التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 30

التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 30

الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

اسم الله الغني ومعنى غناه المطلق

يشرح المقطع اسم الله "الغني" الوارد في ثمانية عشر موضعاً من القرآن، مبيناً أن الله غني بذاته وكماله لا يحتاج إلى خلقه بخلاف المخلوق الفقير المحتاج. ويؤكد أن طاعة الطائعين لا تنفعه ومعصية العاصين لا تضره مستدلاً بالحديث القدسي الذي يوضح أن إيمان الخلق أو كفرهم لا يزيد في ملك الله ولا ينقص.

كمال غنى الله وفقر العباد الذاتي

يوضح المقطع أن الله سبحانه غني بذاته لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، بل النفع والضرر يعودان على العبد وحده. ويؤكد أن الفقر صفة ذاتية للإنسان لا تزول مهما ملك، بينما الغنى صفة ذاتية لله، فمن عرف ربه بالغنى عرف نفسه بالفقر إليه.

معرفة العبد لصفات الله وأثرها في شعوره بالفقر والمسكنة

من عرف ربه بالغنى المطلق والقدرة التامة والعز التام والعلم التام أدرك فقره وعجزه ومسكنته وجهله، وأدرك حاجته المطلقة إلى الله في كل شؤون حياته. هذه المعرفة توجب التواضع والخضوع لله، وتمنع التكبر على الخلق، لأن كل ما يملكه العبد من الله وقابل للسحب في أي لحظة.

أثر علم العبد بافتقاره إلى الله على استقامته وفلاحه

عندما يتيقن العبد أنه فقير إلى الله، يزول عنه الكبر والتقاعس، فيلتزم الفرائض ويبتعد عن المحرمات. وهذا العلم بالافتقار يكون سببًا لصلاحه واستقامته، مما يؤدي إلى فلاحه ودخول الجنة والنجاة من النار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: اسم الله "الغني"، وقد ورد هذا الاسم في ثمانية عشر موضعًا من القرآن. قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فهو تبارك وتعالى الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات، لكماله وكمال صفاته التي لا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه. فهو جل وعلا الغني بذاته، وهو المقيم لنفسه والمقيم لغيره، فلا يحتاج إلى أحد من الخلق في إعانته، ولا في أن يكون له ظهيرًا أو معينًا. بخلاف هذا المخلوق الضعيف العاجز، لا يستغني عن غيره حتى في ذاته: أولًا لا يستغني عن خالقه وربه، وثانيًا لا يستغني عن غيره من الناس أن يعينوه، سواء كان في حمل الأشياء الثقيلة، أو في علاج ما قد يصيبه من أمراض وأسقام تضعف بدنه وتضعف جسده. وهذا لضعفه وعجزه، إخلافًا للخالق سبحانه وتعالى. ولله جل وعلا المثل الأعلى، فهو الغني جل وعلا بذاته، لا يحتاج إلى أحد من خلقه، لكماله وكمال صفاته. قالوا: من كمال غناه أنه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين. فلو آمن أهل الأرض كلهم جميعًا ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو كفروا جميعًا لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا. وكما جاء في صحيح الإمام مسلم، في الحديث القدسي الذي يقول الله عز وجل فيه: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا». وذلك لكمال غناه سبحانه وتعالى. لا تنفعه طاعة الطائعين، فالطائع والمطيع لله سبحانه وتعالى، الذي يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويفعل الخير والبر، إنما ينفع نفسه بذلك، فلا تنفعه... ما تنفع رب العالمين سبحانه وتعالى طاعة الطائعين. كما أنه لا تضره معصية العاصين، فهذا العاصي والفاجر الذي يرتكب المعاصي ويرتكب الذنوب ويرتكب الفجور، لا يضر الله سبحانه وتعالى شيئًا، وإنما يضر نفسه. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. من عمل صالحًا فلنفسه وينفع نفسه بذلك، ومن أساء فعليها فهو أيضًا يسيء إلى نفسه ويضر نفسه بذلك. وهذا كله لكمال غناه سبحانه وتعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله. الفقر في الإنسان صفة ذاتية لا تنفك عنه، فهو فقير إلى ربه وخالقه، ولو ملك هذه الدنيا بما فيها. ولو ملك هذه الدنيا بما فيها فهو فقير إلى ربه وخالقه. والغنى صفة ذاتية لا تنفك عن الله سبحانه وتعالى، فالغنى صفة الله عز وجل الذاتية، والفقر صفة هذا الإنسان الذاتية. مهما ملك من هذه الدنيا ما ملك، فهو فقير إلى ربه وخالقه، والله هو الغني الحميد. قال: فمن عرف ربه بهذا الوصف العظيم عرف نفسه. من عرف ربه بهذا الوصف العظيم عرف نفسه، أي عرف حقيقة نفسه وأنه فقير إلى ربه وخالقه. قال: من عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، أي بكل معاني الفقر، فهو بحاجة إلى ربه سبحانه وتعالى في إعانته، في استقامته، في تقويته، في طعامه، في شرابه، في مأكله، في مسكنه، في مدخله، في مخرجه، في عمله، في جميع أمور حياته، فقير إلى ربه وخالقه. قال: ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام. إذا عرفت أن الله له القدرة التامة، فلا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، علمت أنك عاجز عجزًا تامًا، وأنت بحاجة عظيمة إلى تقوية الله عز وجل لك، إلى تقوية الله سبحانه وتعالى لك، وإلى إعانة الله سبحانه وتعالى لك. قال: ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة. إذا كان الله عز وجل له العزة كاملة سبحانه وتعالى، لكمال غناه، فتعترف بأن نفسك تستحق المذلة، أن تكون ذليلة خاضعة، أن تكون متواضعة لربها وخالقها سبحانه وتعالى، فلا تتكبر على الله، ولا تتكبر على خلق الله سبحانه وتعالى. فكل ما تملكه هو من الله سبحانه وتعالى، وكل ما في يدك هو منه، من الله جل وعلا. قادر سبحانه وتعالى أن يأخذها منك في لحظة، وأن يقلب حالك من غنى إلى فقر، ومن قوة إلى ضعف، ومن عزة إلى ذلة، لأن الأمر كله بيده سبحانه وتعالى. قال: ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل، وأنه بحاجة عظيمة إلى العلم، وأن يفتح الله سبحانه وتعالى عليه من أبواب العلم ما يرفع به الجهل عن نفسه. قال: وعلم العبد بافتقاره إلى الله، الذي هو ثمرة هذه المعرفة، هو عنوان سعادة العبد وفلاحه في الدنيا والآخرة. إذا علم العبد يقينًا أنه فقير إلى الله سبحانه وتعالى، لم يتكبر على الله، ولم كذلك يتقاعس عن عبادة الله سبحانه وتعالى، سيكون ملازمًا للفرائض، محافظًا على الواجبات، مبتعدًا عن المحرمات. فعلمه بافتقاره إلى الله سبحانه وتعالى هو سبب عظيم لصلاحه واستقامته، التي ستكون سببًا في فلاحه وفي فوزه بجنة الله سبحانه وتعالى، والنجاة من ناره عز وجل. نكتفي بهذا القدر لهنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.