الدرس في كتاب الطهارة 11، الدرس الحادي عشر:فيه ( ما يؤخذ من الحديث ... فقد جعلهما حديثاً واحداً لاتحاد سندهما ولكنهما في الموطأ وعند مسلم حديثان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرح وجوب الاستنشاق والاستنثار في الوضوء، معتمدًا على أحاديث نبوية وآراء أهل العلم. يُبرز أهمية هذه الأفعال خاصة عند الاستيقاظ من النوم.
يناقش هذا الفصل حكم بقاء النجاسة بعد إزالتها، حيث يرى أن زوال عين النجاسة يزيل حكمها دون الحاجة للغسل، مستندًا إلى أحاديث نبوية وأقوال أهل العلم.
يتناول هذا الفصل بعض أحكام الوضوء مثل نقض النوم العميق للوضوء، وغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة والاستنشاق أثناء الوضوء، اعتمادًا على الأحاديث النبوية وتفسيراتها.
يشير هذا الفصل الختامي إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مما يوحي بأن الفهم الكامل للأمور يحتاج إلى إدراك أوسع لا يملكه إلا الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال: ما يأخذ من الحديث، قال: وجوب الاستنشاق والاستنثار. قال النووي: فيه دلالة ظاهرة على أن الاستنثار غير الاستنشاق. يقول رحمه الله: أن مما يأخذ من هذا الحديث وجوب الاستنشاق والاستنثار، والاستنشاق هو إدخال الماء، والاستنثار هو إخراج الماء. وهذه المسألة هي المسألة السادسة من مسائل هذا الحديث في حكم الاستنشاق والاستنثار. وقد اختلف أهل العلم فيه على أقوال كثيرة، فمنهم من ذهب إلى وجوبهما جميعًا، كما ذكر المؤلف رحمه الله، ويرجع إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ومنهم من ذهب إلى وجوب الاستنثار دون الاستنشاق أو العكس، ومنهم من ذهب إلى استحبابهما جميعًا. وظاهر الحديث يدل على الأمر به، كما جاء في لفظ حديث أبي هريرة: «فليستنشق بمنخريه من الماء». والأصل في الأمر أنه للوجوب، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك المضمضة والاستنشاق في شيء من وضوئه. وقد أمر الناس أن يأخذوا عباداتهم من النبي عليه الصلاة والسلام، بل قال عليه الصلاة والسلام في حق الصائم: «بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». يعني لم يرخص له بتركه، ولكن لا يبالغ. فهذا هو الأحوط أن الإنسان يحرص على الاستنشاق والاستنثار، الاستنشاق إدخال الماء، والاستنثار إخراج هذا الماء، ولو مرة واحدة، لما ثبت في حديث ابن عباس، وسيأتي إن شاء الله أنه توضأ عليه الصلاة والسلام مرة مرة، ومنه أنه استنشق واستنثر مرة. ويتأكد هذا الاستنشاق والاستنثار إذا استيقظ الرجل من نومه، كما جاء في الصحيحين في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء ثلاثًا». وفي رواية: «ثلاث مرات». يعني إذا قام الإنسان من نوم عميق يفقد معه العقل، فإنه يستنشق ثلاث مرات، ليس مرة واحدة. لما جاء في هذا الحديث وعلل: «فإن الشيطان يبات في خياشيمه». الشيطان يبات في خيشومه، فمن حكمة التثليث إخراج بقايا الشيطان في الخياشيم. وقد ذكر أهل الطب الحديث أن جوف الخيشوم هو أكبر موضع في الرأس، فهو من حيث المعقول معقول المعنى أن يكون مأوى للشيطان، وتجتمع به خبائث كذلك حسيًا، خصوصًا مع نوم الإنسان. فتأكد عند ذلك أن يستنثر ثلاثًا إذا استيقظ من النوم. وقد بوب أبو عوانة رحمه الله تعالى في مسنده بابًا يدل على هذا المعنى، وأنه يتأكد ويجب إذا استيقظ من نومه، وبين العلل في ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال رحمه الله تعالى ثانيًا: أن الأنف من الوجه في الوضوء، أخذًا من هذا الحديث مع الآية: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾. يعني أن الوجه ليس ما ظهر فقط، بل ما ظهر وما يمكن أن يصل الماء إليه مما بطن كالأنف والفم. لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين صفة الوضوء، والله عز وجل أمرنا أن نأخذ منه عليه الصلاة والسلام أحكام الدين. ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوه﴾، ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، ﴿إن تطيعوه تهتدوا﴾، ونحو ذلك. قال ثالثًا: مشروعية الإيثار لمن استنجى بالحجارة. قال المجد في المنتقى: وهو محمول على أن القطع على وتر سنة فيما زاد على الثلاث. يعني في الثلاث واجب، وما زاد على الثلاث وترًا فهو سنة. ومن استجمر فليوتر. يعني يجعلها ثلاثًا، وهو أقل شيء. لما روي في حديث ابن مسعود في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك. يعني لا يقل عن ثلاث. ومعنى حديث سلمان -وسيأتي معنا إن شاء الله بباب الاستطابة- فإذا لم ينقوا المكان ما تنقى احتاج أن يزيد: «فليزيد وترًا: خمسًا، سبعًا، تسعًا، إحدى عشر، ثلاثة عشر». ونحو ذلك من غير غلو ولا إضرار. قال الرابع: قال ابن حجر: استنبط قوم من الحديث أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة مع بقاء أثر النجاسة عليه. قوله: أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة. يعني في إزالة النجاسة بغير الماء. وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم. والصحيح أن الشرع لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع. فزوال عين النجاسة يزول به حكمها. زوال عينها يزول به حكمها. مثلًا لو أن رجلًا أصابته نجاسة في رجله ومسحه بمنديل وزال أثره من لون وريح وطعم، هل يبقى شيء من النجاسة وحكمها؟ الجواب: لا. ما يبقى؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وهذا هو الصحيح، ويدل عليه أدلة كثيرة، منها هذا الدليل، ومنها استخدام الصحابة رضي الله تعالى عنهم للشفرات، فيكتفون بغير غسلها، بل بمسحها أن تمسح. ومسحها إزالة للنجاسة. وهكذا كذلك قوله في حديث أم سلمة في الثوب -ثوب المرأة الذي تسدل ذراعًا- قال: «شبرًا». قال: «إذن تنكشف أقدامهن». قال: «ذراعًا». فسئل عليه الصلاة والسلام على ما يصيبه من نجاسة، قال: «يطهره ما بعده». فدل على أن زوال عين النجاسة زوال لحكمها من دون اشتراط الغسل. ويدل عليه كذلك حديث النعلين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فلينظر، فإن كان فيهما أذى فليغسلهما». فدل على أن النعل قد يصيبه أذى، ومع ذلك إذا لم يجد أثر الأذى فالنعل طاهر. كيف طهر؟ هل طهر بغسل؟ الجواب: لا. ما طهر بغسل. طهر بماذا؟ طهر بمروره على ما بعده، فزال عين النجاسة. والشرع لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع. وهذا هو الصواب، وهو الذي رجحه عدد من أهل العلم، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. قال خامسًا: مشروعية غسل اليد من نوم الليل. وتقدم الخلاف في تخصيص الليل، والخلاف في وجوب الغسل أو استحبابه، وسبق الكلام على ذلك على التفصيل الذي تقدم. قال سادسًا: وجوب الوبوء من النوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوبوء، وصح عنه من غير وجه أن الوبوء من النوم واجب. وأن النوم الذي يغيب معه العقل ناقض للوضوء. فروي: «العينان وكاء السه». واختلف في تصحيحه، ومعناه صحيح. يعني العينان غطاء الفتحة، فإذا نامت العينان -إن فتحت الفتحة- أي حصل للإنسان بذهاب عقله ما ينقض وضوءه من خروج الهواء أو غير ذلك. وهكذا كذلك في حديث صفوان بن عسال في المتفق عليه: «ولكن من غائط أو نوم أو بول». فصار النوم من الحدث الأصغر. ونقول: النوم الذي يذهب معه العقل؛ لأنه صح كذلك في حديث عمر -وسيأتي- أنه ربما نعس بعض من ينتظر صلاة العشاء لتأخر النبي عليه الصلاة والسلام من نساء وأطفال وضعفة، فتخفق رؤوسهم. فيخرج النبي عليه الصلاة والسلام ويصلي بهم، ولا يؤمر أحد بوضوء. لا يؤمر أحد بوضوء. فدل على أن النعاس وما كان بمعناه من الإغفاءة التي يدرك صاحبها ما حوله لا ينقض الوضوء. أحيانًا تمتد تنتظر وقت إقامة الصلاة، أو أنت في المسجد، أو تنتظر أذان الفجر حتى يؤذن وتمشي إلى المسجد، فتحصل لك إغفاء، لكنك تدرك ما حولك. إن كلمك إنسان ترد عليه، إن طرق عليك أحد الباب سمعته، إن أذن المؤذن سمعته. هذا لا يوضئ. لا ينقض الوضوء. وأما إذا غفلت ما دريت إلا وقد أذن ولم تسمع الأذان، فهنا لابد من الوضوء. فرق بين هذا. وينتبه لهذا في مواضع تختلف في أحوال الناس، مثل انتظار الناس لصلاة الجمعة. بعض الناس يستحي من الناس ولا يستحي من الله، ما شاء الله ينام حتى يشخر في صلاة الجمعة يشخر شخير والخطيب يخطب. ثم إذا قام الخطيب ونزل وقامت الصلاة قام. وربما استدل ببعض قول أهل العلم أنه نام متمكنًا. لا. ليس العبرة بالنوم متمكن. أولًا لأن التمكن أمر نسبي، التمكن أمر نسبي، ليس كل الناس ما شاء الله إذا جلس كما يقولون تربت. لا. بعض الناس يجلس ومع ذلك توجد له فتحات. فليس الناس سواء. وأمر آخر أن هذا أمر تعبدي جاء في الشرع أن النوم العميق ينقض الوضوء، وليس الحكم دائمًا يكون مقترنًا بسببه؛ لأن السبب قد يخفى ويغمض. وما كان فيه غموض وخفاء فقد يكون الحكم متعلقًا بوصفه سواء تحقق السبب أو لم يتحقق. وهو مما يمنع منعا سدًا للذريعة، مثل كثير من الممنوعات التي منعت منها الإنسان لأجل هذا المعنى. فإذا تحقق وصف غياب العقل فإنه ينقض الوضوء. قال سابعًا: النهي عن إدخال اليد في الإناء قبل غسلها. وهو إما للتحريم أو للكراهية على الخلاف وجوب الغسل أو استحبابه. والصحيح أنه إذا كان الماء قليلًا فإنه قد يصل إلى التحريم، وإذا كان كثيرًا فإنه إن كان راكدًا فهو يكره، وإن كان متحركًا فلا بأس. لما سيأتي من الأدلة الدالة على معنى ذلك. وإن هذا التفصيل الثلاثي هو الذي دلت عليه الأدلة، إعمالًا لكل الأدلة التي وردت في هذا الباب. وإن كان هذا الماء لا يتحرك ثقيل وليس عنده ما يحركه فإنه يترك. أرأيت كما روي عن ابن عمر أن رجلًا قال له: أرأيت؟ قال: دع أرأيت. يعني امتثل أمر النبي عليه الصلاة والسلام. لا تدخل يديك في الإناء. وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه: أنكر على من زعم أن عندهم ثور -يعني من حجر- فلا يستطيعون أن يكفأوا بالماء. فإنه يستطيع أن يأخذ بطرف عمامته، بطرف ثوبه، ولو يأخذ بفمه إذا لم يستطع إلا أن يأخذ أخذ بفمه وصب على يديه وغسله. والأمر غير صعب. قال ثامنًا: الظاهر من تعليل مشروعية غسلها النظافة. وهكذا كذلك عدم التلويث الحسي والمعنوي كما تقدم، حتى لا يلوث الماء حسيًا أو معنويًا. معنويًا بدخول بعض الأسقام والأخباث. وتقدر الناس. وحسيًا بما يبقى من أثر الأيدي في الماء. قال: ولكن الحكم للغالب، فيشرع غسلها، ولو حفظها بكيس ونحو ذلك. يعني لو لبس قفازين، هل نقول أنه لا بأس أن يدخل يديه في الإناء؟ الجواب: لا. أولًا لأن القفاز قد يتحرك. وثانيًا قد يخرج من اليد نفسها أشياء. ليس العبرة بما يرد إليها، بل ربما بما يخرج منها. هي نفسها قد يخرج منها أشياء. وهذا هو الواقع. قد يحصل ببقايا بعض الأكل وتخمره في اليد ما يكون سببًا للضرر. فلهذا ولغيره ينبغي امتثال ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بغسلها. قال تاسعًا: قوله: «وإذا استيقظ» ظاهره أنه حديث واحد كما في البخاري، فقد جعلهما حديثًا واحدًا لاتحاد سندهما. ولكنهما في الموطأ وعند مسلم حديثان. يعني قوله: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلها أو يدخلهما». على روايتين إلى آخره. هذا في حديث آخر كما مر معنا بعضه، وقلنا أن هذا اللفظ الذي مر معنا أقرب الألفاظ. ولفظ الإمام البخاري وهو في حديث واحد. فقول المؤلف رحمه الله أنه لم يرد في حديث واحد. نقول: نعم. قد يصح إذا أراد بنفس اللفظ الذي ذكره المؤلف. أما بما سبقت الإشارة إليه من لفظ البخاري ونحوه لفظ مسلم، فإنه قد ورد. بقي الكلام على المضمضة، فيقال في المضمضة ما قيل في الاستنشاق. يعني أن الأحوط أن يتمضمض الإنسان، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر به في حديث لقمان بن صبرة. والظاهر أن الحديث قابل للتحسين. قابل للتحسين. وقد حسنه شيخنا رحمه الله، وكان مترددًا فيه. أي الوادعي. والشيخ العلامة العلماني رحمه الله كذلك حسنه أو صححه في مجموعة من كتبه. وأما ما جاء في رواية اللفظ الذي أورده المؤلف من: «توضأ فليستنشق». فكما نبه أنه لم يصح هذا اللفظ. فليس في الصحيحين، بل رواه الدارقطني عن سليمان بن موسى مرسلًا. ورواه عن عائشة مركبًا. وصحح المرسل. وفي لفظ له: «فليتمضمض وليستنشق». من توضأ فليتمضمض وليستنشق. ولكنه لا يصح بهذا اللفظ. وحديث لقمان بن صبرة يغني. نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.