الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ الدورة الدراسية بتفسير سورة الفتح من تفسير الإمام السعدي، مبينًا فضلها العظيم حيث وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أحب إليه من الدنيا وما فيها، وأنها سُميت بسورة الفتح فقط دون غيرها من الأسماء، مع توضيح سبب نزولها بعد صلح الحديبية تسلية للنبي وأصحابه وبشارة بغفران ذنوبه.
يتناول المقطع قصة صلح الحديبية وكيف اعتبره الصحابة والسلف فتحًا مبينًا كما بشرت به سورة الفتح، مبينًا أن الفتح لا يشترط فيه النصر العسكري بل قد يكون صلحًا يفتح باب دخول الناس في الإسلام أفواجًا، وقد كان مقدمة لفتح خيبر ومكة.
يفسر المقطع أن الفتح المذكور في سورة الفتح هو مقدمة لفتوحات قادمة كفتح خيبر ومكة، وأن صلح الحديبية كان فتحاً دعوياً توسعت به الدعوة، مع ذكر بيعة الرضوان وبشارة دخول المسجد الحرام، وسياق نزول السورة بعد رجوع النبي من الحديبية.
يبدأ المتحدث جلسة التفسير بقراءة تفسير الإمام السعدي رحمه الله، ويسأل الله التوفيق لكل خير وأن ينفعهم بما علمهم ويعلمهم ما ينفعهم، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لهذا الخير، وأن يجعله لنا ذخرًا يوم القيامة وأجرًا. أيها الإخوة، إن شاء الله تعالى نبدأ في دروسنا لهذه الدورة، وكما قد علمتم أن أول درس يبدأ بعد صلاة الفجر في تفسير سورة الفتح من تفسير الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى. وهذه السورة العظيمة التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: «هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس»، وجاء في خارج الصحيح قال: «هي أحب إلي من الدنيا وما فيها». فهي سورة عظيمة، سماها الصحابة سورة الفتح، ولم يأتِ عنهم تسمية أخرى لهذه السورة. غالبًا السور في القرآن تجد لها تسميات؛ لأن التسمية هذه غالبًا ليس النبي عليه الصلاة والسلام يسميها، وإنما غالب التسميات للسور تكون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لهذا تجد السورة الواحدة لها عدة أسماء، لكن تشتهر باسم من هذه الأسماء. لكن الفتح ليس لها اسم إلا سورة الفتح، سُميت سورة الفتح. وقد أنزلها الله عز وجل على نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام من مقفله ومرجعه من الحديبية، بعدما رجع وعقد الصلح مع قريش في الحديبية. فهو عندما خرج من الحديبية وبلغ كراع الغميم، وقيل أنه بطن جنان، وهي مناطق قريبة من مكة، فأنزل الله عز وجل هذه السورة. وإنزال الله عز وجل هذه السورة في ذلك الوقت هي تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه مما أصابهم في صد قريش لهم عن بيت الله الحرام وعن الاعتمار. معلوم أن قريشًا صدت النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أن يعتمروا في تلك السنة، وهي السنة السادسة على الصحيح. وقال الله عز وجل: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، أيضًا صدوا هذا الهدي أن يبلغ محله وهي مكة. فحصل للصحابة رضي الله عنهم وأصابهم ما أصابهم من ذلك الصلح الذي فيه بعض الشروط التي جعلت كثيرًا من الصحابة يغتم بها. لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان صلوات الله وسلامه عليه يطيع ربه جل وعلا وينفذ ما أمره الله سبحانه وتعالى. لهذا بشر الله عز وجل نبيه الكريم في هذه السورة بأنه قد غفر له ذنبه ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذا أول سورة يعلم بها النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل جعله مغفورًا له ذنوبه التي قد تقدمت والتي ستأتي، قد غفرها الله عز وجل له. ولهذا استبشر نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه السورة استبشارًا عظيمًا. في البخاري عن زيد بن أسلم أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحديبية، وقال عمر: وكنت عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسألته عن شيء فلم يجبني، قال: ثم سألته عن شيء فلم يجبني، قال: ثم سألته مرة ثالثة فلم يجبني. فقلت: ثكلتك أمك يا عمر، نازعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثلاثًا فلم يجبك، فخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فحركت بعيري وتقدمت مع الجيش. قال: فسمعت صائحًا يصيح إلي: يا عمر، أجب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما جئت إلى النبي عليه الصلاة والسلام رأيته مستبشرًا، فقال: «لقد أنزلت علي الليلة» - لأنها نزلت في الليل - «لقد نزلت علي الليلة سورة أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس». وهذه سورة ضمنها الله عز وجل أولًا البشرى العظيمة بالفتح، البشرى للمسلمين بالفتح بعد أن صدوا عن بيت الله الحرام. فبشرهم الله عز وجل بالفتح، وهذا الفتح الذي قد وعدهم الله عز وجل به ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن لم يذكر لهم متى سيكون هذا الفتح. فلما حصلت هذه الأحداث في صلح الحديبية وصد الصحابة رضي الله عنهم عن بيت الله الحرام، وعقد ذلك الصلح بينهم على أن توضع الحرب عشر سنين بين المسلمين وقريش، حصل بذلك الصلح فتح عظيم. ولهذا جاء في البخاري عن البراء قال: «إن كنتم تعدون الفتح فتح مكة، فإنه لفتح، ولكن كنا نعد صلح الحديبية فتحًا». وقال جابر أيضًا نحو هذا الكلام. معنا: عد الصحابة رضي الله عنهم الفتح، وفتح مكة، فتح الحديبية، جعلوا الصلح فتحًا للمسلمين. ولهذا كما سيأتي معنا أن كثيرًا من السلف ومن المفسرين ذكروا في هذه السورة أن الفتح الذي ذكره الله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]، هو صلح الحديبية، هو صلح الحديبية. معنا: سماه الله عز وجل فتحًا، وهم لم يفتحوا شيئًا من البلاد؛ لأن الفتح المراد به دخول البلاد وفتحها بعد أن كانت مغلقة. وقد يكون مع نصر، وقد يكون بدون نصر، وقد يكون نصرًا على الأعداء، وقد يكون أيضًا بدون نصر إما بالصلح، وإما أنه يدخل ويخرج، يخرجونه أهل هذه البلد، يعني يكون فتحًا لكنه ليس بنصر. معنا: لا يلزم الفتح أن يكون فيه نصر. ولهذا هذا الفتح ذكر الله عز وجل أنه فيه نصر، فتح ونصر، وجاء بعده فتح خيبر، جاء بعد ذلك الفتح، فتح خيبر، ثم فتح مكة. فهذا الفتح لا يشترط أن يكون معه نصر، وإنما الفتح هو دخول إلى مكان كان مغلق فيفتح. وهنا قصد في الفتح إما فتح خيبر وإما فتح مكة أو كلاهما. فهذا سورة عظيمة بشرت الصحابة رضي الله عنهم بأن هناك فتحًا عظيمًا سيكون بعد هذا الصلح. وفعلا لما حصل الصلح بين المسلمين وقريش، جاءت أسلم، كثير من العرب، وكثير من المناطق، وكثير من أهل البلدان، أسلموا ودخلوا دين الله أفواجًا، وجاءوا إلى المدينة. حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة في فتحه، في فتحها، بعشرة آلاف مقاتل. أن اجتمع هؤلاء بالنبي عليه الصلاة والسلام بعد صلح الحديبية، فكان لهم فتح أو مقدمة الفتح. ولهذا قال العلماء: أن قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، إما أن يكون كما قال كثير من الصحابة أنه فتح صلح الحديبية، فهو فتح معجل. معنا: هذا الفتح، وإن كان المراد أن هذا مقدمة الفتح، وإنما الفتح سيأتي، وقد بشر الله عز وجل نبيه أنه قد فتح له، فهو من باب ذكر ما استقبل بالماضي، أنا شيء استقبل يذكره الله عز وجل كأنه قد وقع. مثل قول الله جل وعلا: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فقال: أتى أمر الله، أي يوم القيامة، وهو لم يقع بعد، لكن لوقوعه ولا شك فيه جعله الله عز وجل كأنه قد وقع: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ولهذا هنا الفتح ذكره الله عز وجل بهذه الصيغة، وفتح مكة لم يقع بعد لأنه فتح محقق ولا ريب فيه، لأنه من الله الذي يعلم، الذي هو علام الغيوب سبحانه وتعالى. لهذا جزم الله عز وجل به. أيضًا في السورة مما يدل على أن هذا الفتح إنما هو مقدمة لفتح آخر، إما أنه فتح خيبر؛ لأن الله عز وجل ذكر أن من تخلف عن فتح الحديبية أو صلحه، فإنه سيأتي قوم سيقاتلونهم، أهل أهل الإسلام، فجعل الله عز وجل من قاتل وحضر هذا القتال يغفر له ما قد تأخر عن الفتح. لأن كثيرًا من العرب تأخروا ولم يأتوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في فتح مكة. أيضًا مما حصل في فتح أو في صلح الحديبية بيعة الرضوان، التي أيضًا سماها جابر بن عبد الله أنها فتح، أنها فتح، أي بيعة الرضوان. وأن الصحابة رضي الله عنهم افتدوا بأنفسهم في سبيل الله جل وعلا، وأنهم لا يفروا أبدًا إن حصل قتال بينهم وبين قريش. فهذه البشائر العظيمة التي بشر بها أصحاب رسول الله، التي بشر الله عز وجل بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذه البشائر العظيمة التي ساقها الله عز وجل لهم، وأنهم أيضًا من هذه البشائر أنهم سيدخلون بيت الله الحرام: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧]، فعلم ما لم تعلموا، وجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا. فتبين من ذلك أن صلح الحديبية كان فتحًا للمسلمين لدعوتهم، فتحًا بسبب توسع دعوتهم، ثم مآل ذلك إلى الفتح العظيم، فتح خيبر، ثم الفتح الأعظم هو فتح مكة. لهذا كانت توالت هذه الفتوحات العظيمة بعد ذلك الصلح. ومن ثم أن الله عز وجل ذكر الذين تخلفوا وذمهم، أيضًا بعد ذلك جعل لهم سبيلًا إلى أن يتلافوا ذلك الذي حصل منهم، فيغفر الله عز وجل لهم ذنوبهم إن حضروا مع المسلمين بعد ذلك. فهذا كما قلنا هذه السورة نزلت في ذلك المكان بعد رجوع النبي عليه الصلاة والسلام من الحديبية، وحصل الاستبشار بعد أن كانوا قد كظموا، وحصل لهم شيء من الغضاضة في قلوبهم. حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أمرهم أن يحلقوا وأن يذبحوا ويحلقوا، فما قام منهم رجل، رجاء أن يأتي أمرًا آخر، رجاء أن يأتي أمرًا آخر من الله جل وعلا. لكن بعد ذلك لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد ذبح وحلق، قاموا وذبحوا وحلقوا. ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج من ذلك المكان، فنزلت سورة الفتح. فهذه مقدمة لهذه السورة، وهي ٢٩ آية عند جميع القراء. فإن شاء الله تعالى نبدأ من القدن، نقرأ في تفسير الإمام السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا لكل خير، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا، والحمد لله رب العالمين.