الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 192، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف النفاق الأكبر بإظهار الإسلام وإبطان الكفر، وتدل آيات البقرة والنساء على وصف المنافقين ووعيدهم بالدرْك الأسفل من النار. ويُعتبر المنافق أخطر من الكافر الظاهر لتمكنه من خداع المسلمين والتجسس عليهم.
يُبيّن المقطع الفرق الجوهري بين النفاق الأكبر المخرج من الملة والنفاق الأصغر الواقع في فروع الإيمان مع بقاء أصله، مستدلاً بالآيات والأحاديث. ويحذر من موالاة أعداء الإسلام كما فعل ابن العلقمي والحوثيون.
يستعرض حديث الأربع خصال للنفاق الأصغر ويضيف خامسة، محذراً من أن التمادي فيها قد يؤدي إلى النفاق الأكبر. يذكر صفات المنافقين كالتثاقل عن الصلاة، قلة ذكر الله، الثقل في صلاتي الفجر والعشاء، وكثرة الحلف.
يوضح أن استهزاء المنافقين بالمؤمنين وسخريتهم منهم، كما في آية الصدقات (التوبة: ٥٨)، من الصفات الذميمة التي حذر منها الشرع. ويختتم بتحذير المؤمنين من الاقتداء بها والدعاء الختامي.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام السنة المنشورة": السؤال الثالث والسبعون بعد المئة: ما مثال كل من النفاق الأكبر والأصغر؟ قال: الجواب: مثال النفاق الأكبر ما قدمناه ذكره في الآيات من صدر البقرة، وذلك في قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ إلى آخر الآيات بعدها. فالمراد هنا به المنافقون، المراد به المنافقون، فهم الذين يقولون: آمنا بالله، أي بألسنتهم، وما هم بمؤمنين. نفى الله عز وجل عنهم الإيمان؛ لأن بواطنهم مليئة بالكفر والغيظ والكره للإسلام والمسلمين، للإسلام والمسلمين. ففضحهم الله سبحانه وتعالى. وهذا هو النفاق: النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن، مخالفة الظاهر للباطن. فإذا كانت المخالفة متعلقة بأصل الإيمان كان النفاق نفاقاً أكبر، كان النفاق نفاقاً أكبر. وهذا الذي كان عليه المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما بعد ذلك، واشتهر هؤلاء اليوم بالزنادقة الذين لربما انتسبوا إلى الإسلام، انتسبوا إلى الإسلام، لكن تجد النفاق يظهر على فلتات لسانهم، فأحياناً يأتون بكلام يدل على كفرهم، يدل على كفرهم. فكل من أظهر الإسلام وأبطن الكفر، سواء كان في الباطن مشركاً أو يهودياً أو نصرانياً أو جاحداً للربوبية، وكل هؤلاء يسمى منافقاً إذا أظهر الإسلام وأبطن هذه الكفريات، وأظهر هذه الكفريات وأبطن هذه الكفريات. فإذا هذا هو النفاق الأكبر. وقال: وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. فعلم أن المراد بهؤلاء المنافقين هم الكفار الذين نفاقهم نفاق أكبر، الذين نفاقهم نفاق أكبر؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار. والمنافق من أشد الكفار عذاباً، إذ أن منزلته في النار في الدرك الأسفل منها، وذلك لخطورة النفاق، لخطورة النفاق. فالكافر الصريح الظاهر تستطيع أن تحذره وتستطيع أن تستعد له، لكن الكافر المنافق الذي يظهر أنه معك، يظهر أنه معك، ثم يخدعك، ثم بعد ذلك يطعنك من خلف ظهرك، فهذا لا شك أنه أخطر على الإسلام والمسلمين. فلربما تجسس عليهم، ولربما تواطأ مع الكفار الظاهرين، فكان سبباً في تسلط الكفار على المسلمين. وقد أطلق العلماء في هذا العصر، في العصور التي قبله، على الرافضة بأنهم من أهل النفاق، الرافضة من أهل النفاق. وقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عدة من كتبه بهذا، وأنهم وطأوا لأعداء الإسلام الدخول إلى بلاد المسلمين. وما قصة ابن العلقمي ذلكم الرافضي الخبير عنكم بخافية، فهو الذي وطأ لهم وخان المسلمين حتى دخل التتار إلى بلاد المسلمين. ولا يزالون إلى يومنا هذا يوالون ويواطئون أعداء الإسلام ضد أهل الإسلام. ولا تغرنكم شعاراتهم الكاذبة، فقولوا: الحوثية في هذه الأيام تلك الصرخة، فهم كاذبون فيها، وأعمالهم تخالف ما يقولونه في هذه الصرخة. فقولهم: الموت لأمريكا ولإسرائيل ونحو ذلك، فهذا من الكذب، بل هم يوالون أعداء الإسلام، وأعداء الإسلام يدافعون عنهم. فكلما أوشك المسلمون على القضاء على الحوثية، ظهر هؤلاء الكفار أحياناً بحجة الأعمال الإنسانية، وأحياناً بحجة كذلك ماذا، الالتزامات الدولية وحقوق النساء والأطفال ونحو ذلك، وكل هذا من أجل أن لا يهزم هؤلاء الحوثية. فظهر أمرهم، وصدق علماؤنا أن هؤلاء الرافضة إنما هم آلة يستخدمهم الكفار من أعداء الإسلام. قال: وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. فكذبهم الله عز وجل، فهم يأتون إلى الرسول ويقولون بألسنتهم إنهم مؤمنون، ونشهد بأنك رسول الله، والله عز وجل لا يطلع على ما في القلوب، ففضحهم الله عز وجل، وبين لنبيه كذبهم، وأنهم كاذبون. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، فهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. فهذه الآيات ظاهرة في معنى الكفر الأكبر. قال: ومثال النفاق الذي دون ذلك، أي النفاق الأصغر. والنفاق الأصغر هو مخالفة الظاهر للباطن، ولكن في فروع الإيمان، وليس في أصل الإيمان. فمثلاً: مسلم عنده أصل الإسلام وأصل الإيمان، لكنه يظهر الصدق ويضمر الكذب، أو يظهر الأمانة ويضمر الخيانة، أو يظهر الوفاء بالعهد ويضمر الغدر. فهذا حكمه حكم الفسق الأصغر، مادام أن عنده أصل الإيمان. أليس اليوم من المسلمين من يكذب؟ أليس اليوم من المسلمين من يخون؟ أليس اليوم من المسلمين من ينقض العهد؟ فهل هؤلاء كلهم نكفرهم كفر أكبر ونخرجهم من دائرة الإسلام، ونحكم عليهم بأنهم منافقون نفاق أكبر؟ لا، ففرق بين النفاقين، فرق بين النفاقين. وذكر المؤلف عدة أمثلة على هذا النوع من النفاق، قال: ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة. فذكر هنا الكذب وخلاف الوعد، وكذلك نقض الأمانة، نقض الأمانة، وإذا اؤتمن خان. فهذه ثلاث صفات من صفات أهل النفاق، النفاق الأصغر، النفاق الأصغر. طبعاً هذا إذا كان عنده أصل الإيمان، أما الذي ما عنده أصل الإيمان كما تقدم معنا في القسم الأول، فلا شك أنهم يتصفون بهذه الصفات، يتصفون بهذه الصفات، فنفاقهم نفاق أكبر لما في قلوبهم من الكفر. أما من عنده إيمان ولكن عنده هذه المعاصي كسائر المعاصي، كسائر المعاصي، فهذا كفره كفر أصغر، كفره كفر أصغر، نعم، أو نفاقه نفاق أصغر، نفاقه نفاق أصغر. قال: وحديث: «أربع من كن فيه كان منافقاً». اختصر المؤلف الحديث، وهو أيضاً في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. وتمام الحديث: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً». يعني: إذا اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع كان النفاق الأصغر كاملاً. ليس معنى "خالصاً" معنى أنه نفاق أكبر، لا، وإنما المراد بقوله: كان منافقاً خالصاً، يعني: كامل النفاق الأصغر، كامل النفاق الأصغر. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها»، أي حتى يتركها، حتى يتركها. ثم ذكر هذه الأربع، قال: «إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». فإذا جمعت هذه الأربع الخصال في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مع الثلاث الخصال المتقدمة في حديث أبي هريرة، صار المجموع خمس، صار المجموع خمس. ما هي هذه الخمس؟ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، هذه الثلاث في الحديث الأول. الحديث الثاني فيه خصلتان من الخصال التي ذكرت في حديث أبي هريرة، وفيه خصلتان لم تذكر، وهي: إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. فصارت هذه الخصال خمس، صارت هذه الخصال خمس. وليس معنى قولنا أن هذه الخصال من النفاق الأصغر أن الإنسان يستهين بها، فمن اتصف بهذه الصفات واستحكمت فيه وصارت من سجيته ومن أخلاقه، فيخشى عليه من الانسلاخ من الإيمان بالكلية، ولربما انتقل من الكفر، أو من النفاق الأصغر إلى النفاق الأكبر. فيخشى المسلم على نفسه، ويحذر من التساهل والتفريط في الاتصاف بها، في الاتصاف بها. وقد قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، يعني: طريق إليه. وهكذا التساهل في خصال النفاق الأصغر قد تكون طريقاً وسبيلاً للوصول إلى النفاق الأكبر. فليس المسلم ممن يتصف بهذه الصفات، وهي صفات عظيمة. ولذلك أهل النفاق يعني يتصفون بها، أما أهل الإيمان فلا يتصفون بها. وهناك صفات أخرى للمنافقين ذكرت في القرآن وفي السنة، فمنها مثلاً: التثاقل عن الصلاة. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. هذا أيضاً من صفات أهل النفاق، أنهم ما يذكرون الله إلا قليلاً. المسلم يترفع عن أي صفة من صفات أهل النفاق. نعم، كذلك من صفات أهل النفاق: التثاقل عن صلاة الفجر، وعن كذلك صلاة العشاء، وهذه من صفاتهم أيضاً. ومن صفات أهل النفاق: كثرة الحلف، نعم، يحلفون بالله، يحلفون بالله، يحلفون بالله، في آيات كثيرة في سورة التوبة، في سورة التوبة. وهكذا من صفاتهم: الاستهزاء بالمؤمنين، الاستهزاء بالمؤمنين، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. وغيرها من الآيات. فيحذر المؤمن من مثل هذه الصفات. نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.