الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الشرك الأصغر هو ما يخدش في الاعتقاد دون أن يخرج من الإسلام، والرياء هو أداء الأعمال لله مع رغبة في إعجاب الناس. الرياء يشمل السمعة والرغبة في ثناء الناس.
الرياء نوعان: رياء المنافقين ورياء المؤمنين، ويمكن أن يحبط الأعمال ويعتبر من الكبائر العظيمة. الرياء يؤثر على صحة الأعمال ويجعلها غير مقبولة عند الله.
الحلف بغير الله يعتبر شركًا، إما أكبر أو أصغر حسب نية الحالف وتعظيمه لغير الله. النبي نهى عن الحلف بغير الله وأمر بالحلف بالله أو الصمت.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال: والثاني شرك أصغر وهو الرياء، فسره به ختام الأنبياء. ومنه أقسام بغير الباري، كما أتى في محكم الأخبار. طيب، كما تقدم أن الشرك نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر. ذكرنا كلام العلماء في ذلك. والشرك الأصغر هو أنواع، ليس هو الرياء فقط. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء في الحديث -حديث عبد الرحمن بن الشبل وغيره- "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: "الرياء". لهذا قال المؤلف هنا: والثاني شرك أصغر وهو الرياء، فسره به ختام الأنبياء. وعلى كل حال، جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سماه الرياء. وإلا، كما قلنا، هناك أعمال أخرى تدخل في هذا. والأصل أن الشرك الأصغر هو ما خدش في الاعتقاد ما لم يدل على خروج العبد من الإسلام. كل ما خدش في الإسلام -أقصد خدش في الاعتقاد- ما لم يخرج العبد عن الإسلام، ما دام أنه لا يخرجه عن الإسلام، فهو يعتبر شرك أصغر. مثل شرك الألفاظ. الشرك في الألفاظ، مثل قول: "الله وفلان". أقصد مثلًا تقول: "لولا الله وفلان". مثل ما قال ابن عباس عند قول الله عز وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، قال: يقول: "لولا البط لأتانا الطعام"، "لولا الكلب لفعل كذا". المهم يجعل ينسب النعمة إلى غير مسديها. ينسب النعمة إلى غير مسديها. والرياء من ذلك؛ أنه يتزين بعمله إلى غير الله جل وعلا. يتزين بعمله إلى غير الله. هو ما يصرف العمل لغير الله، لكن يتزين به؛ لأنه لو صرفه لغير الله كان شركًا أكبر. لكن لما تزين به صار شركًا أصغر، وهو الرياء. والرياء مأخوذ من المراءة، معناه يفعل شيئًا يجعل الناس يرونه أو يراعي الناس في رؤيته، فيزين العمل لأجل أن يراه فلان. هذا الرياء. ويدخل فيه السمعة؛ وهو أن يريد ثناء الناس، فيفتخر أو يتفاخر بأعماله. يقول: "فعلت كذا وفعلت كذا"، يريد أن يتفاخر عند الناس بأعماله. فالرياء ينقسم إلى قسمين: رياء أكبر، ويحمل إلى النفاق والكفر، وهو رياء المنافقين. يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا. ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. والفرق بين رياء المنافق ورياء المسلم: أن رياء المنافق أصل أعماله رياء. أصل أعماله يفعلها رياء؛ أنه يفعل الفعل ليس لأجل الله، يفعل الفعل ليس لأجل الله وإنما لأجل أن يراه الناس. أنه يفعل معه ما يصلي لله، ولا يصوم لله، ولا يفعل الأفعال لله عز وجل، فقط يريد أن يراه الناس. وأيضًا الصدقة يتصدق لأجل أن يراه الناس. ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، معنى كيف يتصدق وهو لا يؤمن أصلًا؟ لكن يتصدق لأجل أن يغر الناس أنه مؤمن مثلهم. ولأن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، يظهر الإيمان ويبطن الكفر. فلهذا فالمنافق عنده أعمال، لكن أعماله يفعلها رياء. وأما المؤمن، فهو يفعل الفعل لله، يفعل الفعل لله، لكن قد يفعله أو يزينه أو يطرأ عليه الرياء. هذا غالبًا. وإلا، من ابتدأ الفعل رياء، فهذا يعتبر من رياء المنافقين. لكن لا يعتبر الشخص منافقًا، لكن رياء هو رياء المنافقين. يصلي لأجل فلان، يتصدق لأجل أن يراه الناس، فهذا فعل المنافقين. لكن المؤمن ممكن أنه يتصدق أصلًا يريد الصدقة، لكن أيضًا يفرح عندما يراه الناس فيظهر هذه الصدقة أحيانًا. لكن أن يحمد، يقال: "فلان دفع كذا" أو "فلان دفع كذا"، فهذا غالبًا يدخل فيه الرياء، لكن ليس كرياء المنافقين. فالرياء كما قلنا يقسم إلى قسمين: رياء المنافقين، ورياء أهل الإيمان. معنى أهل الإسلام عندهم رياء، لكن غالبًا هذا الرياء لا يكون من أصل العمل. فإذا كان في أصل العمل يكون رياء منافقين. إذا كان رياء في أصل العمل يكون رياء منافقين. والرياء هذا من أخطر الأمور التي تبطل العمل. الرياء من أخطر الأمور التي تبطل العمل. وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: قال الله عز وجل: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه". وأيضًا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: قارئ القرآن، والمتصدق، والمجاهد، الذين يراؤون في هذه الأعمال. فيقول الله عز وجل لقارئ القرآن: "قد علمتك القرآن، فماذا فعلت؟" قال: "قرأته فيك وقرأته وقمت به آناء الليل وأطراف النهار" أو كما يقال. فقال: "لا، كذبت. إنما قرأت ليقال: قارئ. فقد قيل". وهكذا المتصدق والمجاهد. فدل على أن الرياء يحبط الأعمال، وأنه أيضًا من الكبائر العظيمة التي يحاسب بها العبد يوم القيامة. بل هو أول من يحاسب. وأول من تسعر بهم النار. وهل هم قبل الكفار تسعر بهم النار قبل الكفار؟ كما جاء في ذلك الشعر أنه قال: "معذب قبل عباد الصنم". أو قبل عباد الصنم. فالذي يرائي بعضهم ذكر أنه تسعر به النار قبل الكفار. لكن جاء حديث في هذا، لكنه لا يصح. لكن الحديث: "أول من تسعر بهم النار ثلاثة"، هل مراد بهم قبل الكفار أم لا؟ فهذا لم يأت فيه شيء صريحًا يدل عليه. ولهذا اختلف العلماء. فمنهم من قال: أن هذا خاص بالمسلمين، من كان مسلمًا منهم، فأول من تسعر بهم النار الذين يعذبون هؤلاء، وليس المراد المقصود به حتى الكفار. وقيل: على ظاهره؛ أنه حتى الكفار، فأول من تسعر بهم النار هؤلاء ثلاثة. قالوا: ومنه أقسام بغير الباري، كما أتى في محكم الأخبار. بأن الإقسام بغير الباري -الحلف بغير الله- أيضًا جاء أنه شرك، في حديث سعد بن عبيد عن عبد الله بن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك". وفي هذا الحديث فيه شيء من الضعف؛ لأن فيه سقطًا. لكن جاء ما يشهد له من حديث سالم عن أبيه، أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من حلف بغير الله"، فقال فيه قولًا شديدًا لم يذكره سالم. لكن القول الشديد هذا: "فقد أشرك". فدل على أن الحلف بغير الله شرك. لكن هل هو شرك أكبر أم أصغر؟ فهذا بحسب الحالف. إن كان الحالف هذا يحلف بغير الله تعظيمًا له كتعظيم الله، فهذا شرك أكبر. إن كان ليس تعظيمه كتعظيم الله، وإنما من باب الإجلال والاحترام، فهذا شرك أصغر. وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب يحلف بأبيه، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد. فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". فالحالف بغير الله يعتبر شركًا. والتفصيل فيه مثل ما ذكرنا. فلا يجوز أن يقال مثلًا: "والكعبة والنبي ودين الإسلام" أو "دين ربي" أو كذا. هذا كله لا يجوز أن يحلف بغير الله عز وجل. "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". ومن أعظم الشرك الذي يخرج العبد: أنه يحلف أو يقال له: "احلف بالولي الفلاني". لا يحلف. ويقال له: "احلف بالله" فيحلف. لماذا لم يحلف بالولي الفلاني؟ ليس لأجل أنه يرى أن هذا حرام، وإنما لأجل أنه يخاف أن يضره هذا الولي الفلاني. وهذا عقيدة الذي يسميه العلماء: خوف السر. عقيدة تجدها في كثير من المشركين من العوام. وكذلك أيضًا حتى في كثير من هؤلاء من الشيعة والمتصوفة، تجد فيهم هذا الاعتقاد. قد يقال لواحد منهم: "احلف بالولي الفلاني"، ما سيحلف. ليس لأنه يقول حرام، لا. هو يحلف مثلًا بأمه، يحلف بالكعبة، يحلف بكذا. لكن لو قيل له: "احلف بالولي الفلاني"، ما سيحلف. لكن لو قيل له: "احلف بالله" سيحلف ولا يبالي. لكن الحلف بالولي عنده كبيرة وعظيمة، يخاف أنه لو كذب أو لو حصل شيء في الحلف أنه يضره هذا الولي، أنه يضره هذا الولي ويقوم عليه ويفعل كذا وكذا. فلهذا فهم لا يحلفون. وهذا يعتبر شركًا أكبر؛ لأنه اعتقد في غير الله عز وجل أنه ينفع ويضر. فالحلف بغير الله كما قلنا: إما أن يكون شركًا أكبر أو شركًا أصغر. والله تعالى أعلم.