أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 190

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 190

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 190، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تقسيم الظلم إلى أكبر وأصغر وأدلة قرآنية ونبوية

يوضح الشيخ أن الظلم ينقسم إلى أكبر وهو الشرك الأكبر، وأصغر دون ذلك، مستدلاً بآية النهي عن دعاء غير الله وقوله تعالى إن الشرك لظلم عظيم، بينما الحلف بغير الله والطيرة من الظلم الأصغر.

تفريق بين الشرك الأكبر والأصغر والظلم الأكبر والأصغر

يبين المقطع أن الشرك والظلم في القرآن يقصد بهما الأكبر المخرج من الملة والخلود في النار، بينما الظلم الأصغر كإخراج المطلقة ضراراً لا يكفر صاحبه وغالب أهل العلم على مغفرته.

أقوال العلماء في آية لا يغفر أن يشرك به وتقسيم الظلم إلى ثلاثة أقسام

يعرض خلاف الجمهور وابن تيمية في تفسير آية الشرك، ثم يوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلم في آية الأمن هو الشرك الأكبر، ويقسم الظلم إلى ثلاثة: أكبر وهو الشرك، وأصغر ظلم النفس بالمعاصي، وأصغر ظلم الغير بانتهاك الحقوق.

خاتمة الدرس والإشارة للمواضيع القادمة

أشار المحاضر إلى أن الأسئلة القادمة ستتناول أمثلة للفسق والنفاق والشرك الأكبر والأصغر، ثم أنهى الجلسة بالحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الحادي والسبعون بعد المئة: ما مثال كل من الظلم الأكبر والأصغر؟ تكلم المؤلف رحمه الله تعالى على أقسام الظلم والفسوق والنفاق، وأظنه السؤال السبعون، أو السؤال السبعون بعد المئة: "إلى كم ينقسم كل من الظلم والفسوق والنفاق؟". ومراده من هذا رحمه الله تعالى أن يبين أن هذه الكلمات الثلاث، الكلام فيها كالكلام في الكفر. فكما أن الكفر ينقسم إلى قسمين: كفر أكبر وكفر أصغر، فأراد أن يبين رحمه الله أن هذه الكلمات الثلاث كذلك تنقسم إلى قسمين. لذلك قال في جوابه: "ينقسم كل منهما إلى قسمين: أكبر هو الكفر، وأصغر دون ذلك". أكبر هو الكفر، بمعنى أن الظلم الأكبر بمعنى الكفر الأكبر، والفسوق الأكبر بمعنى الكفر الأكبر، والنفاق الأكبر بمعنى الكفر الأكبر. وما دون ذلك فيكون ظلمًا أصغر، وفسقًا أصغر، ونفاقًا أصغر. وكذلك هناك كلمة رابعة يحسن بالمؤلف أن يذكرها، وهي الشرك. فكذلك الشرك مثل هذه الكلمات الثلاث، منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر. إذن الآن صار معنا خمس كلمات: كفر، وظلم، وفسق، ونفاق، وشرك. كل هذه الخمس الكلمات منها ما هو أكبر ومنها ما هو أصغر. وسيفصل المؤلف رحمه الله تعالى فيما سيأتي من أسئلة مع أمثلة كل نوع من القرآن، وإن تيسر من السنة. قال: السؤال الحادي والسبعون بعد المئة: ما مثال كل من الظلم الأكبر والأصغر؟ قال: مثال الظلم الأكبر ما ذكره الله في قوله: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس: 106]. قوله: ﴿ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾، أي: الظلم الأكبر. كيف فسرنا الظلم هنا بالظلم الأكبر؟ لأن دعاء غير الله فيما ينفع الإنسان أو فيما يضره هذا من الشرك. عندما يدعو الإنسان غير الله فيطلب النفع أو الضر من غير الله، هذا من الظلم الأكبر الذي هو بمعنى الشرك. الظلم هنا بمعنى الشرك. وكذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]. إن الشرك لظلم، المراد بالظلم هنا الظلم الأكبر؛ لأن الشرك هنا عُرِّف، والقاعدة عند أهل العلم: إذا عُرِّف الشرك فيراد به الشرك الأكبر الذي هو بمعنى الظلم الأكبر. وإذا نكر الشرك، ذُكر من غير الألف واللام، فيراد به الظلم الأصغر، أي: الشرك الأصغر. كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ». وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «الطِّيرَةُ شِرْكٌ، الطِّيرَةُ شِرْكٌ، الطِّيرَةُ شِرْكٌ». والطيرة من الشرك الأصغر. فإذا هنا المراد بالشرك الشرك الأكبر، والمراد بالظلم الظلم الأكبر. وقال وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]. فقوله هنا: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ ﴾، أي: المتقدم ذكرهم ممن حرم الله عليه الجنة وجعل مأواه النار. كيف فسرنا الظلم هنا بالظلم الأكبر؟ لأن الذي تحرم عليه الجنة إلى الأبد هو الذي وقع في الشرك الأكبر، أي: الظلم الأكبر. أما الظلم الأصغر فصاحبه لا يحرم من الجنة حرمانًا أبديًا، وإنما يحرم من الجنة حرمانًا مؤقتًا. وهكذا لا يكون مأواه النار الذي أشرك الشرك الأصغر لا يكون مأواه النار خلودًا أبديًا، وإنما يكون مأواه النار خلودًا مؤقتًا. فإذا هذه الألفاظ: ﴿ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾، ﴿ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾، ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ ﴾، كل هذه الألفاظ ألفاظ الظلم بمعنى الشرك، أو الظلم الأكبر. الظلم الأكبر وهو الكفر الأكبر وهو الشرك الأكبر. وما دون ذلك من المعاصي فهو الظلم الأصغر، فهو الظلم الأصغر. وقد مثل المؤلف لهذا بأمثلة. قال: ومثال الظلم الذي دون ذلك، يعني: دون الظلم الأكبر، وهو من الظلم الأصغر، ما ذكر الله تعالى بقوله في الطلاق: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1]. فقوله: ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾، يعود على إخراج الزوج زوجته من بيته إذا طلقها طلاقًا رجعيًا، فالسنة أنها تبقى في بيته إلى أن تنتهي عدتها. فإذا أخرجها فقد خالف حدود الله، فوقع في الظلم. لكن هذا الظلم ليس هو من الظلم الأكبر؛ لأنه ليس هو من الشرك الأكبر. فهذا دليل على أن المعاصي من الظلم الأصغر، وقد أطلق الله عز وجل عليها ذلك: ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾. هذا وجه الشاهد من هذه الآية. وقال وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 231]. من أمسك زوجته للإضرار بها فهذا ظلم، لكنه ليس ظلمًا أكبر، وإنما هو ظلم أصغر؛ لأنه من جملة المعاصي. فقال: ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾، بمعنى الظلم الأصغر. فإذا الظلم: ظلم أصغر، وظلم أكبر. الظلم الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، الظلم الأكبر هو الذي يخرج صاحبه من الملة، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وهو الذي لا يغفره الله إذا لقي العبد به ربه. وأما الظلم الأصغر فلا يكون صاحبه مخلدًا في النار، ولا يكفر صاحبه كفرًا مخرجًا من الملة. واختلف أهل العلم: هل يغفر الله عز وجل الظلم الأصغر (الشرك الأصغر) أو لا يغفره إذا لقي العبد به ربه؟ فجمهور أهل العلم يرون أنه يغفر. والمراد بالآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [النساء: 48]، فسره العلماء بالشرك الأكبر. ونازع بعض أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فذهب إلى أن الآية عامة؛ لأن الفعل يؤول بمصدر نكرة، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، فعمم الحكم وقال: يشمل الشرك الأصغر والشرك الأكبر. لكن الشرك الأصغر يعذب صاحبه بقدر هذا الشرك، ثم لا يخلد في النار، وإنما يدخل بعد ذلك الجنة. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾، أي: إشراكًا به. وقول الجمهور هو الأقرب، والله تعالى أعلم؛ لأن هناك فروقًا بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. فالشرك الأكبر إذا كان لا يغفره الله، فكيف... يعني: الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار لأنه لا يغفره الله. أما الشرك الأصغر فهو من عمومات أو يدخل في عمومات المعاصي التي هي تحت المشيئة، والله تعالى أعلم. ويوضح هذه الفروق بين الشرك الأكبر، أو بين الظلم الأكبر والظلم الأصغر، الآية: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]. فأيش المراد بالظلم هنا: ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ﴾؟ جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما استشكلت هذه الآية على الصحابة، فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ يعني: فهم الصحابة من هذه الآية أن الظلم فيها هو الظلم الأصغر الذي هو ارتكاب المعاصي. فلا شك أن هذا شديد على النفوس. لماذا؟ لأنه ما من نفس إلا وتقع في شيء من المعاصي، تقع في شيء من المعاصي، لا أحد معصوم. فشقت هذه على الصحابة لأنهم فهموا الظلم فيها بأنه الظلم الأصغر، بأنه الظلم الأصغر. فقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ من الذي لا يمكن أن يقع في ظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ، ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ﴾، أَيْ: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِشِرْكٍ». ففسر الظلم في هذه الآية بماذا؟ بالظلم الأكبر، وليس بالظلم الأصغر. والظلم الأكبر والظلم الأصغر... ظلمًا... الظلم الأصغر ظلمًا... ظلم العبد لنفسه فيما يكون بينه وبين ربه، وظلم العبد لغيره فيما يكون فيه حقوق للناس، من أخذ أموالهم أو التعرض لأعراضهم ونحو ذلك. فهذا من الظلم الأصغر، لكنه من ظلم العبد لغيره. فالظلم ثلاثة أقسام: ظلم أكبر بمعنى الشرك، وظلم أصغر يندرج تحته قسمان: وهو ظلم العبد لنفسه في المعاصي الذي يكون بينه وبين الله عز وجل، كتركه لبعض الواجبات مثلًا، أو ارتكابه بعض المعاصي الخاصة كشرب الخمر مثلًا، أو نحو ذلك مما يكون بينه وبين الله، فهذا من الظلم الأصغر بين العبد ونفسه. وأما ظلم العبد لغيره فيما يتعلق فيه حقوق للخلق... فهذا خلاصة ما أراد ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. وفي الأسئلة القادمة إن شاء الله سيبين أيضًا أمثلة للفسق الأكبر والأصغر، وللنفاق الأكبر والأصغر، وأيضًا سنذكر أمثلة للشرك الأكبر والأصغر. وانتهى الوقت، نكتفي بهذا. وإلى هنا، الحمد لله رب العالمين.