الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 334، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله بشرح حديث ذي مخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتحدث عن صلح آمن بين المسلمين والروم يتبعه غزوة مشتركة ضد عدو آخر. يروي تفاصيل الحديث وأحداثه المتوقعة.
يستدل الحديث على جواز الصلح مع الكفار والمشاركة في القتال ضد عدو مشترك لدفع مفسدة أكبر. يُبين أن هذا الفهم يستخدم أحيانًا لتحقيق مصالح سياسية من قبل بعض الجماعات الإسلامية.
يشرح المقطع دلالات الغدر في المعركة عندما يرفع نصراني الصليب، ويبين أن الغدر يحدث نتيجة لذلك. يُختَم الشرح بالتأكيد على انتهاء الكلام وانتظار العلم الإلهي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآل وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند ذي مخبر رضي الله عنه، وذي مخبر هو الحبشي، يقال: إنه ابن بنت أخت النجاشي أصحمة ملك الحبشة، أسلم رضي الله عنه وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليخدمه رضي الله عنه، ثم بعد ذلك لما كانت الفتوحات سكن بعد ذلك الشام، وهو في عداده في الشاميين. قال الشيخ رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا النفيلي، وهو محمد بن عبد الله بن نفيلي النفيلي الحافظ، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، وهو ابن إسحاق السبيعي، قال: أخبرنا الأوزاعي، وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الإمام، يقال: إنه من قبيلة سيبان، سيبان ابن عم يحيى بن عمرو السيباني، وإنما قيل له الأوزاعي؛ لأنه سكن في الأوزاع، منطقة في الشام تجمعت فيها قبائل، فسموا أوزاعا، قال: عن حسان بن عطية والدمشقي الشامي العالم رحمه الله، قال: حسان بن عطية: ما لك مكحول، هو أبو عبد الله وأبو أبي زكريا مكحول الشامي، كان عبدا لامرأة ثم عتق، قال ابن أبي زكريا: إلى خالد بن معدان، وعن ابن أبي زكريا يحيى، قال: إلى خالد بن معدان، وهو بالمنازل، قال: أوملت معهم، ويقول حسان: ذهبت معهم، قال: فحدثنا عن جبير بن نفير، أي خالد بن معدان حدث عن جبير بن نفير، عن الهدنة، عن الهدنة وجبير بن نفير هو الحضرمي الشامي، عن الهدنة، الهدنة عن الصلح الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم الذي يكون بين المسلمين والنصارى. قال جبير: انطلق بنا إلى ذي مخبر رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فأتيناه فسأله جبير عن الهدنة، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستصالحون الروم صلحا آمنا، فتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم، فتنصرون وتغنمون، وتسلمون، ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول». قال: فتنصرون وتغنمون وتسلمون، ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج، والمرج هو المكان الذي ترعى فيه الإبل والماشية، ترعى فيه ذي تلول، هذا المكان فيه تلول، والتل هو المجتمع من التراب حتى يصير شرفا، أي يصير كالجبل الصغير، معنى تجمع تراب يسمى تل. قال: فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم وتجمع للملحمة، الملحمة معنى الحرب القوية أو الحرب التي يكون فيها شدة وكثرة عدد من الخصمين. قال: حدثنا مؤمل بن فضل الحراني، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، قال: أخبرنا أبو عمرو عن حسان بن عطية بهذا الحديث، وزاد فيه: «ويثور المسلمون»، يثور معنى يقومون قومة واحدة إلى أسلحتهم، فيقتلون فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة. قال أبو داود: إلا أن الوليد جعل الحديث عن جبير عن ذي مخبر عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال أبو داود: رواه روح ويحيى بن حمزة وبشر بن بكر عن الأوزاعي كما قال عيسى، قال: وهذا حديث صحيح، ورواه عيسى ومن معه راجحة. والحديث أخرجه ابن ماجه وابن أبي شيبة. قال أبو داود رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: أخبرنا الأوزاعي عن حسان بن عطية، قال: ما لم أكحول وابن أبي زكريا إلى خالد بن معدان، وملت معهما، فحدثنا عن جبير بن نفير، قال: قال جبير: انطلق بنا إلى ذي مخبر رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأتيناه فسأله جبير عن الهدنة، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ستصالحون الروم صلحا آمنا وتغزون». هذا حديث صحيح على شرط مسلم. هذا الحديث فيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أمة الإسلام ستصالح الروم صلحا آمنا، والظاهر كما قال بعض الشراح: أنه صلحا آمنا أي أنه طويل ويأمن فيه بعضهم بعضا حتى يختلطون. قال: فتغزون أنتم وهم عدوا من ورائهم، ظاهر الحديث أن المسلمين والنصارى يقاتلون معا عدوا غيرهم، فهو عدو للنصارى وللمسلمين، وقيل أيضا: إن المراد أن المسلمين يقاتلون عدوا غيرهم والنصارى يقاتلون أيضا عدوا آخر، معنى كل واحد يقاتل عدوا، والظاهر الأول؛ لأنه قال: فتنصرون وتغنمون وتسلمون، معنى كأنهم مع النصارى أهل الإسلام؛ لأنهم ينزلون في مكان واحد. هذا فيه جواز المقاتلة مع الكفار لأجل عدو أعظم من هؤلاء، معنى دفع مفسدة أكبر، معنى أن هناك عدوا أعظم من هؤلاء وهو عدو للمسلمين وللنصارى فيدفعونه لأجل المفسدة الكبرى منهم. وأما أيضا كذلك في هذا الحديث جواز المصالحة مع الكفار، قد صالح النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش في الحديبية، ولهذا فيجوز للمسلمين إن اقتضت المصلحة للمصالحة الكفار فيصالحونهم، والنبي صلى الله عليه وسلم أيضا قد صالح اليهود وهو في المدينة، أو المجال للمدينة من الأمور التي اتخذها نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه صالح اليهود. فالمصالحة والهدنة ليس فيها شيء، وقد حصلت من النبي عليه الصلاة والسلام. وأما تهويل مثلا بعض الناس خاصة لإخوان المسلمين، فهم يهولون هكذا، وهم أكثر الناس اقترابا من اليهود والنصارى، وتنفيذا لخطتهم، لكن فقط يريدون أن تثير أو أن يثير الناس على حكامهم حتى يتسنى لهم أن تحصل هذه الفتن فيدفع هذا الإمام أو هذا الحاكم، فيكونون بدلا من أنهم أحرص الناس على الحكم، الإخوان المسلمون تجد أكثر حرصهم على أن يأخذوا الحكم ويكونون حكاما على الناس. فلهذا يفعلوا كل ما يفعلونه، بل حتى أنهم يأتون الحرام ويأتون الطرق غير الشرعية لأجل أن يتملكوا الحكم، فعندهم المصلحة الكبرى هي الحكم، ثم بعد ذلك المصالح الأخرى تأتي بعد، بل حتى أنهم يستهينون بالعقيدة الصحيحة التي يجب على المسلم أن يعتقدها في الأسماء والصفات وغيرها، بل تجد الآن كثيرا من الإخوان المسلمين يزهدون في العقيدة، يزهدون في باب الأسماء والصفات، بل يقولون: هذا باب يفرق المسلمين، وغيرها من هذه الأشياء التي يأتون بها لأجل أن كل شيء عندهم قشور إلا الحكم، وهو الأصل وهو لباب، أن جعل الحكم هو لب كل شيء، وهذا مخالف لما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. فنشر العقيدة بين الناس وتعريفهم بعقيدة الإسلام أعظم من أن يذهبوا إلى ذلك الحكم، وكما هو معلوم من ناحية العرف ومن ناحية العقل أن الإنسان يبني من الأساس إذا أراد أن يبني بيتا يبني أولا الأساس الذي سيقوم عليه هذا البيت، أما يصعد بدون الأساس فإنه لا شك أنه ينهار، وهذا فعل الإخوان المسلمين، وكذلك أيضا هو واقعهم منذ أن قامت هذه الفرقة وهي على الفشل، بل صاروا الآن يتحدون مع أعداء المسلمين لأجل ضرب المسلمين، يتحدون مع الروافض، يتحدون مع العلمانيين لأجل أن يضربوا المسلمين وتكون فتن في بلادهم. فلهذا كما قلنا: أن الصلح الذي يكون بين المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى أو غيرهم من الكفار هو جائز، وقد صالح النبي عليه الصلاة والسلام اليهود وصالح قريشا وصالح أيضا اليهود في خيبر، وفي هذا الحديث أيضا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الإخبار يدل على الجواز، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة التي تكون بين المسلمين وبين النصارى. قال: ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، يعني يأتون إلى المكان هذا جيش المسلمين وجيش النصارى في هذا المرج، والمرج كما قلنا مكان أكل الماشية، وصفه النبي صلى الله عليه وسلم أنه له تلول، وهو جمع تل، والتل كما قلنا: ما تجمع التراب فيصير قوما، فهذه سمت. قال: فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، إما أنه يفعل ذلك لأجل أن يكيد المسلمين، وإما أنه لأجل الفرح، وكأنهم هم الذين انتصروا، فيرفع الصليب، فيغضب رجل من أهل الإسلام فيدقه ويكسره، يدق هذا الصليب، والصليب معنى الخشبة التي على شكل الصليب؛ لأنهم يعتقدون أن عيسى عليه السلام صلب، فعظموا الصليب، وهذا يدل على جهلهم وحماقتهم، وأيضا كذلك قلة عقولهم؛ كيف يكون هذا الشيء الذي هو مضر على نبيهم كما يزعمون، مثلا أنه صلب يكون لهم معنى شيء شعار. وأيضا كذلك هو الأصل في فرحهم وغيره يكون شيئا قد ضر نبيا من أنبيائهم، فهذا لقلة عقولهم، فجعلوا الصليب شعارا لهم، وتعبدوا الله عز وجل بالحفاظ عليه وبتقديسه وتعظيمه، فرفع ذلك النصراني الصليب، فدقه هذا المسلم، معنى غضبا لأنه رفع صليب النصارى الذي هو شعار كفرهم. قال: فعند ذلك تغدر الروم، تغدرون، وكأنهم أرادوا هذه الساعة، معنى كأنهم منتظرون لأجل أن يغدروا بالمسلمين، والغدر هو معنى عدم الوفاء بالعهد وعدم الوفاء بالصلح، يسمى غدرا وخيانة. قال: وتجمعوا للملحمة، أي الروم تجمع أصحابها لأجل أن يقاتلوا المسلمين، والظاهر أنهم رأوا غرة من المسلمين وترك للسلاح، فأرادوا أن يقتلوا المسلمين، فثار أهل الإسلام إلى أسلحتهم، لكن الظاهر أنه لم يمكنهم المدافعة، فيقتلوا، معنى قتلوا كثيرا من المسلمين، قال: فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة. طيب هذا ما يذكر في هذا الحديث والله تعالى.