الدرس في التعليق على رسالة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول هذا المحور ركن القيام في الفريضة وتكبيرة الإحرام كشرط لصحة الصلاة. كما يبين أن قراءة سورة الفاتحة ركن واجب على المأموم في الصلاة الجهرية والسرية على الراجح.
يؤكد المحور وجوب قراءة الفاتحة على المأموم خلف الإمام في كل من الصلاة الجهرية والسرية مستنداً إلى الأحاديث الصحيحة. ثم يفصل أحكام الركوع والطمأنينة فيه مبيناً حدها الأدنى بوصول اليدين إلى الركبتين.
يبين المحور أن الرفع من الركوع والاعتدال منه ركن عند الجمهور مستدلين بحديث المسيء صلاته. كما يؤكد إجماع العلماء على ركنية السجود على الأعضاء السبعة والجلسة بين السجدتين مع الطمأنينة في جميع الأركان.
يشرح المحور ترتيب أركان الصلاة كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم موضحاً تسلسل التكبير والقراءة والركوع والرفع. ويشير المؤلف إلى الاكتفاء بذكر هذه الأركان المرتبة في سياق الشرح.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرّ معنا في الدرس الماضي الكلام حول أركان الصلاة، وقد ذكر شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي رحمه الله تعالى في هذه الرسالة النافعة القيمة أن أركان الصلاة أربعة عشر ركناً، وهي: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والترتيب، والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والتسليمتان. ومرّ معنا الكلام حول الركن الأول، ألا وهو القيام مع القدرة، وأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين رضي الله تعالى عنه، وقد كان اشتكى بواسير، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب»، جاء في بعضها: «أو مستلقياً». فالقيام في الفريضة يعتبر ركناً من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به إلا لعذر كمرض وخوف وغير ذلك، فإنه يعذر بذلك ويصلي حسب حاله قاعداً أو على جنب. وأما صلاة النافلة فإن القيام فيها سنة ومستحب وليس بركن، لكن كما دلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة القائم فيها أفضل من صلاة القاعد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم»، أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وكذلك الركن الثاني: تكبيرة الإحرام في أولها، وهي قول المصلي: «الله أكبر»، ولا يجزئ غيرها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل المسيء في صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر»، ومرّ معنا قوله عليه الصلاة والسلام: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». فالصلاة لا تنعقد إلا بالتكبير، والذي هو ركن هو التلفظ بالتكبير، أما رفع اليدين فهذا مستحب. وأيضاً مرّ معنا الكلام حول قراءة سورة الفاتحة، وأن الجمهور من أهل العلم على أنها ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئ قراءة آية من القرآن من أي موضع، وهي كذلك رواية عن الإمام أحمد خلافاً للمشهور عنه، واستدلوا بقوله عز وجل: ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ [المزمل: 20]، وهكذا في الحديث: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن». والجمهور استدلوا بحديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». والجمهور على أن قراءتها في جميع ركعات الصلاة واجبة، لأمره صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته، وهو خلاد بن رافع رضي الله تعالى عنه، قال له: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». وكذلك أيضاً الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة سواء كانت سرية أو جهرية، وبهذا قال جماعة من أهل العلم، وهو اختيار البخاري، وهو ظاهر اختيار الشافعي رحمه الله تعالى. قال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في معرفة السنن والآثار بسنده إلى الربيع: قال الشافعي رحمه الله تعالى: «لا تجزئ صلاة المرء حتى يقرأ بأم القرآن في كل ركعة، إماماً كان أو مأموماً، كان الإمام يجهر أو يخافت، فعلى المأموم أن يقرأ بأم القرآن فيما أخفت الإمام أو جهر». قال الإمام الربيع: «وهذا آخر قول الشافعي سماعاً منه، وقد كان قبل ذلك يقول: لا يقرأ المأموم خلف الإمام فيما يجهر الإمام فيه، ويقرأ فيما يخافت فيه». زاد على هذا في كتاب البويطي فقال: «وأحب إليّ أن يكون ذلك في سكتة الإمام». انتهى، والإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى في كتابه الأوسط ذكر أن ممن مذهبه هذا المذهب: ابن عون، والأوزاعي، وأبو ثور، وغيرهم من أصحاب الشافعي. وهذا القول رجحه العلامة الصنعاني اليماني كما في سبل السلام، وكذلك الشوكاني اليماني كما في نيل الأوطار، وأفتت بذلك اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث العلمية، وهو ترجيح العلامة ابن عثيمين كما في الشرح الممتع، وكذلك شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي، وكذلك شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني، رحم الله الجميع. واستدل على ذلك بحديث عبادة المتقدم، وبما رواه الإمام أحمد في مسنده عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعلّكم تقرؤون خلف الإمام والإمام يقرأ؟» قالوا: إنا لنفعل ذلك. قال: «فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بأم الكتاب». قال شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين: «هذا حديث صحيح». وأجاب عن استدلال الجمهور بأن المأموم لا يقرأ خلف الإمام، استدلالهم بالآية، وهكذا أيضاً بالحديث السابق في النهي عن القراءة خلف الإمام، بأنهما عامّان ومخصوصان بالأدلة التي تقدمت في وجوب قراءة الفاتحة. فالمأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام سواء كانت الصلاة سرية أو كانت الصلاة جهرية. وقد ذكر رحمه الله تعالى ذكر تفسيراً مختصراً لآيات سورة الفاتحة، وهي تعتبر فوائد ونفائس ينبغي أن يعتنى بها، وأن يحرص المسلم على تدبرها وتأملها. كذلك قال رحمه الله تعالى: «والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين». وقال: والدليل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾ [الحج: 77]، والحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم»، يشير إلى حديث ابن عباس، وفي بعض الروايات: «على سبعة أعضاء». وقال: «والطمأنينة في جميع الأفعال، والترتيب بين الأركان». وقال: والدليل حديث المسيء صلاته عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، فعلها ثلاثاً، ثم قال الرجل الذي أساء في صلاته، وسبق معنا أنه خلاد بن رافع رضي الله عنه: «والذي بعثك بالحق نبياً لا أحسن غيرها، أو لا أحسن غير هذا، فعلمني». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». وقوله رحمه الله تعالى هاهنا: «والركوع»، فالركوع يعتبر ركناً من أركان الصلاة، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ركنية الركوع، ومما نقل ذلك الإمام ابن عبد البر، وهكذا ابن قدامة، والنووي. واستدلوا أيضاً بقوله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً». وأدنى الواجب هو الطمأنينة في الركوع، وعدم الاستعجال فيه، وأدنى ما يقع به الطمأنينة في الركوع هو أن ينحني بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه. وهكذا أيضاً يأتي بالذكر الوارد ولو مرة واحدة: «سبحان ربي العظيم»، أن يأتي بالذكر ولو مرة واحدة. وذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في أدنى ما يقال عنه بأنه ركوع، قال كما في المغني: «والواجب من ذلك الانحناء بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه، قال: لأنه لا يخرج عن حد القيام إلى الركوع إلا به». وذكر النووي رحمه الله تعالى في كتابه المجموع: «فرع في مذاهب العلماء في حد الركوع، قال: مذهبنا أنه يجب أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه»، إلى أن قال: «وبهذا كله قال مالك، وأحمد، وداود، وقال أبو حنيفة: يكفيه أدنى انحناء». انتهى كلامه رحمه الله، وما ذكر من قول الجمهور هو الصواب والله تعالى أعلم. وقوله: «والرفع منه»، أي الرفع من الركوع، كذلك يعتبر ركناً، وهذا في قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: لا يجب، بل لو انحط من الركوع إلى السجود أجزأه. وعن مالك روايتان كالمذهبين، واحتج لهما بقوله تعالى: ﴿ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾. قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: «واحتج أصحابنا» -أي على أن الرفع من الركوع إلى الاعتدال يعتبر ركناً من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به- «بحديث المسيء صلاته»، وفي حديث المسيء صلاته النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له: «وارفع حتى تعتدل قائماً». هكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقول الجمهور هاهنا هو الصواب لما سبق. وقوله: «والسجود على الأعضاء السبعة»، والسجود ركن من أركان الصلاة، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك، وممن نقله ابن عبد البر، وابن قدامة، والنووي وغيرهم. ذكر ذلك أيضاً الإمام ابن المنذر في كتابه الإجماع، وهكذا ابن حزم كما في مراتب الإجماع، كلهم نقلوا الاتفاق والإجماع على أن السجود يعتبر ركناً من أركان الصلاة. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾، وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين». وذهب جمع من أهل العلم إلى أن السجود على الأعضاء السبعة يعتبر واجباً، والذي يظهر أن الوجوب هاهنا بمعنى الركنية. وكذلك أيضاً الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع ذكر إجماع المسلمين على وجوب السجدة الثانية، أن السجدة الثانية أيضاً تعتبر واجبة. ونقل الفقهاء على أن أكمل السجود هو السجود على الجبهة مكشوفة بدون حائل، واختلفوا في صحته بحائل على قولين مشهورين لأهل العلم، فالجمهور من أهل العلم على صحة السجود وصحة الصلاة، وفي قول للشافعي وأحمد في رواية عنه، وداود، وبه قال الإمام ابن القيم: ذهبوا إلى أنه باطل. والراجح هنا هو قول الجمهور. جاء في حديث أنس في صحيح البخاري قال أنس: «كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف ثوبه في شدة الحر في مكان السجود»، ومن المعلوم أنهم قد أجمعوا على جواز تغطية القدمين بالنعال والخفاف، فما بال ذلك لا يؤثر على صحة الصلاة. كذلك أيضاً ما إذا غطيت الجبهة بعمامة ونحوها، فالصحيح أن ذلك لا يؤثر على الصلاة. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس أرشد إلى السجود على هذه الأعضاء السبعة. وقال: «والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين». الاعتدال من السجود هو الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين، والجمهور من أهل العلم على وجوبه، وخالف أبو حنيفة ومالك فقالا: لا يجب، وإنما يجب الفصل بين السجدتين. والصحيح هنا هو قول الجمهور: أن الرفع من السجود والاعتدال منه والجلوس بين السجدتين يعتبر ركناً من أركان الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته: «ثم ارفع» -أي من السجود- «حتى تطمئن جالساً». قال الإمام ابن دقيق العيد كما في شرح العمدة: «وهذا الرفع لا بد منه لأنه لا يتصور تعدد السجود إلا به، بخلاف الرفع من الركوع فإن الركوع غير متعدد». وسهى بعض الفضلاء فذكر ما ظاهره الخلاف. وقال: «والطمأنينة في جميع الأفعال»، يعني في جميع الأركان، والطمأنينة هي السكون، وتكون بقدر القول الواجب في كل ركن، قدره بعض العلماء بالتسبيحة. والقول بأن الطمأنينة ركن في الصلاة هو قول الجمهور من أهل العلم، خلافاً لأبي حنيفة الذي قال بعدم وجوب الطمأنينة. والصواب هو ما ذهب إليه الجمهور لأمر النبي صلى الله عليه وسلم للرجل المسيء في صلاته بإعادة الصلاة لتركه الطمأنينة فيها. وقال: «والترتيب بين الأركان»، وذلك لأمره صلى الله عليه وسلم بفعل هذه الأركان مرتبة، وذلك بقوله: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً» الحديث. فهذه جملة من هذه الأركان التي بيّنها المؤلف رحمه الله تعالى، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.