الدرس في خطبة قصة قاتل المائة نفس، خطبة قصة قاتل المائة نفس ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الدرس بالثناء على الله والصلاة على النبي، ويحث على تقوى الله ويشدد على أهمية الاقتداء بالقرآن والسنة. كما يشير إلى أهمية قصص القرآن في توجيه المؤمنين.
يستشهد بآية من القرآن ويبدأ في سرد قصة رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا من بني إسرائيل، مشيرًا إلى أهمية هذه القصص في توجيه المؤمنين وتعليمهم الدروس والعبر.
يتناول الدرس قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وتاب، مشيرًا إلى رحمة الله وسعة مغفرته لمن يتوب إليه. كما يشدد على أهمية التوبة والإنابة إلى الله وعدم اليأس من رحمته.
ينبه الدرس إلى خطورة النفس الأمارة بالسوء وظهور دعاة السوء والعلماء المضلين، ويشدد على ضرورة سعي العبد لإصلاح نفسه والاستعانة بربه على تقويمها.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا أن الله جل وعلا قد ذكر في كتابه، وأن نبينا صلى الله عليه وسلم قد بيَّن في سنته قصصًا عن أقوام وأعيان كانت في طيات حياتهم وفي أنماط سلوكهم عبرة وعظة وتسلية وتذكرة لأهل الإسلام والإيمان. قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ولو أن أهل الإسلام أقبلوا على قصص القرآن والسنة لوجدوا فيها الكفاية والغنى، واستروحوا لها نفوسهم، وانشرحت لها صدورهم. كيف لا وهي من وحي السماء؟ وإنني، عباد الله، في هذا المقام أستعرض قصة من القصص النبوي، قصها نبينا صلى الله عليه وسلم لأصحابه وبينها لأمته تربيةً لهم وتسليةً، وهو ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا...». فيا سبحان الله، أي رجل هذا الذي بلغ من جرمه وإجرامه أن سفك هذه الدماء الكثيرة وأزهق هذه الأرواح العديدة؟ ناهيك عما خلف لأهلها من أحزان وأتراح. لكن، عباد الله، لا غرابة، فإن هذه نتيجة حتمية لحال من أطلق لنفسه العنان بفعل ما تشتهي وتريد، فإنها تهوي بصاحبها إلى الدرك الأسفل من الضلال. قال سبحانه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. وها نحن، يا عباد الله، نسمع من هنا وهنا عن أحوال أناس من أمة الإسلام صدرت عنهم أقوال وأعمال وأفعال لا يُظن أنها تخرج من رجل رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا. عباد الله، إنها النفس الأمارة بالسوء، متى ما استحكمت بالعبد فإنها تهوي به إلى الضلال والفساد، ومن ثم إلى النار وبئس المهاد. وقد بيّن ربنا عز وجل عظم أمر هذه النفس، وأن سعادة العبد في الدارين إنما يكمن في إصلاح نفسه أو في إفسادها. قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. وقد كان من دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان يسأل ربه في أن يعينه على إصلاح نفسه وعلى تقويمها، فكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». ثم قال نبينا عليه الصلاة والسلام عن هذا الرجل: «ثم إنه سأل عن أعلم أهل الأرض»، أي أن هذا الرجل الذي قتل تلكم الأنفس سأل عن من يعينه على الخروج من هذه الذنوب والموبقات. وهكذا، عباد الله، حال أهل الشهوات والمنكرات، فإنهم مهما انغمسوا في ملذات وانغمسوا في شهوات ومنكرات، فإنما تغمرهم النشوة في فترة محدودة، ثم بعد ذلك يتبعهم الضيق والكآبة والملل. قال نبينا صلى الله عليه وسلم عن هذا الرجل: «أنه سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فأخبره بخبره: أني قتلت تسعة وتسعين نفسًا، فهل لي من توبة؟ فقال هذا الراهب: لا. فقام هذا القاتل فقتله، فكمل به المئة». هكذا، يا عباد الله، نال هذا الراهب هذا الجزاء عندما تجرأ على الفتيا بغير علم. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن من أسباب ضلال المجتمعات ظهور وبزوغ وانتشار أولئك الدعاة والعلماء من دعاة السوء والضلالة. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدى عذر رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلا زال، عباد الله، في ذكر تلكم القصة والتي قصها علينا نبينا صلوات ربي وسلام عليه، وفيها بيان حال ذاك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، وأنه أراد التوبة فسأل عن أعلم أهل الأرض. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «فدل على عالم، فأتى وأخبره عن حاله أنه قتل مئة نفس، فهل من توبة؟ فقال هذا العالم: نعم، ومن ذا الذي يحول بينك وبين التوبة؟ لكن انطلق إلى قرية كذا وكذا، فإن بها قومًا يعبدون الله جل وعلا، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإن أرضك أرض سوء». يا سبحان الله، تأملوا، عباد الله، في فتاوى العلماء الذين رسخت أقدامهم في العلم الشرعي، كيف أن الله سبحانه وتعالى جعل في أقوالهم وفي فتاويهم وفي إرشاداتهم النور والهداية للبشرية كافة. عباد الله، كم من صفات، كم من خلال، كم من خصال اتصف بها هذا العالم، والكثير ممن ينتسب إلى العلم لربما ما تحصل عليها. فهذا العالم قد اتصف بالعلم وبرسوخه بالعلم، وهو من أعلم أهل الأرض. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله سبحانه وتعالى. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط». ثم أتاهم ملك بصورة آدمي، فحكم بينهم أن قيسوا بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فالحقوه به. فقاسوا بين الأرضين، فوجدوه أقرب للقرية التي أراد، وفي رواية: أنه رأوه أقرب للبلدة الطيبة بمقدار شبر. يا سبحان الله، ما أعظم سعة رحمة الله سبحانه وتعالى. أمره، عباد الله، كيف أن الله سبحانه وتعالى غفر لهذا العبد الذي فعل تلك الجرائم، غفر ربنا له ذلك عندما أقبل على ربه سبحانه وتعالى، تائبًا من ذنوبه، طامعًا في ثوابه ومغفرته، راجيًا في رحمته سبحانه وتعالى. فتقبله ربه في الصالحين، وجعله من أهل الجنة، حيث أن ملائكة الرحمة قبضت روحه، والحقته بالرفيق الأعلى. نعم، يا عباد الله، أقبلوا على ربكم سبحانه وتعالى، يا عبد الله، يا من أسرفت في الذنوب، ويا من أسرفت بالمعاصي، أقبل على ربك، فإن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده. قال جل في علاه: ﴿وَقُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. أقول قولي هذا، وأسأل مولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.