رسالة زجر السفهاء 7

رسالة زجر السفهاء 7

الدرس في رسالة زجر السفهاء 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

القاعدة التاسعة: العلماء غير معصومين وأخطاؤهم قليلة

توضح القاعدة التاسعة أن علماء السنة بشر غير معصومين، ويجتهدون فيصيبون ويخطئون، فأخطاؤهم قليلة قياساً بكثرة صوابهم، ويجب غفران زللهم وعدم اتباعهم في خطئهم مع الرجوع إلى الحق عند تبين الدليل.

موقف المسلم من زلة العالم وخطئه

يجب على طالب الحق عدم الأخذ بزلة العالم ولا الاعتماد عليها لأنها مخالفة للشرع، كما حذر الأئمة من تتبع نوادر العلماء، وفي المقابل يجب العدل في الحكم على العالم المخطئ بعدم إسقاط مكانته أو التشنيع عليه، بل يُعتذر له باجتهاده ويُحفظ قدره.

أدب الخلاف بين العلماء وحفظ مكانة أهل السنة

يستعرض المقطع مواقف علماء الحجاز والشيخ الألباني والشيخ مقبل الوادعي في خلافاتهم الفقهية، مبيناً أنهم رغم شدة الرد العلمي والتحذير من الخطأ، حافظوا على المحبة والاحترام المتبادل، ونزلوا ضيوفاً عند من ردوا عليهم، وأثنوا على محاسنهم، التزاماً بقاعدة ابن القيم في عدم إهدار مكانة العالم السني لزلة.

خاتمة ودعاء بالتوفيق بعد الحديث عن المعاملات الشرعية

يختم المتحدث بالتأكيد على أن الالتزام بالمعاملات الشرعية يحفظ الأخوة والمودة بين الناس، ثم يدعو الله بالتوفيق لما يرضيه، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: ففي دروس ماضية أخذنا تلكم الرسالة الماتعة النافعة التي هي بعنوان "زجر السفهاء وإرشاد النبلة بذكر قواعد أثرية في معاملة العلماء"، وذكرنا عدة قواعد: فقد ذكرنا القاعدة الأولى: موالاة العلماء ومحبتهم، وأخذنا القاعدة الثانية: احترام العلماء وتقديرهم، وأخذنا القاعدة الثالثة: الأخذ عن العلماء والسعي إليهم، وأخذنا القاعدة الرابعة: رعاية مراتب العلماء، وأخذنا أيضاً القاعدة الخامسة: الحذر من القدح في العلماء، وأخذنا القاعدة السادسة: الحذر من تخطئة العلماء، وأخذنا أيضاً القاعدة السابعة: التماس العذر للعلماء، وأخذنا القاعدة الثامنة: الرجوع إلى العلماء والصدور عن رأيهم، خصوصاً في الفتن، خصوصاً في الفتن. وإن شاء الله نستمر في بقية القواعد التي ذكرها صاحب هذه الرسالة. القاعدة التاسعة: قال العلماء غير معصومين من الخطأ، وأخطاؤهم قليلة بالنسبة لكثرة فضائلهم. علماء السنة بشر يطرأ عليهم ما يطرأ على البشر من الخطأ ومن الزلل، فهم ليسوا بمعصومين. فعلماء هذه الأمة لا يتعمدون الخطأ، لا يتعمدون الخطأ؛ لأن علماء هذه الأمة هم خيارها، هم خيار هذه الأمة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «كل أمة قبل مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته». ذكر ذلك ابن تيمية في "رفع الملام عن لئمة الأعلام" من الصفحة الحادية عشرة إلى الثانية عشرة. فتبين من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أن علماء هذه الأمة هم خيارها، هم خيار هذه الأمة، فلا يغشون هذه الأمة، ولا كذلك يتهمون أو يقعون في خطأ بعمد وتقصد، هذا منزه عنه علماء أهل السنة. فإن وقعوا في خطأ فإنما هو عن اجتهاد منهم، عليهم رحمة الله من مات منهم، وحفظ الله الأحياء منهم. قال: فإذا كانوا كذلك فإنه يجب أن يغتفر قليل خطائهم في كثير صوابهم. فعلماء السنة وإن وقعوا في الخطأ فخطأهم قليل بالنسبة إلى كثرة صوابهم، وإذا نبه إلى خطأ واضح بدليله فإنهم لا يستنكفون عن أن يرجعوا عن هذا الخطأ. هكذا علماء هذه الأمة هم من أشد الناس رجوعاً إلى الحق، من أشد الناس رجوعاً إلى الحق إذا تبين لهم بدليله. قال سعيد بن المسيب عليه رحمة الله: «ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله». هكذا ينبغي أن يكون الميزان: ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب؛ لأنه بشر، فلا يكمل إلا الأنبياء والمرسلون. وأما علماء هذه الأمة فقد يقع فيهم من العيب ومن الخطأ والزلل، ولكن ما هو الميزان؟ قال: من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله. ذكر ذلك ابن عبد البر في كتابه "الجامع". وقال الإمام الذهبي في "السير" مجلد العشرون صفحة ستة وأربعون: «ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن، وإنما العبرة بكثرة المحاسن». وهذا أيضاً قاعدة مفيدة: أن العالم مهما بلغت منزلته ومهما بلغت درجته في العلم فلا يتبع على خطأه، لا يتبع على خطأه. ونحن نسمع كثيراً من العلماء ومن طلاب العلم عند كلامهم في مسائل العلم، خصوصاً في مسائل الفقه الأمور العملية، وعند استعراضهم لأقوال العلماء يقولون: وقد أخطأ الإمام الشافعي، وهذا من إنصافهم، وقد أخطأ الإمام أحمد، والصواب مع الإمام الشافعي. وهم أئمة، ومع هذا لا يتبعون على خطأ صدر منهم، ولأئمتهم الذين يدعون الناس إلى عدم اتباعهم في الخطأ، وإلى عدم اتباعهم فيما خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإمام الشافعي يقول: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، والإمام أحمد يقول، أو الإمام مالك يقول: «كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر» يعني النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا غير هذه الأقوال التي وردت عن الأئمة. فهكذا ينبغي أن يكون الميزان: أن العالم قد يقع في الخطأ، فلا يترك من أجل هذا الخطأ ومن أجل هذا الزلل. فما موقفنا من زلة العالم ومن خطأ العالم؟ موقفنا من ذلك: أولاً: عدم الاعتماد على تلك الزلة وعدم الأخذ بها؛ لأنها جاءت على خلاف الشريعة. هذا واجب على مريد الحق تجاه خطأ العالم: أنه لا يعتمد هذه الزلة ولا يأخذ بها، ولا يأخذ بها. يقول الإمام الشاطبي عليه رحمة الله: «إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليداً له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالف للشرع، ولذلك عدت زلة، وإلا فلو كانت معتداً بها لم يجعل لها الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها». فهكذا ينبغي أن يكون طالب الحق تجاه زلة العالم: يردها ولا يعتمدها. هذا الموقف الأول. ويقول الإمام الأوزاعي رحمه الله: «من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام، خرج من الإسلام». هذا ذكره الإمام الذهبي في "السير" عن الإمام الأوزاعي. فلو أن كل إنسان منا أخذ بزلة العالم وبرخصة العالم اجتمع فيه الشر كله، اجتمع فيه الشر كله؛ لأنه سيأخذ بزلة فلان من العلماء وزلة فلان من العلماء، وهكذا تجتمع عنده زلات وزلات فيعمل بها فيضل والعياذ بالله، فيضل والعياذ بالله. فينبغي لطالب الحق ألا يأخذ بنوادر العلماء، نوادر العلماء: الشيء التي خالف فيها الصواب وخالف فيها العلماء، ولم يكن معه دليل على هذه النادرة وعلى هذا الخطأ. فينبغي لطالب الحق ألا يعتمد على هذه الزلة ولا يأخذ بها، بل يردها ويتركها. هذا هو الموقف الأول تجاه زلة العالم. أما الموقف الثاني: فهو العدل في الحكم على صاحبها، فلا ينسب إلى التقصير ولا يشنع عليه من أجلها، ولا ترد بقية أقواله وآرائه بسببها. وهو تقول: هذا العالم أخطأ في مسألة كذا، فإذن يترك ولا يأخذ من علمه، ويشنع عليه، وينسب إلى التميع أو إلى التقصير، أو كذلك إلى الجهل، وهو عنده علم لكن جار في الحكم. هذا ما ينبغي، طالما أنه صاحب سنة، وطالما أنه ما تعمد الوقوع في الخطأ، وإنما عن اجتهاد سائغ صدر منه. فالموقف الثاني: ألا ينسب هذا العالم إلى التقصير أو التميع، أو كذلك يشنع عليه ويحذر منه ويزهد في علمه، بل وينسب إلى الجهل. هذا مما لا ينبغي. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: «إن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز» والكلام لا يزال ابن القيم: «فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين». انظروا إلى هذا الكلام الرصين: قال: «ولا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين إذا خالفك في مسألة اجتهد فيها». لا تقول: هذا العالم لا عنده علم، وليست له جهود، وليس له طلاب، وليست له كتب، وليس له دفاع عن حياض السنة. يا أخي هذا من الظلم والجور، هذا من الظلم والجور. لا تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين. فينبغي أن يكون موقفنا من زلة العالم: هذا العالم السني الذي عرف باتباع السنة، وبكذلك الدفاع عن السنة، وبكذلك أخذ العلم الموروث علم الكتاب والسنة، وعرف كذلك بنشر العلم والنصح للمسلمين، لا ينبغي أن تهدر مكانته لخطأ خالفك فيه أو لأمر زل فيه. فهذا ليس من العدل، وهذا ما كان عليه علماؤنا: يختلفون فيما بينهم فيحترم بعضهم بعضاً ويقدر بعضهم بعضاً. الشيخ الألباني عليه رحمة الله يخالف علماء الحجاز في بعض المسائل، بل بعضها ربما تدور هذه المسائل الخلافية بين السنة والبدعية، كمسألة الضم عند الرفع من الركوع. يرى الشيخ الألباني أنها بدعة، فرد عليه علماء الحجاز وأنكروا هذا القول، وكانت بينهم ردود في بيان الحق، ولا يزال الشيخ الألباني يثني على الشيخ ابن عثيمين ويثني على الشيخ ابن باز، ولا يزال الشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن باز يثنيان على الشيخ الألباني ويجعلانه من مجدد هذا العصر ومن أعلم أهل عصره في علم الحديث. ما قالوا: هذا خالفنا وسفه أقوالنا وكذا فحذروا منه وأنكروا علمه وجهده وجهوده. لا والله، بينهم الأدب والاحترام، وبينهم كذلك المحبة. هكذا ينبغي أن يكون التعامل بين أهل الحق. يعني اختلف في أمر ما، وهكذا كما ذكر الشيخ عبيد حفظه الله: الشيخ الألباني ينتقده الشيخ حمود التويجري، أو حماد الأنصاري عفواً، حماد الأنصاري ينتقده في كثير من المسائل، خصوصاً في صفة الصلاة، وألف في ذلك رسالة تضعف بعض الأحاديث. وفي هذه المسألة وفي غيرها ومع هذا بينهم الردود العلمية، كل يبين حجته، ومع هذا إذا نزل الشيخ الألباني بالمملكة نزل عند الشيخ حماد الأنصاري. سبحان الله! أدب واحترام وألفة ومحبة. وقال: هذا رد علي ورد أقوالي وكذا، فكيف أنزل عنده؟ لا، ينزل عنده ويستضيفه، وبينهم المحبة والمودة والاحترام والألفة. فهكذا ينبغي أن يكون. وهناك كتاب اسمه "الإبهاج في ترجمة الشيخ مقبل ودار الحديث بدماج" ذكر صوراً من هذا القبيل. مما ذكر: أن الشيخ مقبلاً رحمه الله كان ينكر على الشيخ ابن عثيمين مسألة جواز الانتخابات، ويقول: أنها فتوى باطلة، وكذلك الشيخ ابن باز يقول: هذه فتوى باطلة. الشيخ مقبل ينكر عليهما ذلك، لما يعلم من يعني... يعني مفاسد هذه الانتخابات في هذه البلد اليمنية، ولما يرى من بطلان هذه الانتخابات، فكان يدعو الشيخ مقبل عليه رحمة الله إلى التحذير من الانتخابات، وهذا هو الحق الصواب، وينكر على من... من العلماء، على العلماء الذين جازوا ذلك. ومع هذا كان يقول الشيخ مقبل رحمه الله: ومع هذا تنغمر هذه السيئة في بحار حسنات أولئك العلماء، وكان يثني عليهم من على كرسيه. ولما مات الشيخ ابن باز عليه رحمة الله عقد له ليلة في الثناء عليه وذكر محاسنه وشيء من سيرته: احتراماً وإجلالاً. وكذلك الشيخ الألباني، ذكر صاحب هذه الرسالة وهو حميد العتمي: أن الشيخ مقبل اتصل بالشيخ الألباني لأن الشيخ الألباني أجاز للجزائريين الانتخابات، يعني في مسألة خاصة، فرأى الشيخ مقبل أن هذه المسألة خطأ وزلل من الشيخ الألباني، فاتصل به فقال للشيخ الألباني: «إن لم تتراجع عن هذا القول فسأرد عليك». ذكر هذا صاحب هذه الرسالة، فقال له الشيخ الألباني: «لا بأس، رد علي لكن برفق، لي حتى لا نفرق الشباب». ذكر بهذا النص: «حتى لا نفرق الشباب»، يعني: ردود علمية دون مثلاً تنفير الشباب، وأيضاً جعل الموالاة والمعاداة بين العلماء بسبب هذه المسألة. فهكذا تعامل العلماء. ومع هذا الشيخ مقبل عليه رحمة الله يثني على الشيخ الألباني، وكان يقول: من باب الإنصاف: هذا الحديث نضعفه ويحسنه الشيخ الألباني، يذكر كلام الشيخ الألباني في الحديث الذي يرى الشيخ مقبل أنه ضعيف، ويقول: من باب الإنصاف. سبحان الله! هكذا ينبغي أن تكون معاملة طلاب العلم فيما بينهم، وفي كذلك معاملتهم مع علمائهم. فالعالم السني وإن صدرت منه بعض الزلات ينبغي أن تحفظ، كما قال ابن القيم: لا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين. أنت إذا حذرت منه ونفيت علمه وجهده وسنيته، أوغرت قلوب المسلمين عليه ونفرت قلوب المسلمين منه، وهذا لا ينبغي، فهو حامل السنة وحامل العلم. فينبغي أن تكون معاملتنا بما يوجه العلماء وبما كذلك يرشد العلماء. فإذا تعاملنا بمثل هذه المعاملات الشرعية سلمت لنا أخوتنا، وسلمت لنا كذلك ألفتنا ومحبتنا فيما بيننا. فنسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر