الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 769، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبرز المقطع خلق العفو والمسامحة الذي ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، موضحاً أن العفو عن الإساءة أفضل من الأخذ بالحق وأجره على الله. كما يحذر من الحقد والهجران الطويل بين المسلمين معتبراً ذلك من علامات النفاق والفجور في الخصومة.
يتناول المقطع قصة دخول عبد الله بن عمر على معاوية الذي أكرمه وعرض عليه الحوائج فلم يطلب شيئاً لنفسه، دليل على زهد الصحابة. ثم يدافع عن معاوية ضد الاتهامات التاريخية مبيناً فضائله كعدله ورحمته وذكائه ودعاء النبي له.
يصف المقطع موقف معاوية عند دخول الحسن بن علي حيث دعا لهما بالأخوة في الجنة، ثم ينتقل إلى حديث عبد الله بن عمر عن حق المحررين في العطاء. يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر كانا يبدآن بهم في القسمة ونظام القسمة على عهد النبي وعمر.
يختتم المتحدث بالدعاء بالرضا عن جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: هنا حديث مررنا عليه، قال شيخنا مقبل -رحمه الله- في هذه الوعظة: قال أبو داود -رحمه الله تعالى-: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، وهو ثقة، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا هشام بن سعد، وهشام في حفظه ضعف، إلا أن روايته عن زيد بن أسلم صحيحة؛ لأنه كان يحفظ حديث زيد. قال: عن زيد بن أسلم، أن عبد الله بن عمر دخل على معاوية، فقال: حاجتك يا أبا عبد الرحمن. فقال: عطاء المحررين، فإني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أول ما جاءه شيء بدأ بالمحررين. قال: هذا حديث حسن. فهذا الحديث فيه فوائد: أولاً، ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من العفو والمسامحة وصفاء الصدور. ويحصل بينهم في بعض المواقف شيء من الخصومات، لكن سرعان ما يتناسون. فالذي حصل بين عبد الله بن عمر ومعاوية شيء من الخصومة في مجلس من المجالس، لكن ابن عمر لم يتكلم، وكان معاوية يعنيه بالكلام. قال: فوقع في نفسي -يقول عبد الله بن عمر- أن أقول: أنا أحق بها منك ومن أبيك. قال: قد جاهدنا قبل أن تسلما أنت وأبوك. لكن قال: خشيت أن تكون فتنة، فلم يتكلم؛ لأن معاوية كان يقول: من أحق بها من غيرنا فليرفع رأسه. فقال بعض الرواة: إنه كان يريد عبد الله بن عمر. لكن عبد الله بن عمر لم يتكلم، فكان بينهم العفو والمسامحة، وكانت قلوبهم صافية، إذ سرعان ما يتعافون، سرعان ما يتنازلون، سرعان ما يحصل بينهم الإخاء، ينسى كل واحد ما فعل أخوه. وهذه هي الأخوة الصحيحة التي رباهم عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم. أما من يحقد ولا ينسى السيء، كما يقولون: السيء لا تنسى، فهذا خطأ، فالسيء تنسى ويعفى؛ لأن الله عز وجل قد ذكر، فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. فمن عفى وأصلح فأجره على الله. الذي يريد أن يأخذ بحقه فله ذلك، لكن الأفضل له أن يعفو، وأجره على الله. لم يجعل الله عز وجل أجراً معيناً، بل جعل أجره عليه سبحانه وتعالى، وهو الكريم. وكلما كان الظلم أعظم كان العفو أعظم، وكان أجره أعظم. فلهذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- بهذه المثابة. أما من لا ينسى، ويحقد على هذه السيئة، ولا أيضاً يريد جزاءها، فليس هذا من أخلاق أهل الإيمان. فأهل الإيمان عندهم العفو والصفح، وأيضاً يرجعون هذه الخصومات في الخلف. أنا الآن تجد كثيراً من الناس من المسلمين، إذا حصلت بينهما خصومة يهجران، قد يموت الشخص، بل أحياناً يكون إخوة من أب وأم، تجد أنهم يتخاصمون، فلا يكلم أحدهم الآخر مدة حياته، إن يموت وهو مخاصم لأخيه. فهذا يعتبر من علامات المنافقين، لأن هذا فجور في الخصومة، والتمادي في الهجر يعتبر من الفجور في الخصومة، فلا يجوز للمسلم أن يفعله. وهجر المسلم كسفك دمه، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-. وأجاز النبي -عليه الصلاة والسلام- الهجر ثلاثة أيام حتى يشفي لنفسه، فبعد الثلاثة أيام لا يجوز، لا يجوز أن يستمر في الهجر. قال في حديث: «فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». فلهذا، كما قلنا، الصحابة -رضي الله عنهم- حصلت بينهم بعض الحروب، وحصلت فتن، حصل كذا، لكنهم كانوا يتناسون هذا. لما جاء عبد الله بن عمر إلى معاوية، أكرمه، وقال: حاجتك يا عبد الرحمن، أيش تريد؟ الذي تريده وأستطيعه أعطيك إياه. فلم يطلب حاجة لنفسه. وهذا أيضاً يدل على أن الصحابة -رضي الله عنهم- ما كانوا يفكرون في الدنيا. الغالب أن الإنسان الذي يدخل على الملوك تجده يريد من أموالهم، ويريد من خيرهم. لكن هؤلاء يدخلون على الملوك وهم لا يريدون شيئاً من دنياهم، بل لو أعطوا شيئاً لما أخذوه، وإن أخذوه على غموض أو على مضض فإنهم لا يتملكون، إنهم كانوا يريدون أن لا يأخذوا شيئاً من أموال الخلفاء أو الأمراء لما يحصل منهم. لكن معاوية -رضي الله عنه- كان ملكاً من ملوك الإسلام العادلين، رضي الله تعالى عنه، كان رحيماً بالناس، كانت عنده رحمة شديدة، وقد دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- كما صح عنه: «اللهم علمه الكتاب والحكمة وقه العذاب»، و«اللهم اجعله هادياً مهدياً». فلما دخل عبد الله بن عمر إلى معاوية، أما القصص التي يأتي بها أهل التاريخ مثل المسعودي في المروج، وكذلك بعض أهل التاريخ ممن يتشيع، يذكرون قصصاً عن معاوية ليست صحيحة، وأنه يجيز الغناء وكذا، كل ذلك كذب. وأيضاً يأتون بخصائص أنه يظلم وأنه كذا. فمعاوية -رضي الله عنه- كان من خيرة الصحابة، وكان أيضاً رحيماً جداً كما ذكر عنه في السيرة الصحيحة، وكان أيضاً رجلاً عاقلاً، بل من دهاة العرب. إن ذكر معاوية من الأربعة الدهاة، الذين هم أذكياء العرب، رضي الله تعالى عنه. ودخل على عبد الله بن عمر، ودخل أيضاً جماعة من الصحابة عليه، وأكرمهم. ومن الطرافة ما حصل بينه وبين وائل بن حجر، وائل بن حجر الحضرمي، كان من ملوك، أي من ملوك حضرموت وكندة. فلما جاء وأسلم، فأرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكان، وأرسل معه معاوية، وكان معاوية في ذلك الوقت ليس معه مال، فكان يمشي، ووائل بن حجر على خيله. ولما دخل وائل بن حجر على معاوية، ذكره معاوية بهذا الموقف، فكان يقول لهم معاوية: اركبني، اركبني معك. فقال: تريد أن يقول الناس إنه ركب مع الملوك؟ فقال: أعطينينا عليك، أي: أحرقني حر الرمضاء وحر الشمس. فقال: تريد أن يقول الناس يلبس نعال الملوك؟ إني كنت لما أسلم لازلت في شيء من هذه، أي شهوة الملوك وتكبرهم وكذا. ثم لما أسلم وحسن إسلامه وعرف الإسلام ترك ذلك كله. فلذا لما ذكره معاوية بهذا، قال: يا أمير المؤمنين، عفى الله عما سلف. قال: نعم، هذا شيء قد مضى وقلناه في فترة من الزمن. فقال معاوية: نعم، فما حاجتك؟ هذا كله نساه معاوية، هذا الذي فعله وائل -رضي الله عنه- كله نساه، وقال له: ما تحتاج؟ ما حاجتك حتى نفذها لك إن استطعت. فهكذا كان، كما قلنا، أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومعاوية من هؤلاء. قل لهذا: لما دخل، لما دخل الحسن بن علي على معاوية، بكى معاوية -رضي الله عنه-، وقال: أسأل الله عز وجل أن يجعلني وأباك ممن قال الله عز وجل فيهم: ﴿إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾. فقال: أسأل الله عز وجل أن يجعلني وأباك، أي علي -رضي الله عنه-، ممن قال الله عز وجل فيهم: ﴿إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾. معنا قد نسوا ما بينهم وما حصل بينهم في الدنيا. قال: فقال لعبد الله بن عمر: هنا حاجتك يا عبد الرحمن؟ قال: عطاء المحررين. والمحررون هم الذين أُعتقوا، على قول من أقوال المفسرين الشراح. قال: المحررون هم الذين أُعتقوا فصاروا أحراراً. مثل هؤلاء ينسون لأنهم ما كانوا مسجلين في الكشوفات التي تعطى للمسلمين، إنهم ليسوا مكتوبين في أهل الفيء؛ لأنهم عبيد، والعبد إنما يعطى سيده؛ لأنه ليس له مال، فماله مال سيده. فما دام أن السيد يعطى، فالعبد لا يعطى. لكن أحياناً يعتقون فيكونون أحراراً، فلا أحد يعطيهم. فلذا النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يبدأ بهم. وقيل: أن المحررين هم الذين يكاتبون، العبد المكاتب يحتاج إلى مال حتى يعطيه سيده لأجل المكاتبة، فيعطون أولاً. لكن الظاهر الأول: أن المحررين هم من أُعتقوا، صاروا أحراراً. قال: فإني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أول ما جاء شيء بدأ بالمحررين. وكذلك أيضاً قالت عائشة -رضي الله عنها- كما في سنن النسائي، أيضاً بإسناد صحيح: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- جاءه ضبية، إني أُهديت له ضبية، فجاء بها فأعطى الحر والعبد، فأعطى الحر والعبد. فأراد بالحر: الذي قد تحرر وقد أُعتق، وأراد بالعبد: أي الذي هو مكاتب. هذا هو الصحيح من تفسير هذا الحديث. قالت: وكان أبو بكر -رضي الله عنه- يعطي، أو يعطي الحر والعبد، معنا لا ينساهم؛ لأن هؤلاء غالباً ينسون؛ لأنهم ليسوا مسجلين في الكشوفات التي تعطى. كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يعطي أناساً على ترتيب، على ترتيب عنده، وهل ذلك في كشوفات لم يأتِ، لكن أنهم مسجلون، حتى قال عوف بن مالك: وكنت أسجل، وأُعطى قبل عمار، قبل عمار. قال: فلما جاء الفيء، دعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعطاني، وكان يعطي الأهل حظين، أي سهمين، ويعطي العزب سهماً. يعطي الأهل: الذي معه أهل، يعطيه حظين، والعزب يعطيه حظاً واحداً، أي لأجل أن ذاك يحتاج أكثر من العزب، فيعطيه حظين. قال: فأعطاني النبي -صلى الله عليه وسلم- حظين، وأعطى عمار حظاً واحداً؛ لأنه كان عزباً، لأنه كان عزباً. فهذه كان أعطاني النبي -صلى الله عليه وسلم-. وكان لما جاء عمر، دون الدواوين، وأعطاهم على حسب ما كتبهم في الدواوين، وحسب هجرتهم وقادميتهم، وكذلك جهادهم وغير ذلك، مما كان عليه ذلك المنهج. رضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجمعين، والحمد لله رب العالمين.