رمضان مدرسة للأخلاق 4

الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التثبت في الشرع والسيرة النبوية

يستعرض المحور وجوب التثبت والتبين في الأحكام والأخبار مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، مع ذكر أمثلة عملية من سيرة النبي ﷺ كقصة ماعز وحادثة الإفك وقتل أسامة بن زيد. ويؤكد أن النبي ﷺ كان يتثبت ولا يعجل بالحكم حتى تتضح الحقيقة كاملة.

التثبت في الأحكام القضائية وسماع الخصمين

يركز المحور على وجوب التثبت في إصدار الأحكام القضائية وضرورة سماع الخصمين، مستشهداً بإنكار النبي ﷺ على أسامة بن زيد ونهيه عن قضاء القاضي وهو غضبان. ويسرد قصة عمر بن الخطاب في التثبت من شكوى أهل الكوفة ضد سعد بن أبي وقاص.

التثبت في نقل الأخبار ودفع الإشاعات

يتناول المحور قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سمع إشاعة طلاق النبي ﷺ لنسائه فثبت وتحقق من النبي مباشرة، ونزول آية تأمر بالرد إلى الرسول وأولي الأمر. ويحذر من خطورة عدم التثبت في قطع الصلات وانتهاك الأعراض وسفك الدماء خاصة في زمن الفتن.

الدعاء بإظهار الحق وخاتمة الدرس

يختتم الدرس بدعاء يسأل الله فيه إظهار الحق وإزالة الباطل ونصرة أهل الحق، مع التأكيد على قدرة الله على ذلك. ويختم المتحدث بالحمد لله والتذكير بتقواه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن الأخلاق التي حث الشرع على اكتسابها والتحلي بها أمر التبين والتثبت في الأمور. فالشرع أمرنا بأن نتثبت وأن نتبين في الأمور. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾. وغير ذلك من النصوص في كتاب الله جل وعلا التي فيها الأمر بالتثبت في الأمور والتبين. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يتثبت في الأمور ويتبين فيها. نذكر شيئا من ذلك: من ذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام يتثبت فيمن جاء وأقر على نفسه بأمر من الأمور. كما جاء في الصحيحين في حديث ماعز رضي الله تعالى عنه حين أقر بالزنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يتثبت منه، يقول: «لعلك كذا، لعلك كذا» إلى آخر ذلك. فهذا من التثبت والتبين منه صلى الله عليه وسلم. وكذلك ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة وحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنهما: أن رجلا من الأعراب جاء للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: «يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله عز وجل». فقال آخر وهو خصمه: «نعم يا رسول الله، وأذن لي» أي في الكلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قل» أي تكلم. فقال: «هذا الرجل يا رسول الله إن ابني كان عسيفا على هذا» أي أجيرا «فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، وإني افتدت عن ابني بمئة شاه ووليدة». قال: «وأخبرت أن على ابني جلد مئة وتغريب عام». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الغنم والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام». ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لأونيس رجل من أسلم: اغد يا أونيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». انظروا: أمره أن يتثبت في أمرها، تعترف. ما قال له: «اذهب فارجمها»، أو: «اغد يا أونيس إلى امرأة هذا فارجمها». قال: «واغد يا أونيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها». فغدا أونيس إلى امرأة ذلك الرجل فاعترفت فرجمت. هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام. وفي حادثة الإفك، هذه الحادثة العظيمة التي أنزل الله جل وعلا فيها آيات فيها التأديب لعباده المؤمنين: ﴿ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾. أنزل الله جل وعلا آيات عظيمات فيها التأديب لعباده بأن لا تطلق ألسنتهم، وبأن يتثبتوا ويتبينوا في الأمور. ما هو كل من قال كلاما أخذ منه ذلك الكلام صار يتناقل ذلك الكلام من أحد إلى أحد ومن آخر إلى آخر، وهكذا من غير تثبت ومن غير تبين. النبي عليه الصلاة والسلام جاء إلى عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: «يا عائشة، إن ألممت بذنب فاستغفري الله، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله عز وجل». هذا التبين وهذا التثبت. ما حكم النبي عليه الصلاة والسلام عليها بشيء، انتظارا لأمر الوحي. وكان ذلك قبل الأمر بالإتيان بأربعة شهود. فالنبي عليه الصلاة والسلام تبين أو تثبت وانتظر الأمر من الله عز وجل، ولم يحكم عليها بشيء. صلى الله عليه وآله وسلم. فهكذا كان عليه الصلاة والسلام. وأنكر على أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما حين قتل ذلك الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله. قال: «قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» قال أسامة رضي الله تعالى عنه: «ما قالها إلا تعوذا». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلا شققت عن قلبه؟» كان الواجب التثبت والتبين. مادام أنه قال لا إله إلا الله، يتبين أمره بعد ذلك: هل قالها تعوذا؟ هل قالها كذبا؟ هل قالها نفاقا؟ هو الآن قال لا إله إلا الله، بقي: هل قالها حقيقة وصدقا، أو كذبا، أو نفاقا، أو تعوذا؟ سيتبين الأمر بعد ذلك. سيتبين الأمر بعد ذلك. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا ثلاثا؟» وبعد أن قال لا إله إلا الله. والمراد أنه كان يجب التثبت والتأني، وكذلك عدم إقامة هذا الحكم عليه قبل التبين في هذا الكلام، في هذا الكلام الذي قيل من هذا الرجل. ولذلك نهى عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: «أن يقضي القاضي وهو غضبان». أن يقضي القاضي بين الناس وهو غضبان. لأن الغضب مظنة عدم التثبت، والغضب مظنة عدم التبين. قاضٍ غضبان تأتي له قضية وهو غضبان، فهنا هو مظنة عدم التبين. يتبين ما في الأمر: ماذا عندك؟ وماذا عندك؟ وما في الأمور، وما هي ملابسات القضية، ومن في القضية... وهو غضبان مباشرة يصدر القرارات والأحكام السريعة لأجل غضبه. نهى عن ذلك لماذا؟ لأن هذا له عواقب وخيمة. ومن هذه العواقب: أنه يصدر القرارات لم يتبين فيها، وربما كذلك يقضي على أحد بشيء لا يستحقه. ولذلك أمر الشرع كذلك بسماع الخصمين، بسماع الخصمين. وعاتب الله جل وعلا بعض أنبيائه لعدم سماعه للخصم الآخر وسماعه لخصم. وهذا فيه الأمر بالتبين وتثبت الأمر. لا يتبين ولا يظهر إلا بعد سماع الخصوم. لكن إذا أخذ الحاكم أو القاضي كلام شخص، سمع إليه، والآخر تركه، بعد هذا أنه لم يتبين ولم يتثبت ما عند الآخر. فهذا أيضا فيه الحث على أمر التبين بسماع كلام الخصوم. وهذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثير، في وقائع كثيرة كان يسمع كلام الخصوم فيها: هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، فيحكم النبي عليه الصلاة والسلام. وأحاديث كثيرة. وهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: كانوا يتثبتون في الأمور ويتبينون. نذكر شيئا من ذلك: من ذلك ما جاء في قصة شكوى أهل الكوفة سعدا إلى عمر رضي الله تعالى عنه. قال جابر بن سلمة: شكا أهل الكوفة سعدا، سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، إلى عمر. قالوا: «كان لا يحسن أن يصلي، لا يحسن الصلاة، لا يحسن أن يصلي». فانظروا: تثبت عمر رضي الله تعالى عنه، ما قبل كلامهم. قال: ماذا فعل عمر؟ أرسل أناسا يتثبتون في الأمر ويتبينون. أرسلهم إلى الكوفة، أرسلهم إلى الكوفة يتثبتون في الأمر ويتبينون. فكانوا ما يمرون على مسجد إلا وأثنى أهل المسجد على سعد خيرا، يثنون على سعد... بالعدل في القضية بين الرعية. كلام اتهامات باطلة، كذب وافتراء. فقال سعد: «اللهم إن كان هذا عبدك قام مقام رياء وسمعة، اللهم فأطل عمره، وأدم فقره، وأعم بصره، وعرضه للفتن». دعا عليه بهذه الدعوات رضي الله تعالى عنه: بأن يطيل الله جل وعلا عمره، وأن يديم فقره، وأن يعمي بصره، وأن يعرضه للفتن. قال جابر بن سلمة: «أنا رأيته» أي هذا الرجل الذي دعا عليه سعد. «أنا رأيته يمشي في الأسواق قد سقط حاجباه على عينيه، يعني صار شيخا كبيرا، وهو يغمز الجواري، يغمز الجواري. شيخ كبير قد سقط حاجباه على عينيه، صار يغمز الجواري ويغازل، والعياذ بالله. فيقول له: يا فلان، يا شيخ كبير، أنت... فيقول: شيخ مفتون، أصابته دعوة سعد». رضي الله تعالى عنه. انظروا كيف تثبت عمر في هذه القضية، وانظروا عاقبة هؤلاء الذين يتناقلون الكلام كذبا وافتراء. ولو كان يعني ربما له شيء من الصحة، لكن يتناقلونه وليست عندهم البينة، وليس عندهم تثبت في هذا الأمر. فهذا منهي عنه. ومن ذلك أيضا ما أشيع عن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق نساء. أشيع أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق نساء. فعمر جاء إلى المسجد، سمع الناس يتناقلون هذا الخبر: «النبي عليه الصلاة والسلام طلق نساء». قال عمر: «فما صبرت على هذا حتى أتيت إلى باب النبي عليه الصلاة والسلام، فقرعت عليه بابه». فقال: «يا رسول الله، أطلقت نساءك؟» قال: «لا». قال: «لا». ونزلت آيات من رب العالمين في هذا الأمر، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فقال عمر: «أنا من الذين يستنبطونه». فانظروا كيف تثبت عمر في هذا الأمر. ثم رجع إلى المسجد، رجع إلى المسجد ونادى بأعلى صوته: «ما طلق النبي عليه الصلاة والسلام نساء، ما طلق النبي عليه الصلاة والسلام نساء». تثبت من هذا الأمر. هم يتناقلون أمرا ليس بصحيح، والأمر الصحيح هم ليسوا غير متناقلين له. فجاء ونقل الخبر الصحيح وأشاعه. من أين له هذا الخبر؟ من رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد تبين، بعد تثبت. فشاعه ورفع صوته وأعلنه، لأنه حق. وهذا الذي يتناقل... ما هو ذلك الذي يتناقل الذي ليس به تثبت ولا تبين. فقال عمر: «ما طلق النبي عليه الصلاة والسلام نساء»، وأعلن ذلك. فلذلك علينا أيها الإخوة في الله، وأيها الناس جميعا، بالتثبت في أمورنا والتبين فيها. كم والله قطعت أواصر وصلات بسبب عدم التثبت والتبين! كم رملت نساء! كم يتيم أطفال! كم كذلك... عود يا ناس ما بينهم! كم اتهم علماء! كم اتهم دعاة في أعراضهم! اتهم مثلا باللصوصية، أو بالبدعة، أو بكذا، أو بالزنا، أو باللواط، أو بالخيانة، أو بكذا وكذا وكذا وكذا. وكل هذا مبني على كلام باطل غير صحيح، لا تثبت فيه، ولا تبين فيه، ولا روية. انظروا: سبب عدم التثبت وعدم التبين تنتهك أعراض الناس، وربما تزهق أرواح. يقضي القاضي بالسيف على أناس من الناس، يكون لم يتثبت في أمره، تذهب رقاب، فييتم أسر، وترمل نساء، ويتم أطفال، إلى آخر ذلك. ولو أن الأمر فيه التبين والتثبت، لوقع كل شيء في محله. فمن استحق الحكم وقع عليه، لكن بعد تثبت وتبين وروية. ونحن في هذا الزمن خاصة، وخاصة في وقت الفتن، وخاصة في وقت الفتن، فإن نسبة التثبت والتبين في الأمور أقول وبكل صراحة ومن غير مبالغة: لا تساوي عشرين في المئة، أو ربما أقل. بنسبة عشر في المئة، وخمسة في المئة في أمر الأخبار. ما من فتنة إذا وزنت الأخبار التي قيلت فيها بميزان، وما ستخلص من الأخبار الصحيحة إلا بشيء قليل. وأخبار ممكن... أكوام من الأخبار، وأوراق من الصفحات عديدة كتبت فيها، يعني كذا وكذا، كتبت فيها كذا وكذا من الحبر، ووزعت فيها كذا من الأوراق. وربما الأخبار الصحيحة التي بنيت على تبين وعلى تثبت قليلة. وأما أكثرها فما هو إلا كما الحواجات التي يقولون: الناس زيادات، كلها هذا يزيد كلمة، والآخر كلمتين، وهذا الخبر كذا يجعله معكوسا لصالحه، وهذا سمع خبرا نقله. لا يا عباد الله، هذا سبب للفوضى، وهذا سبب للعداوات، وهذا سبب للفتنة، سبب للفتنة والعياذ بالله، وانتشار وتمزق المسلمين. فلا يجوز، لا يجوز مثل هذه الأمور. الواجب التثبت في الأمور. ما هو في أمر واحد، في كل الأمور. حتى في أمر بيتك، في أمر بيعك وشرائك، في الأمور كلها وجب التثبت والتبين، حتى يسلم الإنسان من الوقوع في الخطأ، من الوقوع في أعراض الناس، من الوقوع في كذا وكذا وكذا مما لا يحمد عقباه من الأمور. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المتثبتين في أمورنا، المتبينين فيها. ونسأله جل وعلا أن يجلي الحق، وأن يذهب الزبد، وأن يجعل الحق مع من أراده، ومن نصره، ومن احتسبه. إنه لذلك القادر عليه. والحمد لله رب العالمين. إياكم الله وخير.