الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 191، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الشيخ حافظ حكمي أن الفسق ينقسم إلى فسق أكبر مخرج من الإسلام وفسق أصغر دون ذلك. ويستدل بآيات قرآنية متعددة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ مبيناً أن المراد فيها هو الفسق الأكبر الدال على الكفر.
يشرح المقطع كيف يجمع أهل السنة بين أدلة الفسق في القرآن مفرقين بين الأكبر المخرج من الملة والأصغر كقذف المحصنات. ويستعرض آية التبيين في سورة الحجرات وسبب نزولها في الوليد بن عقبة مع مناقشة درجة حديث السبب.
يشرح المقطع قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" في آية التثبت مبيناً أن فسق المسلم بخبر غير متثبت هو فسق أصغر. ويستدل بآية الحج وحديث "سباب المسلم فسوق" على أن الفسوق هناك أصغر، منتقداً أهل البدع الذين يأخذون بعموم اللفظ دون سياق.
يبيّن المقطع أن أهل السنة يعتمدون على الجمع بين الأدلة الشرعية فيجعلون الكفر كفرين والفسق فسقين والظلم ظلمين استناداً إلى نصوص الوارد. ويختتم الدرس بالدعاء بالفقه في الدين والنفع بالعلم.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ الإمام حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الثاني والسبعون بعد المئة: ما مثال كل من الفسوق الأكبر والأصغر؟ لا يزال المؤلف يبين الأدلة في هذه الألفاظ الأربعة التي تقدمت معنا، منها الكفر والظلم، فبقي الفسق والنفاق، وكذلك الشرك. فكما أن الكفر كفران، والظلم ظلمان، فكذلك الفسق فسقان: فسق أكبر وفسق أصغر، وجاءت الأدلة بالقسمين. قال: الجواب: مثال الفسوق الأكبر ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾، والمنافقون كفار في الدرك الأسفل من النار، فدل ذلك على أن المراد بالفسق هنا الكفر الأكبر أو الفسق الأكبر. وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾، وإبليس معلوم كفره بالله رب العالمين، ففسقه فسق أكبر، فسقه فسق أكبر. وقال: وقوله تعالى: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سُوءٍ فَاسِقِينَ ﴾، وهذه الآية في قوم لوط، وقوم لوط الذين أهلكهم الله وجعل عالية بلادهم سافلها، لا شك أنهم كفار، كفروا بنبيهم، كفروا بنبيهم ولم يستجيبوا له، فكان عقبة هذا الكفر هلاكهم، وكذلك تدميرهم، فدل ذلك على أن الفسق المراد به هنا الفسق الأكبر المخرج من الإسلام. والآيات في هذا كثير، منها أيضاً قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ﴾، وما يكفر بها إلا الفاسقون، فالمراد بالفسق هنا الفسق الأكبر. فهكذا أهل السنة يجمعون بين الأدلة، فهذه الآيات دلت بمنطوقها وبمفهومها أن المراد بالفسق فيها هو الفسق الأكبر المخرج من الملة. قال: ومثال الفسوق الذي دون ذلك، أي الفسق الأصغر، الفسق الأصغر أيضاً له أدلة من الكتاب وكذلك من السنة. قال: ومثال الفسوق الذي دون ذلك قوله تعالى في القذفة: ﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾، والقذف هو من جملة المعاصي، ومن فعله لا يخرج من الملة، لا يخرج من الملة، لا يكفر، فالمراد إذن بالفسق هنا الفسق الأصغر. والمراد بالقذفة يعني من يرمي مؤمناً بالزنا، فإما أن يأتي بالبينة وهم أربعة، أو الميل في المباهلة، وإما أن يقام عليه حد القذف، يقام عليه حد القذف، فلا يجوز قذف المسلم، فهو من الفسوق، فهو من الفسوق. وقال: وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾. روي أنها نزلت في الوليد بن عقبة، والوليد بن عقبة كان كافراً، كان كافراً، وهذا الحديث الذي هو سبب نزول هذه الآية ضعفه بعض أهل العلم لضعف في طرقه، وحسنه بعض أهل العلم بمجموع الطرق، بمجموع الطرق. فعلى فرضية تحسين الحديث، تكون الآية في الفسق الأكبر، تكون الآية في الفسق الأكبر، لماذا؟ لأنها نزلت في كافر، فالمراد بالفاسق هنا الوليد بن عقبة، ففسقه فسق أكبر، وفسقه فسق أكبر. وكما يقول العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلو أن مسلماً جاء بخبر وهذا الخبر لم يتثبت فيه فقد وقع في الفسق، فالمراد بفسق المسلم إذا أتى بخبر غير متثبت فيه فهذا فسقه فسق أصغر، فسقه فسق أصغر، فيصح للمؤلف الاستدلال بهذه الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهناك أيضاً آيات أخرى جاءت بذكر الفسق والمراد به الفسق الأصغر، منها قول الله سبحانه وتعالى في الحج: ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾، فالمراد بالفسوق الفسوق الأصغر الذي يصدر من المسلم، الذي يصدر من المسلم من بعض الفسوق. وكذلك في السنة جاءت بعض الأحاديث التي فيها ذكر الفسق الأصغر، منها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، فالمراد بالفسوق في هذا الحديث الفسوق الأصغر، الفسوق الأصغر، كما أنه المراد بالكفر في هذا الحديث كما مر معنا الكفر الأصغر، الكفر الأصغر. فإذا جاءت أدلة بذكر الفسق ويراد به الفسق الأكبر، وجاءت كذلك أدلة جاء فيها ذكر الفسق ويراد به الفسق الأصغر، وأهل السنة يجمعون، يجمعون بين الأدلة، فما ورد من أعمال أطلقت على الكفار فأطلق عليها بالفسق فجعلوها من باب الفسق الأكبر، وما جاءت من آيات سياقها ولفظها يدل على الفسق الأصغر نزلوه على الفسق الأصغر. فهكذا هو المنهج السلفي في مثل هذه النصوص، بخلاف أهل البدع والأهواء، فإنهم ينظرون إلى الأدلة بعين عوراء، نعم، ينظرون فقط إلى آيات مثلاً الوعيد ويتركون آيات الوعد، وينظرون إلى عموم اللفظ ولا ينظرون إلى السباق والسياق، فوقعوا في الضلال، وقعوا في الضلال. أما أهل السنة فإنهم ينظرون إلى الأدلة بعينين مبصرتين، فيجمعون بين الأدلة، ويجعلون الكفر كفرين، والفسق فسقين، والظلم ظلمين، وهكذا. وقد وردت بكل تلك التقاسيم أدلة، سبق بعضها وسيأتي البعض الآخر، فنكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وإياكم في دينه، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر