الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 767، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الحديث وفاة عثمان بن مظعون قبل بدر ووصيته بابنته لأخيه قدامة الذي زوجها لعبد الله بن عمر، لكن أمها مالَت إلى المغيرة بن شعبة فارتفع الأمر إلى النبي ﷺ الذي قضى بأن اليتيمة لا تُنكح إلا بإذنها فنُزعت من عبد الله وزُوجت للمغيرة. ويذكر الشيخ فضائل عثمان بن مظعون ومحبته للنبي ﷺ.
يبيّن المقطع جواز تعريف القبر بحجرة أو كتابة استنادًا إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم في قبر عثمان بن مظعون، وضعف زيادة النهي عن الكتابة على القبور. ويسرد قصة قدامة بن مظعون وتأويله الخاطئ لآية المائدة في شرب الخمر وإقامة عمر الحد عليه ثم توبته وولايته على البحرين وتزويجه ابنة عثمان لعبد الله بن عمر.
يستعرض المقطع الأحكام الفقهية المستنبطة من قصة تزويج عم لابنة أخيه بغير رضاها، مبيناً بطلان عقد غير الأب للبكر بدون إذنها وجواز تزويج الأب لها بغير إذن عند الجمهور مع تفصيل الخلاف. ويؤكد أن رضا الزوجة شرط لصحة العقد فإذا رفضت بطل النكاح مع حث الولي على تزويج الكفء الصالح.
يروي الحديث قصة امرأة اشتكت للنبي صلى الله عليه وسلم أن أباها زوجها بابن أخيه بقصد رفع خسيسته لا لمراعاة مصلحتها. يبين المقطع بداية الواقعة دون ذكر حكم النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد رحمه الله تعالى: حدثنا يعقوب، وهو ابن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق. وإبراهيم بن سعد هو أفضل من روى السيرة عن ابن إسحاق. قال: حدثني عمر بن حسين بن عبد الله مولى آل حاطب الجمحي، وهو من أهل المدينة، قاضي المدينة، ووثقه، قال: عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص. وعثمان بن مظعون خال عبد الله بن عمر، فما سيأتي: توفي، وقد توفي قبل بدر. قال: وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، أي: أوصى إليه ابنته. قال عبد الله: وهما قالا: آيا، أنا. قال عبد الله: أخو أمه. وأيضًا أم حفصة، أم حفصة وأم عبد الله بن عمر واحدة، وهي أخت عثمان وقدامة بن مظعون. قال: وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، وقدامة أيضًا عمه عبد الله بن عمر، أخت عمر بن الخطاب. قال عبد الله: وهما قالا: آيا. قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوجنيها. ودخل المغيرة بن شعبة يعني إلى أمها، فأرغبها في المال. قال: أنا أدخل، دخل إلى خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، فأرغبها في المال، معنى: أعطاها مالًا زائدًا إذا أعطته ابنتها. قال: فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوا أمها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها عبد الله بن عمر، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت لهوى أمها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها». قال: فانتزعت والله مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة. فهذا الحديث فيه عدة مسائل. أولاً: كما ذكر عبد الله بن عمر أن عثمان بن مظعون وقدامة يعتبران من أخواله، إخوان أمه. وعثمان توفي قبل بدر، توفي في السنة الأولى من الهجرة. فما جاء في حديث أم العلاء: لما آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، قالت أم العلاء: فطار لنا عثمان بن مظعون، فكان خير رجل، فما لبث أن توفي. قالت: فقلت: هنيئًا له الجنة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وما يدريك؟» قال: أنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما أدري ما يفعل بي ولا بكم. وهذا كان قبل أن يخبره الله عز وجل أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فهذا في بداية الهجرة، فمات عثمان رضي الله عنه. قد كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب عثمان بن مظعون، حتى أنه قبله عليه الصلاة والسلام، ولم يعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل أحدًا بعد موته إلا عثمان بن مظعون. والحديث جاء من حديث عائشة بنت عثمان بن مظعون، وهو عند أحمد والنسائي، وفي بعض إسناده إشكال، أقصد: اختلاف، لكن الظاهر أن الحديث حسن في الشواهد. وأيضًا كذلك: النبي عليه الصلاة والسلام وضع عند قبر عثمان حجرة، كما صححه الشيخ الألباني: «أعرف قبر أخي، وأدفن من مات من أهلي عنده». قال: «أعرف قبر أخي، وأدفن من مات من أهلي عنده». ولهذا جاز بعض العلماء تعريف القبر بشيء، بحجرة أو بكتابة. وهذا الذي يضعف رواية الترمذي: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبر، وأن يجصص، وأن يكتب عليه». الحديث في صحيح مسلم، لكن زيادة «وأن يكتب عليه» ليست في صحيح مسلم، إنما أخرجها الإمام الترمذي، وظاهر أنها شاذة لا تصح. ولهذا جاز بعض السلف الكتابة في القبور، حتى يعرف هذا القبر، لأجل أن يزوره وأن يدعو عنده، وهذا كله جائز. قال: وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون. أوصى عثمان إلى قدامة، وقدامة بن مظعون من أهل بدر، ممن شهد بدرًا، واستعمله عمر رضي الله عنه، وهو صهر، معنى صهره من جانبين: عمر متزوج لأخته، وهو متزوج أخت عمر. فاستعمله في البحرين، عن الإحساء الآن. البحرين كانت تسمى على الإحساء الآن الموجودة، تعني: الإحساء كانت قديمًا يسمونها البحرين، وليست هذه البحرين الجديدة الآن. فأرسله في ذلك المكان. وكان قدامة ممن تأول شرب الخمر، فشهد عليه أنه شرب خمرًا، متأولًا قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فتأولها عثمان أو قدامة على أن من عمل صالحًا فلا يضره شرب الخمر. فحضر عند عمر، وأقر بأنه شرب. قال له عمر: «لم شربت؟» قال: تأولت قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. فقال عمر: «من يرد عليه؟» فلم يرد عليه حد. فقال: «رد على ابن عباس». فقال ابن عباس: هذه الآية إنما فيمن كان قبل أن تحرم الخمر، أي: من شربها قبل أن تحرم. فأقر عمر كلام ابن عباس رضي الله عنهم جميعًا. وقدامة رجل صالح، ومن خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن تأول هذه الآية، ثم تاب، ولم يعرف بعد ذلك أنه شرب، وجلده عمر حد الخمر. لكنه كما قلنا: تاب بعد ذلك، وهذا من باب التأويل فقط، وإلا فهو رجل من أصحاب رسول الله، من أهل بدر، ممن غفر الله عز وجل لهم. قال عبد الله وهو ما قال: آيا. فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان. عن عثمان: خلف ابنة له، وعثمان مات وهو شاب في بداية شبابه. وأما قدامة بن مظعون فمات بعد الستين، وكانت له ابنة، هذه البنت خطبها، فخطبها عبد الله بن عمر إلى عمه قدامة بن مظعون، وقد أوصى عثمان إلى أخيه على أنه يهتم بهذه البنت، فزوجها قدامة ابن عمر ابن أخته. قال: ودخل المغيرة بن شعبة يعني إلى أمها، فأرغبها في المال، قال: لا، سأعطيك كذا وكذا من المال. فحطت إلي، وحطت الجارية إلى هوا أمها. حطت: معناه أنها ركنت إليه ووافقت على كلامه. والجارية: البنت الصغيرة هذه، والظاهر أنها كانت شابة، مالت إلى أمها وإلى إيثار أمها، لأن أمها هي التي ربتها. قالت: فأبيا، معنى: رفضوا عبد الله بن عمر، ورفضت هذه البنت عبد الله بن عمر، مع أن وليها عمها قدامة، وقد زوجها. وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا أن هذا الحديث أُخذت منه مسألة من مسائل الولاية، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها عبد الله بن عمر، فلم أقصر بها في الصلاح، أنا زوجتها رجلًا صالحًا، وقد شهد بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، أي: بصلاح عبد الله بن عمر. قال: «ولا في الكفاءة»، فهو من قريش. ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها. ولكنها امرأة، ليس من باب العيب، وإنما المرأة غالبًا أو البنت تتبع أمها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها». فانتزعت والله مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة. فهذا الحديث فيه عدة مسائل: منها مسائل الولاية التي استدل بها الجمهور أن الولي غير الأب لا يجوز له أن يزوج البنت البكر بغير إذنها. إذا كان وليًا غير الأب، فلا يجوز أن يزوج البنت البكر بغير إذنها. وأيضًا: إن كانت شابة أو كانت بكرًا وزوجها أبوها، فالجمهور على أن الزواج صحيح، أن الزواج صحيح ولو بغير إذنها، إلا إن رفضت. معنى: لا يجب أن يستأذنها، فله أن يزوجها. وقال بعض العلماء، وهو قول بعض الحنابلة، قول شيخ الإسلام وغيره: أنها لابد أن تستأذن حتى لو كان أبوها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «البكر تستأذن، والثيب تستأمر». فلهذا تستأذن ما دامت أنها قد بلغت. وأما إن كانت قبل البلوغ، فيجوز أن يزوجها أبوها عند جمهور العلماء، أن يزوجها أباها ولو بغير إذنها، مثل ما فعل الصديق رضي الله تعالى عنه. وأما إن كانت غير الأب، فلا يجوز أن يزوجها بغير إذنها، حتى الصغيرة، إلا إن كانت صغيرة لا تعقل بعد. وأما إن كانت تعقل، فيزوجها بإذنها إن كان غير الأب. وأما الأب، فله أن يزوجها بغير إذنها، وهذا لأجل عموم الحديث، وإنما استثنوا الأب لأجل تزويج أبي بكر ابنته عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام بغير إذنها. أيضًا كذلك في هذا الحديث: أن الولي يحرص على أن يزوج وليته من هو كفء لها، ومن هو من أهل الصلاة. فقال الله عز وجل: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾. وأيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معقل وغيره: «من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن في الأرض فتنة وفساد عريض». فإذا جاء الكفء الصالح، فلا ينبغي للولي أن يتأخر عن تزويج موليته، سواء كان أبًا أو غيرًا. أيضًا في هذا الحديث: أن البنت البكر إذا زوجت بغير إذنها، فإنه لها أن ترفض، ويكون هذا العقد غير صحيح. أن إذا عقد لها وليها، ولو كان أباها، ولم يستأذنها، ثم رفضت، رفضت هذه البنت هذا الزواج، فإن هذا العقد يكون باطلًا، لأن من شروط العقد أن ترضى المرأة. معنى: رضا الزوجة شرط من شروط العقد. فإذا لم ترضَ، يكون العقد باطلًا. إذا لم ترضَ ورفضت هذا الزواج، فإن العقد يكون باطلًا. وقد جاء في حديث أبي هريرة، بعضهم يقول أنه مرسل: أن رجلًا زوج ابنته ابن أخيه، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله، إن أبي زوجني، زوجني ابن أخيه، ليرفع به خسيسته، أو ليرفع به خسيسته، والمر