الدرس في ترجمة الشيخ صالح بن علي بن غصون 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
ولد الشيخ صالح بن علي بن غصون في الرس عام 1341هـ، وفقد أباه وبصره في الثانية عشرة من عمره، فكفلته والدته وألحقته بالكتاب لحفظ القرآن وتلقي العلوم الأولى. لم يمنعه فقد البصر من مواصلة الطلب والاجتهاد حتى بلغ مكانة علمية رفيعة.
تلقى العلم على يد كوكبة من كبار العلماء كابن باز وابن عثيمين وابن سعدي، وتدرج في المناصب القضائية من قاضي سدير وشقراء إلى رئيس محاكم الأحساء وعضو هيئة كبار العلماء. تميز بنشاطه الدعوي عبر برنامج «نور على الدرب» والإفتاء والتدريس، ونال ثناء العلماء على علمه واستقلاله بالرأي.
أثنى كبار العلماء والقضاة على الشيخ واصفين إياه بالعلم الغزير، والفقه العميق، والنزاهة، والخلق العظيم، والبشاشة، والكرم. شغل مناصب قضائية عليا وكان نجماً بارزاً في الحياة العلمية والدعوية، وتوفي عام 1419هـ بعد معاناة مع مرض الكبد تاركاً إرثاً عظيماً.
يسأل المتحدث الله أن يخلف على الأمة بالخير، وأن يجمعهم مع العلماء في أعلى مراتب الجنة بجانب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ويختتم المجلس بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا وشفيعنا وحبيبنا رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن ولاه. أما بعد، فلا تزال هذه الحلقات وهذه المجالس لصفحات وجوانب عظيمة من سير علمائنا المعاصرين الراحلين، الذين كما سبق برحيلهم تكون الأمة قد فقدت فلذات أكبادها، ومن خيرة رجالها وأبنائها، الذين بفقدهم تفقد الأمة من العلم النافع. آخر ما تكلمنا عنه في الدرس الماضي: تكلمنا حول عالم من هؤلاء العلماء، فمن هو؟ نعم يا أبا عبد الله: الشيخ محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله تعالى. أحسنت. وذكرنا صفحات مضيئة وجوانب عظيمة من حياة هذا العلم والعالم الذي نفع الله به نفعاً عظيماً. حديثنا في هذه الليلة وهذا المجلس حول أحد هؤلاء الأعلام الكبار الذين انتفع بعلمهم الكثير من طلبة العلم وعامة المسلمين، هو الشيخ العالم الفقيه القاضي الشيخ صالح بن علي بن غصون. والشيخ صالح بن علي بن فهد بن غصون هو من أسرة تسمى بأسرة الحميدان، وهم من وهبة تميم، يقال: الوهيبي التميمي. وُلد الشيخ رحمه الله تعالى في منطقة الرس، وذلك في عام ألف وثلاثمئة وواحد وأربعين من الهجرة. والرس منطقة تقع في بلاد نجد من أرض الحرمين في المملكة العربية السعودية. توفي والده رحمه الله تعالى وله من العمر اثنا عشر عاماً، أي أنه ذاق اليتم الذي ذاقه غيره من العلماء الكبار، وهم كثير وليسوا بقليل. ومع فقده لأبيه، فإنه كذلك أيضاً وهو في السنة الثانية عشرة من عمره فقد بصره، فأصبح كفيفاً. من هو الكفيف يا أبا ظهر؟ الكفيف من هو؟ الذي كفيف. أصبح الشيخ صالح بن غصون كفيفاً وهو في السنة الثانية عشرة من عمره. ونذكر معنا أن مجموعة كبيرة من العلماء كانوا مكفوفين: ابن باز، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ. أحسنت. فقد بصره، وليس فقد الأب، وليس فقد البصر يعني فقد التوفيق والعلم، وأن ينال الشخص درجة عالية ومكانة مرموقة رفيعة. فقد يأخذ الله البصر ويعطي ماذا يا حذيفة؟ البصيرة. وأيهما أهم وأعظم؟ أيهما أهم وأعظم: البصر أم البصيرة؟ نعم يا أبا حنيفة: البصيرة، لأن البصر تبصر به العين، والبصيرة يبصر بها القلب، يبصر بها القلب. وكم من الناس يا إخوان من يعمل الله بصره وبصيرته. ومرّ معنا في ترجمة الشيخ أحمد بن محمد شاكر، وهكذا في ترجمة أخيه محمود بن محمد شاكر: قصة طه حسين الأعمى، طه حسين الأعمى وذهابه إلى فرنسا لتعلم الأدب، يعني الأدب البلاغي ونحوه. ومدح ذلكم الخطيب للملك في إحسانه إلى هذا الرجل، فقال: ﴿مَا عَبَسَ وَلا تَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، ولكن هش وبش وأرسله إلى فرنسا، يعرض بمن؟ يعرض بمن؟ نعم بالنبي صلى الله عليه وسلم في قصة ابن أم مكتوم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. قال: هذا لم يعبس ولم يتول عن الأعمى، وإنما هش وبش وأرسله إلى فرنسا. ولهذا والد الشيخ أحمد شاكر، وهو الشيخ محمد شاكر، قام بعد الخطبة فقال: أيها الناس، قوموا أعيدوا صلاتكم، فإن إمامكم قد كفر. وقامت مشكلة عظيمة سبق معنا الإشارة إليها في مجالس ماضية. فالشيخ صالح بن علي بن غصون، ماذا؟ من العلماء الكبار يا إخوان، رحمه الله تعالى. انظروا: في السنة الثانية عشرة من عمره فقد أباه، وفقد بصره. وهنا قامت والدته بتربيته، حيث أدخلته أحد الكتاتيب في تلك المنطقة التي ولد فيها، وهي منطقة الرس. وتلقى تعليمه حيث تعلم القراءة في الكتاب، ودرس القرآن الكريم في سن مبكرة. وذكر زميله في الدراسة، وهكذا بعد ذلك في القضاء، وهو فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الرشيد، قال: «معرفتي بالشيخ قديمة، بدأت منذ أن كنا ندرس في الكتاب». ما هو الكتاب؟ ما هو الكتاب يا أبا... يا أبا الفضل؟ ما هو الكتاب؟ أحسن: مدرسة يدرس فيها الأطفال الصغار القراءة والكتابة والقرآن ومبادئ العلوم. قال: «منذ أن كنا ندرس في الكتاب في بلدنا الرس، حوالي عام ألف وثلاثمائة وخمسين، وألف وثلاثمائة وواحد وخمسين من الهجرة، لدى المعلم في ذلك الوقت، واسمه ناصر بن سالم بن ضويان رحمه الله. ثم بدأنا بالدراسة على فضيلة شيخنا الشيخ محمد بن عبد العزيز بن رشيد، قاضي الرس في ذلك الوقت رحمه الله، في الأصول الثلاثة وكتاب التوحيد وكشف الشبهات لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله». قال: «ثم سمت به همته العليا، فسافر للرياض عام ألف وثلاثمائة وثمان وخمسين من الهجرة لطلب العلم هناك، حيث درس على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وعلى أخيه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ». فدرس الشيخ بن غصون على هذين العالمين الكبيرين: الشيخ محمد، والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، رحمة الله عليهما. والشيخ صالح بن غصون تتلمذ على يد مجموعة من العلماء الكبار في عصره، منهم من سبق. وهكذا أيضاً أخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، عالم عنيزة المشهور. وهكذا أيضاً أخذ عن الشيخ عبد العزيز بن باز، وهكذا أخذ عن الشيخ عبد الله بن حميد، وهكذا أخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي، وهكذا أخذ عن الشيخ عبد العزيز، أو الشيخ محمد بن مانع، وهكذا غيرهم من العلماء الكبار. والشيخ رحمه الله تعالى حفظ عدداً من الكتب تقدر بسبعة عشر كتاباً، ونفعه الله أيما نفع بهذا الحفظ. من أعمال الشيخ رحمه الله تعالى أنه في عام 1368هـ تولى إمامة مسجد العيسى بالرياض. وكذلك أيضاً اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أن يكون قاضياً في منطقة سدير لمدة أربع أعوام. ونقل بعدها إلى القيام بمهام القضاء في منطقة شقراء، ودرس في المعهد العلمي بها. ثم كلف بأن يقوم بمهمة كبيرة في الرياض، وهو النظر في مشكلات بعض الأراضي مع بعض المشايخ. ونقل في عام 1381هـ لرئاسة محاكم الأحساء. وهكذا نقل بعدها إلى هيئة التمييز بديوان الرياض. وفي عام 1391هـ عُين في هيئة كبار العلماء. هذه الفترة يا إخوان فيها الفحول، فيها العلماء الكبار: ابن باز، والعثيمين، وهكذا غيرهم من العلماء الكبار الذين سبق معنا الكلام عن كثير منهم. وهكذا أيضاً الشيخ صالح بن غصون: نقل في عام 1401هـ إلى مجلس القضاء الأعلى. وفي عام 1409هـ أحيل إلى التقاعد، رحمه الله تعالى. للشيخ بن غصون مشاركات على مدى سنوات في برنامج «نور على الدرب» في إذاعة القرآن الكريم في مدينة الرياض، وكان يفتي السائلين أيضاً من خلال هاتف منزله، ويدرس في مسجده، وكان خطيباً مفوهاً رحمه الله تعالى. قال العلماء عن الشيخ صالح بن غصون: قالوا عنه ثناء عطراً. فمن ذلكم ما قاله العلامة الشيخ عبد الله البسام رحمه الله تعالى، قال في الشيخ صالح بن غصون: «سماحة الشيخ صالح، عرفته بأنه العالم الكبير في علمه وعمله، وعرفت منه الصراحة في الحق في جميع أطواره التي يمر بها: قاضياً، وواعظاً، ومدرساً، ومستشاراً في هيئة كبار العلماء». وكان معا يا إخوان: البسام وابن غصون، كانا معاً في هيئة كبار العلماء. وقال عنه أيضاً عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبد الله بن منيع: «عرفته زميلاً في مجلس هيئة كبار العلماء، فعرفت عنه القوة في الأخذ بحرية الرأي، يعني ليس متعصباً ولا مقلداً لغيره، والقدرة على التعبير عما يراه بغض النظر عن مخالفة من يخالفه، في غير مكابرة ولا مجادلة منافية لآداب الحديث والنظر والنقاش». وهكذا أيضاً قال عنه الشيخ محمد بن سبيل، عضو هيئة كبار العلماء وإمام وخطيب المسجد الحرام، قال عن الشيخ صالح بن غصون: «كان من أولئك الرهط الأفاضل الذين كانوا الأساس للنهضة العلمية والدعوية في هذا البلد، في هذه البلاد المباركة، فهو رحمه الله من ذلكم الجيل الذين أفنوا أعمارهم في نشر العلم وتوجيه الناس وإرشادهم». وهكذا أيضاً، وهكذا أيضاً مما أثنى به العلماء عن الشيخ صالح بن غصون رحمه الله تعالى: ذكر زميله في مجلس القضاء الأعلى الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن رشيد، عضو مجلس القضاء الأعلى، قال عن الشيخ صالح بن علي بن غصون: «إنه من خيرة من رأيتُهم، أو من رأيتُهم، ومن زاملتهم من القضاء والمشايخ في العلم والذكاء والفراسة والنزاهة، وتدقيق المسائل وضبطها، والحرص على تمحيصها». انظروا إلى ثناء العلماء على هذا العالم الكبير. يقول الدكتور عبد الله التركي، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، قال عن الشيخ صالح بن علي بن غصون رحمه الله تعالى: «والحق أني وجدت الرجل غزير العلم، عميق الفقه، سديد الرأي، واسع النظرة، ذا معرفة بمصالح الأمة واحتياجاتها، مع الجود والكرم، وحسن الطلعة، وطلاقة الوجه، والمبادرة لقضاء حاجات ذوي الحاجات». ما أجمل هذا يا إخوان، وما أجمل من اجتمعت فيه مثل هذه الخصال والخلال مع علم وعمل وخلق وأدب، كما سبق معنا الإشارة في وصف هذا العالم الكبير. وهكذا أيضاً قال عنه الشيخ منصور المالك، كان رئيساً لديوان المظالم، وديوان المظالم يتعلق بالقضاء، والشيخ صالح بن غصون كما سبق كان في القضاء، بل في المجلس الأعلى للقضاء. قال في الشيخ صالح بن علي بن غصون: «كان فضيلته ذا خلق عظيم ووجه طلق». ما معنى وجه طلق؟ ما معنى ذا وجه طلق؟ نعم، نعم يا أبا معاوية، العرباض: ذا وجه طلق. لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. ما معنى طلق؟ أحسنت: يعني مبتسم، يعلوه البشر، وعدم العبوسة وغيرها. قال: «كان فضيلته ذا خلق عظيم ووجه طلق». وهذا يا إخوان كما سبق: نحن نقرأ ونسمع من أجل أن نستفيد، فهؤلاء العلماء الكبار مدارس وجامعات يستفاد من حياتهم، وهكذا من دعوتهم وتعليمهم وغيرها. قال: «ووجه طلق، وكل من يلتقي به أو يزوره يجد البشاشة والكلام الطيب، والصدر الرحب، وحسن الاستقبال والاحتفاء به، والسؤال عن حاله وأهله، وتلك سجيته مع جميع الناس». هذه سجيته، أي طبيعته وخلقه وعادته مع جميع الناس. قال: «إضافة إلى جوده وكرمه». كرمه. والشيخ صالح بن علي بن غصون كما سبق عاش في فترة العلماء الكبار: ابن باز، والعثيمين، واللحيدان، وابن غديان، والفوزان، وغيرهم من هؤلاء الكبار، فكان نجماً صاطعاً لامعاً في الحياة العلمية. ومن سمع دروسه، أو استمع إلى محاضراته، أو حلقاته في «نور على الدرب»، يجد غزارة علمية وفقهاً وذكاءً وحكمة رزقها هذا الشيخ رحمه الله تعالى. الشيخ صالح بن علي بن غصون: في عام 1409هـ مرض، وكان مرضه داء الكبد، والكبد تصاب بالتليف وغيره. فسافر إلى أمريكا للعلاج أول مرة، ثم عاد إليها مرة أخرى في عام 1413هـ، أتى في هذه المرة لعملية زراعة الكبد، ثم عاد بعدها إلى المملكة. وبعدها بفترة عاوده المرض، فعاد مرة أخرى إلى أمريكا عام 1418هـ، وأجرى عملية استئصال أورام في البطن، وتحسنت صحته فترة. وفي عام 1419هـ عاوده المرض في الكبد، وتعذر إجراء عملية أخرى، وزادت آلامه، فصبر واحتسب حتى وافته المنية في السابع عشر من شهر ذي الحجة عام 1419هـ. فتوفي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وبوفاته فقدت الأمة عالماً كبيراً، وشيخاً نحريراً، وقاضياً حكيماً من القضاء الذين عرفهم القاصي والداني، وشهد لهم القريب والبعيد بصفاتهم العظيمة البارزة. فهذا علم من الأعلام اختفى، ونجم من النجوم أفل وذهب. فنسأل المولى عز وجل أن يخلف على الأمة بخير، وأن يجمعنا به وبعلمائنا في أعلى الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.