الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 768، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع إسناد حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في جواز التمتع بالعمرة إلى الحج، ويناقش رجال الإسناد وتصحيح الترمذي والبيهقي للحديث. يخلص إلى ثبوت أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج، وأن أمره مقدم على نهي عمر رضي الله عنه.
يشرح المقطع أنواع نسك الحج الثلاثة: القران (إدخال العمرة في الحج بإحرام واحد وسوق الهدي)، والتمتع (الإحرام بالعمرة ثم التحلل ثم الإحرام بالحج)، والإفراد (الحج فقط). ويستعرض آراء الأئمة الأربعة في الأفضلية، حيث رجح مالك القران، وأحمد وأبو حنيفة التمتع مع تفصيل، والشافعي الإفراد، مستدلاً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وحزن الصحابة من أمر التمتع.
يبيّن المقطع جواز الأنساك الثلاثة في الحج (التمتع، القران، الإفراد) مستدلاً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره للصحابة على اختلافهم، مع التأكيد على أن التمتع والقران فيهما هدي واجب بخلاف الإفراد. كما يبرز موقف الصحابة رضي الله عنهم في ردّ الأقوال المخالفة للسنة النبوية، مستشهدين بقول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾، وقاعدة الإمام مالك: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر».
يوضح المقطع أن مشروعية القِران تُعد تيسيراً على الناس، حيث يُغني عن السفر مرتين منفصلتين لأداء العمرة والحج، خاصة لمن لا تتوفر له نفقة كافية، فيؤدي النسكين معاً في سفر واحد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا عبد بن حميد، قال عبد بن حميد: هو أبو محمد الكشي، ممن قال الكج؟ قال: أخبرني عقيل بن إبراهيم بن سعد الزهري، قال: أخبرني أبي إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: عن صالح بن كيسان، وهو مدني ثقة من أصحاب الزهري، وهو أكبر من الزهري بأربع سنوات، وطلبا العلم معاً، إلا أن صالح بن كيسان أخذ فترة بالأدب لتعلم الأدب واللغة، وكذا، فلهذا تأخر عن ابن شهاب. وأيضاً كان ابن شهاب حريصاً على الأخذ من المصاحف، حرصه كان شديداً، ويأخذ عن المصاحف ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما جاء عن الصحابة. ولهذا قال صالح بن كيسان: قال لي ابن شهاب: نكتب ما جاء عن المصاحف، ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما جاء عن الصحابة. فقلت: أي صالح بن كيسان، قلت: أكتب ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أستطيع الكتابة عن ما جاء عن الصحابة. معناه: أريد معناه، كأنه يقول: أنا سأكتفي بما جاء عن النبي أحفظه حتى لا يتفلت علي. فكتب ابن شهاب هذا وهذا، وحفظه للأمة. ولهذا كان من أعرف الناس لآثار السلف، وخاصة آثار عمر رضي الله عنه، وأبو بكر، أنه كان يحرص على معرفة أحكامهم، معرفة هديهم. وكان أيضاً يأخذ ذلك من سعيد بن المسيب، كان سعيد أيضاً يهتم بقضايا عمر، وقضايا الصديق، وقضايا عثمان وعلي، فلهذا أخذ منه ابن شهاب علماً كثيراً. قال: عن ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر. قال: أن سالماً بن عبد الله حدثه، سالم بن عبد الله بن عمر، وهو من الفقهاء السبعة. قال: حدثه أنه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج، يسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال عبد الله بن عمر: هي حلال. فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أأمر أبي تتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال شيخنا: هذا حديث صحيح. الحديث أخرجه البيهقي. فقال رحمه الله: حدثنا أبو خيثمة، أبو خيثمة النسائي زهير بن حرب، قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم. به أدخل في الإسناد ابن إسحاق، أو أن إبراهيم بن سعد رواه عن صالح بن كيسان، ورواه عن ابن إسحاق، وأبو خيثمة وعبد بن حميد كلاهما في درجة واحدة، فالحديث صحيح. والحديث فيه فوائد، من ذلك، أو من هذه الفوائد: أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التمتع بالعمرة إلى الحج، أن النبي عليه الصلاة والسلام تمتع بالعمرة إلى الحج. وهذا الظاهر، والله أعلم، أراد أن التمتع هنا المراد أنه قرن العمرة مع الحج، وهو القران. وإلا فالثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قرن بين العمرة والحج، ولم يتمتع، قرن بين العمرة والحج. ومعلوم أن نسك الحج ثلاثة، ثلاث طرق: إما بالقران، وإما بالتمتع، وإما بالإفراد. فالقران المراد به إدخال أعمال العمرة في أعمال الحج، وتكون بإحرام واحد، لا يفصل بينهما، ليس فيها إحرام للعمرة وإحرام للحج، لا، يكون إحرام واحد، يقول فيه الميقات: «لبيك اللهم عمرة متمتعاً بها إلى الحج»، أو يقول: عمرة في حجه، كما جاء في صحيح البخاري في حديث عمر أنه قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان في وادي العقيق في ذي الحليفة، فقال: إنه قد جاءني جبريل، فقال لي: «صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة». وقال الأوزاعي: مرة حجة في عمرة، والأكثر: عمرة في حجة، أي دخلت العمرة في الحج. فهذا هو القران، ويسوق معه الهدي، قال: لا بد أن يكون، لا يدخل الميقات إلا وهو معه هدي، الهدي يكون يصطحبه معه، فهذا يسمى قران. وعما الطريقة الثانية فهي التمتع، وهو أن يعقد، يقول في المكان الذي يحرم فيه الميقات: «لبيك اللهم عمرة»، ثم يأتي بالعمرة ويتحلل، فإذا جاء وقت الحج قال: «لبيك اللهم حج»، وذهب إلى الحج. وهذا التمتع بالعمرة ما كان موجوداً في الجاهلية، وأنكروه الناس، وتأول ذلك عمر، تأول ذلك عمر على أنه يمنع الناس من التمتع حتى لا يحصل أن يجامع الرجل امرأته في أي مكان، لأن الناس كانوا ما عندهم بيوت، ما عندهم سكن، فإذا سمح لهم بالتمتع فإنه يحتاج إلى زوجته في أي وقت، فقد يجامعها في منى، في شيء من الأماكن. وقيل غير ذلك: أن عمر منع من التمتع، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أجازه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، ولجعلتها عمرة». ولهذا اختلف العلماء، خاصة الثلاثة: مالك والشافعي، وقال مالك وأحمد وأبو حنيفة في أفضلية القران أو التمتع: فقال مالك بالقران، وقال أحمد بالتمتع، وقال أبو حنيفة أيضاً كذلك بالتمتع، إلا أن عندهم تفصيلاً، والتفصيل هذا صحيح، فقال: إن ساق الهدي فالأفضل أن يكون قارناً، وإن لم يسق الهدي فالأفضل أن يكون متمتعاً. واختار الشافعي رحمه الله الإفراد، أن يكون حجاً حجاً فقط، أن يفرد بالحج. فلهذا جاءت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قرن بين العمرة والحج، لكن لما رأى معنى أن الصحابة رضوان الله عليهم حزنوا من هذا، وحزنهم لأمرين: الأمر الأول: أنهم لم يتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام، وهم كانوا عندهم حرص على اتباع النبي عليه الصلاة والسلام في نسكه، فهذا أحزنهم. والأمر الآخر الذي أحزنهم: أنهم كيف يتمتعون في أيام العبادة، حتى قال جابر: كنا نذهب من، ومذاكيرنا تقطر من المني، معنى أننا نجامع زوجات، فهذا أيضاً كذلك جعلهم يحزنون على ذلك، معنى أنهم ما يحبون في وقت الحج أن يتمتعوا بأزواج، حتى يحرصوا على العبادة، يحرصوا على العبادة. أثر: فمن هذا الباب حزن كثير من الصحابة، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام الحزن في أصحابه، حتى أراد أن يسليهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة»، أي التمتع. فلهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام هذا الكلام عن عدة من الصحابة. ولهذا لما قال ابن عبد الحكم لأحمد: فقال: يا أحمد، إن أمرك كله خير، إلا أنك تقدم التمتع في الحج على القران. فقال له: كنت أظن لك عقلاً يا ابن عبد الحكم، أترك ستة عشر حديثاً لأجل هواك؟ أترك ستة عشر حديثاً لأجل هواك؟ والمهم أن التمتع جائز، والقران جائز، والإفراد جائز، وإنما اختلفوا في الأفضل، ما هو الأفضل؟ وبعضهم كما ذكر الإمام ابن القيم يمنع من الإفراد، وأنه منسوخ بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، كما في حديث عبد الله بن مغفل وغيره. لكن النبي عليه الصلاة والسلام قد أقر من أفرد بالحج، كما في حديث عائشة وغيرها، فإن هناك من الصحابة من أفرد بالحج، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا فالصحيح جواز الأمور الثلاثة: القران، والتمتع، والإفراد. والقران والتمتع فيهما هدي، والإفراد ليس فيه هدي، أي ليس فيه واجب، من أراد مثلاً أن يهدي في الإفراد، فمن باب، يعتبر من باب الاستحباب. أيضاً في هذا الحديث: ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يقدمون غيره، مهما كان هذا الغير. وهذه المسالة حصلت لعبد الله بن عمر مع هذا الشامي، وكذلك لابن عباس مع عروة، عروة بن الزبير كان يقول له: أتقول بالتمتع، وقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عن ذلك؟ فقال ابن عباس: ما أرى الله إلا سيعذبكم، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ فكان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون الناس إلى هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فهو الذي أمر الله عز وجل باتباعه، وأما غيره فليس بالوجوب اتباعه، إلا إذا كان إجماع، أي الصحابة رضي الله عنهم، لا يلزم أن نتبع أحدهم، وإنما الحجة في اجتماعهم. وأيضاً كما قال الله عز وجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: 3]. كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لمن قال له: إن أبا بكر أو عمر يقول كذا وكذا، فقال: قال الله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، فلا يتبع، لا يتبع أحد في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مهما كان. لهذا قال الإمام مالك كلمته المشهورة: «كل يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر». وأما كما قلنا: قوله: «لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فهذا في خلاف، لأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما حج قارناً، وقد يكون أراد أنه أيدها النبي عليه الصلاة والسلام، أو أذن فيها، أو أن المراد هنا بالتمتع المراد إدخال العمرة في الحج. لأن إدخال العمرة في الحج لم يكن في الجاهلية، كما جاء في حديث عمر، أو في حديث أنس وغيره، قالوا: كانت العمرة في الحج في الجاهلية من أفجر الفجور، من أفجر الفجور أن يدخل العمرة في الحج عندهم، فخالفهم النبي عليه الصلاة والسلام، وأدخل العمرة في الحج. وهذا أيضاً فيه تيسير للناس، بدل مثلاً ما يذهب الرجل مرتين، مرة للعمرة ومرة للحج، وخاصة إذا كان ما عنده نفقة، فتيسرت له نفقة إلى الحج، فيعتمر ويحج معاً، فيؤدي العمرة الواجب عليه، ويؤدي كذلك الحج الواجب عليه. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.