أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 11

أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 11

الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تقسيم التنجيم إلى علم التأثير وأحكامه

يشرح العلماء تقسيم التنجيم إلى علم التأثير وعلم التسيير، مبينين أن علم التأثير يتضمن شركاً أكبر في الربوبية وكفراً بادعاء علم الغيب وشركاً أصغر بجعل النجوم أسباباً. يستدلون بأقوال السلف وآيات قرآنية على بطلان التنجيم وكونه من السحر.

الفرق بين علم التأثير المحرم وعلم التسيير الجائز

يفرق المقطع بين علم التأثير المحرم الذي يدعي معرفة الغيب بالنجوم وعلم التسيير الجائز المستدل به على الجهات والمواقيت. يذكر أيضاً خلاف السلف في تعلم منازل القمر.

أغراض النجوم الثلاثة والخلاف في منازل القمر

يذكر أثر قتادة بأن الله خلق النجوم لثلاثة أغراض: زينة السماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات للاهتداء، وما زاد كاستدلال الغيب لا دليل عليه. يناقش الخلاف في منازل القمر وحديث "ثلاثة لا يدخلون الجنة" الضعيف وتوجيهاته.

تحريم تصديق السحرة والكهان وعقوبة الكفر

يؤكد المقطع أن تصديق الكاهن أو العراف أو الساحر كفر بما أنزل على محمد، والكافر لا يدخل الجنة. يبين أن التنجيم من السحر مستدلاً بحديث النبي في الوعيد الشديد للمصدقين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في التنجيم: قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. انتهى. وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما. ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر». رواه أحمد وابن حبان في صحيحه. تقدم معنا أن التنجيم هو من السحر، كما أن التطير نوع من أنواع السحر، فكذلك التنجيم نوع من أنواع السحر. والسبب في ذلك: لأن التنجيم يستند لأمر خفي، فالمنجم يستدل بالنجوم على الحوادث الأرضية وعلى أمور الغيب ونحو ذلك، والنجوم ليست لها علاقة بذلك، فهو من هذا الباب. وقسم العلماء التنجيم إلى قسمين: علم التأثير، وعلم التسيير. فالمراد بعلم التأثير: اعتقاد أن هذه النجوم لها تأثير في حوادث الكون. وهذا ينقسم كذلك إلى قسمين: أحدهما: شرك أكبر، وهو شرك في الربوبية، وذلك إذا اعتقد أن هذه النجوم مؤثرة بذاتها، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث. وهذا كان اعتقاد يعتقده بعض القدماء، كقوم نمرود الذين بعث إليهم إبراهيم، وهم الصابئة الذين يعبدون الكواكب ويعتقدون فيها هذا الاعتقاد. ولعله موجود هذا الاعتقاد في بعض البلاد الكافرة كبلاد الهند ونحوها. والنوع الثاني من أنواع علم التأثير: كفر مخرج عن الملة، وذلك إذا استدل بها على علم الغيب قبل وقوع الحادث، فإن ذلك من ادعاء علم الغيب. فإذا استخدمت هذه النجوم في الاستدلال بالأمور الغيبية، فهذا لا شك أنه مخرج عن الملة، فهو ادعاء علم الغيب. وقد قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. فهذا أيضاً كفر مخرج عن الملة إذا استدل بها على علم الغيب قبل وقوع الحادث. وقد تكون كذلك شركاً أصغر، وهذا إذا اعتقد أنها سبب للحوادث، وهذا يكون بعد وقوع الحادث، فيقول مثلاً: هذا وقع بسبب نجم كذا وكذا، فهذا اعتقد ما ليس سبباً أنه سبب، وهذا من الشرك الأصغر. فهذا هو علم التأثير، وحكم هذا العلم أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام. وقد ذكر الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله تعالى أن مما يدخل في التنجيم في هذا العصر ما يكثر في المجلات مما يسمونه "أبراج البروج"، فيخصصون صفحة أو أقل منها في الجرائد، ويجعلون عليها رسم أبراج السنة، فيكتبون مثلاً: برج الأسد، برج العقرب، برج الثور، وهكذا إلى آخره، ويجعلون أمام كل برج ما سيحصل فيه، فيأتي القارئ وينظر في أي برج برجه، فإذا كان برجه في برج الأسد ينظر ماذا سيقع في هذا البرج، فربما يجد حوادث فيها من الخير وحوادث فيها من الشر، فيقال له: سيحصل لك كذا وكذا، سيحصل لك كذا وكذا. فهذا لا شك أنه من الاستدلال بها على علم الغيب، فهو يدخل في علم التأثير. إذا اعتقد صاحبها أن هذه النجوم لها تأثير في معرفة ما سيحدث له في المستقبل، فهذا كفر بالله سبحانه وتعالى، وهذا أمر خطير ينبغي للمسلم أن يحذره، وينبغي للمسلم أن يجتنبه، وأن لا يقرأ في مثل هذه المجلات. هذا بالنسبة لعلم التأثير. وأما علم التسيير، فمعناه: أن يستدل بالنجوم أو بسيرها على المصالح الدينية، كاتجاه القبلة ونحو ذلك، الجهات ونحو ذلك، مما ربما يستخدمه بعض البحارة والصيادين في اتجاه بعض الجهات ونحو ذلك، فهذا لا بأس به، وأمر مطلوب. أو يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية، مثل الاستدلال بها على الجهات الدينية: القبلة، لأن القبلة مأمور المسلم أن يتجه إليها في صلاته. نعم. وأما الأمور الدنيوية، كما ذكرنا مثلاً: معرفة بعض الجهات التي يحتاجها من يمشي في الطرق، فيستدل بهذا النجم على أنه في الشمال، أو على أنه في الجنوب، أو على أنه في الشرق، أو على أنه في الغرب، أو على أنه جهة هذه البلد أو جهة تلك البلد، فهذا أيضاً جائز ولا بأس به. فقد قال الله عز وجل في النجوم: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، أي: يهتدون في طرقهم. فهذا يسميه العلماء بعلم التسيير، فليس له علاقة بوقوع الحوادث، سواء كان قبل وقوعها أو بعد وقوعها، أو تأثيرها في الحوادث الأرضية، وإنما هو مجرد استدلال بها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: "والاستدلال على المواقيت والأمكنة أمر اتفق عليه العرب والعجم وأهل الملل والفلاسفة". نعم، الاستدلال على المواقيت والأمكنة بتلك النجوم أمر اتفق عليه العرب والعجم وأهل الملل والفلاسفة. بقيت مسألة هنا ذكر المؤلف فيها خلاف بين أهل العلم، وهي تعلم منازل القمر. وما معنى تعلم منازل القمر؟ منازل القمر: أي الفصول التي يستدل بمنازل القمر عليها. فالقمر إذا طلع له ثمانية وعشرون منزلاً، له ثمانية وعشرون منزلاً، لأنه في الأيام الأخيرة لا يظهر، فهذه تسمى منازل القمر. فهذا كرهه بعض السلف، وأجازه آخرون، كما سمعت فيما ذكره المؤلف في هذه الآثار عن ابن عيينة، وعن كذلك قتادة، والإمام أحمد وإسحاق. وأورد المؤلف هنا أولاً أثر قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها". هذا الأثر علقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم. والشاهد منه: أن الله عز وجل لم يذكر في القرآن للنجوم إلا ثلاث حكم فقط: زينة، بمعنى أن السماء إذا تكللت بالنجوم في ظلمة الليل يرى الناظر جمال هذه السماء، كأنها مرصعة باللؤلؤ والمرجان بسبب إضاءة هذه النجوم، فهي زينة للسماء. ورجوماً للشياطين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. وفي الزينة قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، أي: بالنجوم. وهكذا جعلها رجوماً للشياطين، إذا أرادت الشياطين أن تسترق السمع وتصعد إلى السماء، هذه النجوم ترمى بها الشياطين. وهكذا علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. فما هو وجه الشاهد من هذا الأثر؟ أن ما زاد على هذه الحكم فلا دليل عليه، فلم يذكر ربنا سبحانه وتعالى من حكم النجوم أننا نستدل بها على علم الغيب، أو أننا كذلك نجعلها سبباً للخير أو للشر أو نحو ذلك، فدل ذلك على أننا نقتصر على هذه الحكم الثلاث، ولا نزيد عليها. ثم كما تقدم ذكر الخلاف بين أهل العلم في تعلم منازل القمر، فذكر أن المسألة خلاف بين أهل العلم، منهم من أجاز ذلك، ومنهم من كره ذلك. وعرفنا ما معنى منازل القمر. ثم ذكر أثر أبي موسى الأشعري: «ثلاثة لا يدخلون الجنة». وهذا الحديث ضعفه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة. وكما تقدم أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى يورد مثل هذه الأحاديث الضعيفة في هذا الكتاب لأنها تدل عليها عموم الأدلة. فمثلاً: مدمن الخمر جاء في بعض الأحاديث أنه لا يدخل الجنة، أي: دخولاً أولياً، لأن أهل العلم من أهل السنة في مثل هذه الأحاديث يفسرونها ويوجهونها بعدة توجيهات، ليس معنى أن هؤلاء كفار ولا يدخلون الجنة مطلقاً، وإنما يحمل هذا على عدة أوجه، فيقال مثلاً: إنهم لا يدخلون الجنة دخولاً أولياً، وإنما يعذبون على هذه الأعمال في النار، فإذا نقوا يدخلون الجنة بعد ذلك. ومنهم من وجه هذا بالاستحلال، أي: لا يدخلون الجنة هؤلاء الذين يستحلون، يعتقدون أنها حلال، وليست بحرام، لأن هذه الأمور مما جاءت الشريعة بتحريمها تحريماً قطعيا معلوماً من الدين بالضرورة. ومنهم من قال: إن هؤلاء يختم لهم بسوء، فيكون آخر أمرهم الكفر ونحو ذلك. لكن القول الأول والثاني هما الأقرب: أنهم لا يدخلون الجنة دخولاً أولياً، أو أنهم يستحلون هذه الأفعال. وكذلك قاطع الرحم، جاء التصريح بأنه لا يدخل الجنة في الأحاديث الصحيحة: «لا يدخل الجنة قاطع رحم». وهكذا المصدق بالسحر، قد مر معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، والكافر لا شك أنه لا يدخل الجنة. والشاهد من هذا الحديث في قوله: «ومصدق بالسحر»، ففيه الوعيد الشديد لمن صدق بالسحر، والتنجيم من السحر كما مر معنا. فهذا هو خلاصة ما يقال في هذا الباب، والله تعالى أعلم، وبه نكتفي، وإلهنا والحمد لله رب العالمين.