صحيح البخاري، وتخريج أبي عوانة الإسفرايني على صحيح مسلم. قال: كما اهتم غير واحد من العلماء بجمع حديث صحابي وتابعي، وسمي عملهم هذا تخريجاً. مثل مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، تخريج بأمية الترصوص. ومسند عمر بن عبد العزيز رحمه الله، تخريج ابن الباغندي. ومن جانب آخر: تضطر بعض حالات المرتحلين في طلب الحديث إلى الانتقاء على الشيوخ والانتخاب عليهم من حديثهم، بتجنب المعاد من رواياتهم، وخاصة إذا كان المحدث مكثراً وفي الرواية متعسراً، وكان الطالب من الواردين الغرباء الذين لا يمكنهم طول الإقامة والثواء. فيعطونه هذا الاختيارات أو الانتخاب. مثلاً البخاري كان ينتخب على مشايخه، ينتخب معناه يأخذ الأحاديث غير المكررة، وأيضاً الأحاديث التي هي صحيحة لا شك فيها. فمن ذلك مثلاً انتخابه أحاديث إسماعيل بن عبد الله الأويسي، حتى أن الأويسي كان إذا جاءه الناس قال لهم: هذا اختيار محمد بن إسماعيل، فيروون هذا الاختيار، أن يروون هذا الاختيار أو هذا الانتخاب، فيقول لهم: هذا الانتخاب محمد بن إسماعيل، فيروونه. حتى لا لأنهم جاءوا في وقت معين يأخذون أياماً ويرحلون، فلهذا يعطيهم الانتخاب. قال: وخاصة أن الأويسي كان في المدينة، والمدينة الوارد عليها كثير. قال: ومن جانب آخر تضطر بعض حالات المرتحلين في طلب الحديث... طيب. قال: وكان الطالب من الواردين الغرباء الذين لا يمكنهم طول الإقامة والثواء. عندها يقصد إلى تخير الأسانيد العالية والطرق الواضحة والأحاديث الصحيحة والروايات المستقيمة، كي لا يذهب وقته في الترهات، ومن تتبع لباطيل الموضوعات، وتطلب الغرائب والمنكرات. قال: قال: فكان هذا مظهراً من مظاهر التخريج ألجأت إليه الحاجة في ذلك الوقت، وهو الانتخاب على الشيوخ وتخريج الأفراد والغرائب والحسان. وقد انتخب كثير كما قلنا من العلماء، خاصة الحفاظ الكبار كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم من هؤلاء. لأما كان ينتخبون على مشايخهم. قال: كل أولئك كان من مظاهر التخريج في القرنين الثاني والثالث. أنا أريد ساعة وأشكال، أدنس، أستغفر الله. قال: مع استمرارها إلى القرنين الرابع والخامس. ومن أبرز الذين حفظ لنا التاريخ في القرن الرابع الهجري أنهم صنفوا في تخريج الأفراد والغرائب الحسان: الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، ألف كتاب الأفراد، ورتبه على أطراف. الإمام محمد بن طاهر المقدسي. قال: وليس معنى ذلك أنه أولهم، بل قد سبق إلى ذلك بصنيع الأئمة كأحمد بن حنبل وابن معين وعلي بن المديني وابن أبي شيبة وغيرهم، يعني ينتخبون على شيوخهم. ولكن باعتبار أنه صنف فيه ورويت عنه هذه المصنفات، كان هو فارس ميدانها وصاحب رهانها. ونذكر له على سبيل المثال: تخريج حديثه بإسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المتزكي النيسابوري عن شيوخه، على هذا من مشايخه، خرج حديثه على... خرج الأشياء الصحيحة أو التي انفرد بها. قال: تخريج الفوائد المنتخبة، أبي بكر محمد بن عبيد الله الكاتب الكوفي، وله غير ذلك تحت اسم الفوائد المنتخبة. ومن ألف في تخريج الأفراد الحسان والفوائد المنتخبة في القرن الخامس الهجري: الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الذي أثر المكتب الإسلامي بمصنفاته. فنجد من بين ما حفظ لنا منها نحو من تسع كتب في تخريج الفوائد الحسان، مثل: جزء في حديث مالك بن أنس، عوالي تخريج أبي بكر الخطيب عن العوالي التي رواها أبو بكر الخطيب عن مالك. قال: الفوائد المنتخبة الصحاح العوالي، تخريج الخطيب لجعفر بن أحمد بن الحسين السراج القارئ، وقد طبع له الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب المهروانيات، مصرحاً بأنه تخريجه رحمه الله. وهو يعد مثالاً لما كان عليه التخريج في عصره، حيث يورد الرواية ثم يعلق عليها بذكر درجة الحديث، ومن أخرجه من الشيخين البخاري ومسلم، وإن كان غريباً بين ذلك، وإن كانت فيه علة خفية أظهرها، إلى غير ذلك. كما تضيف لنا كتب التراث اسم علم من أعلام السنة في القرن الخامس الهجري ألف في التخريج، هو البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، حيث ذكر له بروكلمان... بروكلمان هذا باحث مستشرق، أنا من المستشرقين، وهؤلاء هم ليسوا من المسلمين، وإنما فعلوا ذلك لأجل أن يحصروا ما كان مع المسلمين حتى يتسنى لهم أن ينتقدوه. لكن فعلوا أشياء كانت نفعاً لأهل الإسلام، مثل المعجم الفهرس، هذا هم اللفظ. وكذلك أيضاً المخطوطات الكثيرة التي أخذها بروكلمان وحطها في المكاتب العالمية، كمكتبة الألمانية وغيرها. قال: حيث ذكر له بروكلمان كتاباً باسم تخريج حديث الأم، لكنه على طريقة المستخرجات، لأن كتاب الأم للشافعي حديث ومسند، وتخريجها في ذلك الوقت يكون كالمستخرج عليها. ولعل هذا الكتاب الذي ذكره هو السنن والآثار، لأن السنن والآثار أو معرفة السنن والآثار، البيهقي حاول أن يخرج أحاديث الأم، أنا أكثر لحديث التي في السنن والآثار هي موجودة في كتاب الأم للشافعي. قال: أما التخريج كما وصلنا اليوم، اشتهرت مصنفاته بيننا، فإن المحاولات في التأليف كانت بدايتها في القرن السادس الهجري. ومن أوائل تلك المحاولات ما ذكر عن أبي بكر محمد بن موسى الحازم، أنه أسند حديث كتاب المهذب لأبي إسحاق بن علي الشيرازي، المهذب الذي شرحه النووي في المجموع، فالحازم خرج حديثه، أسندها بأسانيدها. قال: لكنه لم يتمه. سماه الكتاني في رسالته تخريجاً. قال: أولاً لا نجد فيما بين أيدينا من مصادر ذكراً بعد ذلك لكتب التخريج حتى القرن الثامن الهجري، الذي يعد بحق عصر انتشار علم التخريج والتصنيف فيه. فممن ألف في هذا القرن نذكرهم مرتبة وفقاً لتقدم الوفاة: شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، له تخريج أحاديث مختصر كبير لابن حاجب، وله أيضاً التعليقة على علل ابن أبي حاتم. جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف محمد الزيلعي، وهو الحنفي صاحب نصب الراية، له نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية، وتخريج الأحاديث والآثار الواردة في تفسير الكشاف. بدر الدين محمد بن رافع بن جماعة، له تخريج أحاديث الشرح الكبير للرافعي. عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، له تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر بن الحاجب. محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن محمد القرشي، له العناية بتخريج أحاديث الهداية. بدر الدين أبو عبد الله بن بهادر الزركشي، له الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز، وهو الشرح الكبير للرافعي، والمعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر. معنى منهاج الطالبين أو المنهاج، قد يكون منهاج الطالبين، لكن ليس فيه كثير من الأحاديث. قال: ممن اشتهر بالتصنيف في القرن التاسع الهجري: صدر الدين محمد إبراهيم المناوي، له المناهج والتنقيات في تخريج أحاديث المصابيح. سراج الدين عمر بن علي بن الملقن، له البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير، وهو من أحسن كتب التخريج. وخلاصة البدر المنير، مختصر الذي قبله. وتحفة المحتاج إلى حديث المهذب لأبي إسحاق الشيرازي. وتذكرة الأخيار مما في الوسيط من الأخبار، الوسيط للغزالي. زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، تخريج أحاديث الإحياء للغزالي، والمغني عن حمل الأسفار في الأسفار، مختصر الذي قبله عن المغني. كما قلنا: وسط صحيح أنه ألف ثلاث مؤلفات، أولاً تخريج أحاديث الإحياء الذي هو الكبير، ثم المغني عن حمل الأسفار، ثم بعد ذلك اختصره أيضاً في مختصر. عز الدين محمد بن عبد العزيز بن جماعة، له تخريج أحاديث الشرح الكبير، الكبير للرافعي. أنا هذا ابن جماعة وتقدم أيضاً بدر الدين بن جماعة، ذاك أقدم، ذاك توفي سنة سبعمائة وسبعة وستين، وهذا ثمانمائة وتسعة عشر، لكن كلاهما يقال له ابن جماعة. قال: وهذا من عز الدين بن جماعة من مشايخ الحافظ ابن حجر، وذاك متقدم. شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي، الشهير بابن حجر العسقلاني، له التلخيص الحبير، اختصر فيه البدر المنير. والكافي الشافي، تخريج أحاديث الكشاف، اختصر فيه تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي. والدراية في تخريج أحاديث الهداية، اختصر فيه نصب الراية، وهو مجلد واحد. ونتائج الأفكار بتخريج أحاديث الأذكار، ولم يتمه. وموافقة الخبر، تخريج أحاديث المختصر الكبير لابن الحاجب. وأيضاً له تخريجات كثيرة، ليست هذه فقط. وأيضاً ألف كما ألف شيخه الهيثمي في مجمع الزوائد، وهي أيضاً تعتبر من التخريج. وألف المطالب العالية، المطالب العالية في المسانيد الثمانية. وألف كذلك الخيرة في المسانيد العشرة. وألف أيضاً تلميذه البصيري، ألف أيضاً في العشرة. قال: وزين الدين قاسم بن قطلوبغا الجمالي، له الاختيار لتعليل المختار، تخريج المختار في الفقه الحنفي، وتخريج حديث تفسير بالليث السمرقندي، وتحفة الأحيائي بما فات من تخاريج الإحياء، وتخريج حديث عوارف المعارف للسهروردي. ورد أن اختار هذه الكتب وأكثرها موضوعات تخريج حديث كنز الوصول إلى معرفة الوصول للبزدوي. وممن اشتهر بالتصنيف في القرن العاشر الهجري: محمد بن عبد الرحمن السخاوي، له تخريج أحاديث الحلية لأبي نعيم، وتخريج الأربعين السلمية في التصوف. جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر محمد السيوطي، له تخريج العناية في تخريج الكفاية، الكفاية للسهيلي، وتخريج حديث شرح السعد أو شرح السعد، وتخريج... أو هذه في الأصول، تخريج حديث شرح العقائد النسفية، وهذا من عقائد الحنفية، وتخريج حديث شرح المواقف في الكلام، في الكلام، المواقف هذا الإيجي. وتخريج حديث الموطأ، والعناية في تخريج أحاديث الهداية، وفلق الصباح في تخريج أحاديث الصحاح، ومناهل الصفا في تخريج الشفاء، معنى للقاضعي، ونشر العبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير، لعله اختصر التلخيص. وكثيراً السخاوي ما يختصر كتب الحافظ ابن حجر. قالوا: من صنف في القرن الحادي عشر الهجري: الإمام المناوي، عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي الحداد. فهذا مع علمه وكثرة اطلاعه وتمكنه، إلا أنه ابتلي بما يسمونه بعلم الحقيقة، وكان يشيد بابن عربي، حتى في كتبه التي يشرح فيها تجد مثلاً في فيض القدير يذكر بعض العبارات لابن عربي ويثني عليها ويسميه العارف الكبير. وهذا ابتلاء، معناه هذا رجل علمه بهذا... بهذا، حتى أن له اليواقيت والدرر التي ألفها على نخبة الفكر، كتاب عظيم وجميل، لكن سبحان الله تجد أنه يؤمن بهذه الخرافات، بل ويذكر كلامه، وفيه أيضاً عظائم. قال: الفتح السماوي بتخريج أحاديث القاضي البيضاوي. وأيضاً عبد القادر البغدادي، تخريج لأحاديث الآثار التي وردت في شرح الكفاية في النحو، وتخريج لأحاديث الواقع في التحفة الوردية. وممن صنف في القرن الثاني عشر الهجري: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن حسن بن همام، له تحفة الرأي في تخريج أحاديث البيضاوي، والتنكيت والإفادة في تخريج أحاديث سفر السعادة. هذا، وقد أخذ التخريج في أيامنا أهمية كبيرة، حيث يحتاج إليه طالب العلم المتخصص، المتخصصون في علوم الشريعة. فكانت العناية فيها على وجهين: الأول: تخريج وتحقيق كتب التخاريج السابقة، والعناية بنشرها، مثل تحقيق كتاب البدر المنير للبن الملقن، ونتائج الأفكار لابن حجر، ونحوها. الثاني: القيام بتخريج بعض الكتب الحديثية المتقدمة والتي يحتاج إليها طلاب العلم، وليس فيها ذكر لعزو الحديث والحكم عليه، مثل تخريج الأحاديث والآثار الواردة في كتاب الأموال لأبي عبيد، تخريج حديث المدونة المروية عن مالك، ونحوها. وكتب التخريج كثيرة جداً، وخاصة في زماننا هذا، ما يخرج الكتاب إلا وهو مخرج، إما مخرج عزو مجرد، أو تخريج مع تحقيق. وجزى الله خيراً الشيخ الألباني رحمة الله عليه، فقد أثرى المكتبة الإسلامية بتخريجات كثيرة، وألف بعد ذلك أيضاً الصحيحة والضعيفة. طيب. قال: المبحث الرابع: في إجمال طرق تخريج الأحاديث والآثار. قال: عند النظر، عند النظر في الحديث أو الأثر لا نجد بينهما فرقاً في أحوال التخريج، إذ كل منهما نص حديثي يراد تخريجه. هنا الآن كأنه يفرق بين الحديث، والمراد به عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأثر ما كان عن الصحابة والتابعين. قالوا: هذا النص له أحوال كثيرة، منها: قد يكون طرفاً من حديث أو أثر، من أوله أو وسطه أو آخره. قد يكون مروياً بالمعنى، يحتمل حديثاً أو أكثر. قد يذكر معه سنده أو لا يذكر، أو يذكر بعض سنده. قال: قد يذكر المتن كاملاً بغير سند، مع ذكر مخرجه مبهماً، كقولنا بعد رواية حديث: رواه مسلم، أو رواه البيهقي، دون ذكر لموضع الإخراج، أنا في أي كتاب رواه. قالوا: بالتأمل في هذه الأحوال، وفي أيسر السبل وأصحها التي يجب اتباعها عند التخريج، مع الأخذ في الاعتبار بأن النص الحديثي مكون من سند ومتن، ويمكن أن ننظر إلى المتن من جهة لفظه، ومن جهة موضوعه العلمي، أو ننظر إلى الحديث من جهة حاله سنداً أو متناً. إلى جانب ما تقدمه البرمجيات الحاسوبية من خدمة البحث في المكتبات الإلكترونية، ظهر لنا أنه يمكن إرجاع طرق التخريج إلى سبل خمسة، وهي: تخريج الحديث من طريق النظر إلى الإسناد أو طرف منه. تخريجه من طريق النظر إلى ألفاظ المتن. تخريجه من طريق النظر إلى موضوعه ومعناه. المراد منه أن هذا يكون التخريج من هذه الأمور. تخريجه بالنظر إلى حاله عموماً، سنداً ومتناً، أنه ينظر إلى سنده ومتنه فيخرجه من الكتب. تخريجه بطريق الاستعلام اللفظي باستخدام الحاسوب، باستخدام الحاسوب، أو باستخدام المعجم الفهرس. فالمعجم الفهرس أيضاً يخرج على الألفاظ، يؤخذ اللفظ الغريب في الحديث أو العزيز، يعني الذي لا يكون كثيراً في الألفاظ، فيأخذ ويبحث عنه في المعجم الفهرس بالأحرف، فيجد ذلك الحديث. قالوا: هذا لا يعني تفصيلنا وتمييزنا لهذه الطرائق أن كل واحدة منها يمكن أن تحقق لنا بذاتها الاستقراء التام لتخريج الحديث أو الأثر، بل قد يجمع الباحث كل هذه الطرق، وقد يكتفي ببعضها ولا يحتاج إلى بعضها الآخر. وتبرز هنا شخصية الباحث العلمية في انتقاء الطرق أيسرها وأوضحها في تخريج حديث ما. أنا قد يستعمل هذه الطرق كلها لأجل أن الحديث يحتاج إلى بحث أكثر. قال: ثم إن أي عمل علمي يكون له مشكلاته التي تواجه البحث، سواء بادئ ذي بدء من عمله أو في أثناءه، وتختلف المشكلات صعوبة وسهولة باختلاف الجانب الذي يطرق منه البحث، وباختلاف إمكانية الباحث نفسه وقدراته. أنا بعضهم تجد أنه سريع في البحث، أنا ممكن أن يؤلف رسالة في ليلة واحدة مع البحث عن طرق الحديث وكذا، ممكن يخرج حديث تخريجاً كاملاً في ليلة واحدة أو في ساعة، وهذا يحصل. وبعض الناس يسده يتأخر، وهذا بحسب اطلاع الشخص وأيضاً سرعة بحثه. قال: وإن الكلام عن المشكلات التي تواجه الباحث في علم التخريج لا تقل أهمية عن تلك المشكلات في البحث النظري الأخرى والتي تعترض الباحثين، إذ أن المشكلة قد تكون في بادئ أمرها ومنذ اللحظة الأولى في النص الماثل بين يديه والمراد تخريجه، وقد تكون معترضة في أثناء التخريج. من ذلك: كون الحديث بالمعنى وليس باللفظ، أو من وسطه أو آخره. وقد يكون اعتراه تصحيف أو تحريف. أحياناً حتى في مثلاً البحث في الحاسوب، كمبيوتر، أو في الجوال، تجد أن الكلمة مغيرة، وأنت تبحث على هذه الكلمة أو على بعض الكلمات، والكلمة في الحديث أو في هذا الحديث التي تبحث عنها فيها تحريف، فلا تجدها، أو أن نص الحديث معك غير النص الموجود في الحديث، فلهذا أحياناً الإنسان يبحث يبحث ولا يجد هذا الحديث. قال: من ذلك: كون الحديث بالمعنى وليس باللفظ، أو من وسطه أو آخره، وقد يكون اعتراه تصحيف أو تحريف. وفي أثناء البحث تواجهه مشكلة عدم وجود الحديث في المكان المحال عليه، أو كانت الإحالة مبهمة. فعلى الباحث أن يقيم جميع الاحتمالات في اعتباره عند إرادة تخريج نص حديثي، من تصحيف أو تقديم أو تأخير في ألفاظ المتن، أو إبهام في أسماء الرواة، أو خطأ في الإحالة، وغير ذلك. وأن لا يستعجل في إصدار أحكامه على النص، بل لا بد من التروي وحل المشكلات واحدة فواحدة حتى يستكمل التخريج، والله ولي التوفيق. طيب، هذا إن شاء الله نكتب به ونكمل في درس اللاحقة.