الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم الإيثار لغةً وشرعاً مستعرضاً درجاته عند ابن القيم، ويذكر الأدلة القرآنية على فضله كإيثار الأنصار للمهاجرين. كما يسرد قصة الصحابي الذي آثر ضيف النبي وإطعام الأبرار على حب الطعام.
يتناول المقطع فضيلة الإيثار بتقديم مرضاة الله والآخرة على مصالح الدنيا مستنداً إلى الآيات والأحاديث. ويضرب أمثلة عملية من الصحابة كأبي طلحة وأبي الدحداح في بذل المحبوب والتضامن الاجتماعي.
يسرد المقطع قصة ثلاثة صحابة في اليرموك آثروا بعضهم بالماء عند الموت مثالاً للإيثار الحقيقي، ويقارنه بأنانية العصر. ويبين أن الإيثار يكون في أمور الدنيا لا القربات التي تُشرع فيها المسارعة مستدلاً بفعل ابن عباس.
يختتم المقطع بتكرار عبارة جزاكم الله خيراً تعبيراً عن الشكر والدعاء بالخير للمخاطبين. ويعكس هذا التكرار حرص المتحدث على إظهار الامتنان في ختام المجلس.
بسم الله ورحمة الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن الأخلاق الفاضلة التي أثنى الشرع عليها وحث على الاتصاف بها خلق الإيثار والمواساة. والإيثار كما يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة الإيمان وتوكيد المحبة والصبر على المشقة. وذكر ابن القيم رحمه الله أن الإيثار درجات: الدرجة الأولى: أن يؤثر الخلق على النفس فيما لا يخرم فيه دينا، ولا يقطع عليه طريقا، ولا يفسد عليه وقتا. ومراده رحمه الله أن الإيثار يكون في غير الأمور الأخروية التي فيها قربة إلى الله عز وجل. فقال: «فيما لا يخرم فيه دينا» أي لا يوصلك إلى مرضات الله عز وجل، «ولا يقطع طريقا» أي لا يسد عليك وقتا تستغله في طاعة الله عز وجل وفي مرضات الله سبحانه وتعالى. والدرجة الثانية: قال: إيثار مرض الله عز وجل على مرض غيره، أن الإنسان يؤثر مرضات الرب جل وعلا على مرض غيره. وفي هذا قول القائل: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والآنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب. والإيثار أثنى الله عز وجل عليه في كتابه الكريم، قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. أثنى الله عز وجل على الأنصار في هذه الآية، الذين تبوؤوا الدار والإيمان أي المدينة قبل المهاجرين الذين هاجروا من مكة، فأثنى الله عز وجل وامتدحهم في هذه الآيات المباركات، وذلك لأنهم ضربوا أعظم وأروع الأمثلة في الإيثار. لما قدم إليهم إخوانهم المهاجرون، فإنهم اقتسموا بينهم ديارهم وأموالهم، بل ونساءهم ونخلهم، فحققوا أروع الأمثلة في الإيثار. وفي ذلك ما جاء عن ذلك الصحابي الذي جاءت قصته في الصحيحين: الذي جاء للنبي عليه الصلاة والسلام، جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام قد أصابه الجهد، فقال: «يا رسول الله إني مجهود». فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بعض نسائه أن يأتي بطعام، فقيل له: «يا رسول الله والله ما عندنا إلا الماء». وأرسل إلى أزواج آخر، فقيل له: «ما عندنا إلا الماء». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يضيف هذا الليلة؟ من يضيف هذا الليلة؟» فقال رجل من الأنصار: «أنا يا رسول الله». فذهب به إلى بيته، وقال لأهله: «أكرمي ضيف رسول الله عليه الصلاة والسلام». فقالت: «والله ما عندنا إلا قوت صبياننا». فقال لها: «أصبحي سراجك، وهيئي طعامك، وعلي لي أولادك حتى يناموا إذا أرادوا العشاء». ففعل ذلك رضي الله تعالى عنها. فبات طاويين، يعني أرياء الضيف أنهما يأكلان. أطفأت السراج، قامت لتري الضيف أنها تصلحه، وإنما أرادت أن تطفئه ليأكل الضيف، ويريان الضيف أنهما يأكلان. ففعل ذلك، فبات طاويين. فقدم وغدى هذا الصحابي الجليل على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد عجب من فعالكما مع ضيفكما». وأنزل الله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. انظروا هذا الإيثار العظيم من هذا الصحابي، حيث آثر هذا الضيف على صبيانه وعلى نفسه وعلى أهله، وجعل هذا الطعام لضيف رسول الله عليه الصلاة والسلام، تحصيلاً لمرضات الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٥-٨]. يطعمون هذا الطعام مع محبتهم له ومع رغبتهم لهذا الطعام، إلا أنهم مع هذا يؤثرون هذه المحبة لهذا الطعام على غيرهم للفقر وللمساكين، تحصيلاً للأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى. وكذلك أجلى ربنا عز وجل على سحرة فرعون حين آمنوا وآثروا مرضات الله عز وجل على النجاة من عذاب فرعون، كما قال سبحانه وتعالى على لسان فرعون: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ * قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۖ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: ٧١-٧٣]. فآثروا مرضات الله عز وجل والإيمان بالله سبحانه وتعالى على تحصيل هذا النفع الدنيوي الزائل من النجاة مما توعدهم به فرعون عليه لعنة الله. وكذلك ذم الله عز وجل من آثر الحياة الدنيا على الآخرة، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: ٣٧-٤١]. أثنى الله عز وجل على من آثر الآخرة على الدنيا، وذم من آثر الدنيا على الآخرة؛ لأن الواجب إيثار الآخرة على الدنيا وعلى شهوات النفس وغير ذلك من هذه الحظوظ الدنيوية. وكذلك ذم الله عز وجل من آثر حياة الدنيا على الآخرة، قال سبحانه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: ١٦-١٧]. بل توثرون حياة الدنيا والآخرة خير وأبقى. وضرب النبي عليه الصلاة والسلام أروع الأمثلة في الإيثار. فقد جاء بحديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين: أن امرأة جاءت للنبي عليه الصلاة والسلام ببردة نسجتها لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وقالت: «يا رسول الله هذه بردة نسجتها لك»، أي زرتُ نسجتها لك لتلبسها. فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام، وكان محتاجا لها، ثم لبسها عليه الصلاة والسلام، فخرج على أصحابه. فقال رجل من أصحابه: «يا رسول الله أعطني إياها، ما أحسنها!». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم». فدخل عليه الصلاة والسلام، وطوى هذه البردة، ثم أعطاها هذا الصحابي. فقال له الصحابة: أي لهذا الصحابي: «ما أحسنت، ما أحسنت!» أي حين سأل هذه البردة وأنت تعلم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يحتاجها وقد لبسها. فقال لهذا الصحابي: «والله ما سألتها لألبسها، لألبسها، وإنما أريدها كفنا لي، أريدها كفنا لي». فكفن فيها، كما قال سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما. وهكذا حث النبي عليه الصلاة والسلام فيها أحاديث كثيرة على هذا الخلق العظيم. أثنى على الأشعريين أصحاب أبي موسى الأشعري، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الأشعريين إذا أرملوا، أو إذا فرغ زادهم، أو قارب الفراغ... إن الأشعريين إذا أرملوا أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا طعامهم في ثوب واحد، فاقتسموه بينهم بالسوية». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هم مني وأنا منهم، هم مني وأنا منهم». انظروا الإيثار والمواساة من الأشعريين: إذا قل طعام عيالهم، أو فرغ زادهم، أو قارب الفراغ، جمع الأشعريون ما عندهم من الطعام، جعلوه في إناء واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسوية. هذا من أعظم الإيثار والمواساة التي كانت بين هؤلاء الأخيار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام حاثاً على الإيثار، كما في حديث أبي هريرة: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة». في حديث آخر: «طعام الأربعة يكفي الثمانية». هذا كله من الحث على الإيثار وعلى المواساة. وجاء في الصحيح كذلك: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام حث من له ظهر زائد أن يعطي هذا ظهراً، ومن كان له كذلك فضل زاد أن يعطي هذا شيئاً من هذا الزاد. كل ذلك من الحث على الإيثار وعلى المواساة. وهكذا الصحابة ضربوا أروع الأمثلة في ذلك. فهذا أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال أنس: كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلاً، وكانت له بئر هي من أحب نخله إليه، ويقال لها بئر حاء. كان النبي عليه الصلاة والسلام يدخل ويشرب منها، كانت في قبلة المسجد، كان المسلم يدخل ويشرب من هذه البئر، بها ماء عذب طيب. فلما نزل قول الله عز وجل: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فلما سمع أبو طلحة الأنصاري هذه الآية، جاء للنبي عليه الصلاة والسلام، قال: «يا رسول الله، إن الله عز وجل أنزل قوله: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب مالي إلي بيرحاء، فانظر يا رسول الله أين تضعها». فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي طلحة الأنصاري: «بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، أرى أن تضعها في الأقربين». أنظروا كيف آثر أبو طلحة الأنصاري هذه البئر التي هي من أحب ماله إليه، وجعلها صدقة لله سبحانه وتعالى. وهذا من أعظم الإيثار. وخلائق أبو الدحداح الذي باع نخلة بنخلة في الجنة، آثر هذه النخلة على ما هو أعظم منها في جنة الله سبحانه وتعالى. كل ذلك من الإيثار الذي كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وذكر ابن كثير رحمه الله قصة عجيبة فيها أيضا إيثار عظيم، ما حصل في غزوة اليرموك: أن حذيفة العدوي ذهب يبحث عن ابن عم له، قال: «عليّ أجده وأجد به رمقا، فأسقيه من هذا الماء وأمسح عن وجهه». فذهب يبحث عنه، فإذا هو يلقاه وبه رمق قليل. قال: «أسقيك؟» قال: «نعم». فأراد أن يسقيه، إلا وإذا بصوت آخر وهو يقول: «آه». فقال ابن عم حذيفة العدوي: «اذهب إليه، اذهب إليه»، يعني هو أحوج إلى هذا الماء مني. فذهب، قال: فوجدته هشام بن العاص. قال: «أسقيك؟» قال: «نعم». فإذا رجل يقول: «آه». قال: «اذهب إليه». فذهب إليه، قال: فوجدته قد مات، أي الثالث. قال: فرجعت إلى الثاني، هشام بن العاص، قال: فوجدته قد مات. قال: فرجعت إلى ابن عمي، قال: فوجدته قد مات. يعني هذه القصة التي ذكرها ابن كثير رحمه الله فيها إيثار عظيم من هؤلاء. انظر يأتي إلى هذا ويحتاج إلى الماء، وفي رمق أخير احتاج إلى هذا الماء، ومع هذا لما يسمع أخاه يقول: «آه»، يقول: «اذهب إليه»، وينسى نفسه، ويؤثر أخاه على نفسه. وهكذا كل واحد يعني يحيل إلى أخيه. وهذا من الإيثار العظيم الذي كان عليه هؤلاء الأخيار. ونحن في هذا الزمن كثرت فيه الأنانية وحب الذات، ما تجد الإيثار ظاهراً في أخلاق المسلمين إلا من رحم الله عز وجل. كثرت الأنانية في الناس وحب الذات، كل واحد يريد نفسه، كل واحد يريد أن يكون أفضل من غيره بيتاً وملبساً ومركباً ومالاً وثياباً. ما هناك الإيثار الذي ينبغي أن يكون عليه أهل الإسلام. فالإيثار خلق عظيم، فشربت الأنانية وحب الذات في الناس، والعياذ بالله. فعلينا أن نحقق هذا الإيثار. وكما نبهت في بداية الكلمة على أن الإيثار إنما يكون في غير مرضات الله عز وجل، يعني في أمور الدنيا، ليس في القرب. فأهل العلم ذكروا مسألة الإيثار بالقرب، يعني إذا كان الأمر فيه قربة إلى الله عز وجل، فهل يكون هنا الإيثار؟ فلا يكون هنا الإيثار؛ لأن الله عز وجل أمر بالمسارعة: ﴿سَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]. فالأمور التي فيها قربة إلى الله عز وجل يجب المسارعة والمبادرة إليها، وليست هي محل إيثار. هنا على سبيل المثال: اثنان يريد كل منهما أن يتوضأ، فوقفا عند الحنفية، فكان هناك من توضأ وفرغ من وضوئه، فهناك الحنفية، فهذا يقول له: «تفضل»، يقول: «لا، أنت تفضل»، يقول: «لا، تفضل أنت»، «تفضل أنت». هذا ما فيه إيثار هنا، ما فيه إيثار هنا قربة إلى الله عز وجل. إنسان يعني يحصل هذه القربة ويسارع فيه الوضوء، ما فيه إيثار. أو مثلا: هناك فرجة في الصف، فيبقى مثلا اثنان، كل واحد يقول للآخر: «تفضل، تفضل»، «لا، لا، تفضل أنت». لا، هنا ما فيه إيثار، إلا إذا كان أحدهما ليس من يعني ممن أمر النبي عليه الصلاة والسلام من الذين يكونون خلفه من أولي الأحلام والنهى. وإلا في هذه الحالة ما فيه إيثار، وفيه القرب. ولذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كما جاء في حديث سهل بن سعد في الصحيحين، قال: أتي النبي عليه الصلاة والسلام بشراب، فشرب النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الشراب. قال: وكان عن يمينه رجل وهو عبد الله بن عباس، وعن يساره الأشياخ. فشرب النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لابن عباس: «أترضى أن أعطي هؤلاء؟» يعني أقدمهم عليك، فيهم الشرف وهم الأشياخ الكبار، وابن عباس كان صغيراً. فقال عبد الله بن عباس: «لا يا رسول الله، والله لا أوثر منك أحدا، والله لا أوثر منك أحدا». أراد هو أن يشرب مباشرة بعد النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان في هذا الأمر قربة وفضل فهو أحق به من غيره. فهذا يدلنا على أن الإيثار إنما يكون في غير القرب، وإنما القرب يكون فيها المسابقة والمسارعة. فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياكم وجميع المسلمين على هذا الخلق العظيم، وهو خلق الإيثار والمواساة، وخاصة نحن في هذا الشهر العظيم، التفقد في إخواننا، وكذلك ذوي أرحامنا، وكذلك جيراننا، فربما هناك من يحتاج إلى مواساة، من هناك يحتاج إلى شيء من الطعام أو كذلك. فأحبوا وبارك الله فيكم مثل هذه الأخلاق السامية، واظهروها في مجتمعاتكم الإسلامية، فإنها من أخلاق الفاضل العظيمة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم وجميع المسلمين على كل خير، وينجّبنا كل شر. والحمد لله رب العالمين. جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير، جزاكم الله خير.