الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع أهمية خلق التأني كخُلق حميد أمر الله به في القرآن الكريم، ويستدل بحديث الأشج عبد القيس الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بالحلم والأناة، مبيناً أن هذا الخلق قد يكون جبلة أو يكتسب بالمجاهدة.
يوضح المقطع أن التؤدة والتأني خلق محمود من الله، بينما العجلة من الشيطان، ويستثنى من ذلك عمل الآخرة حيث يُشرع المسارعة والمسابقة في الخيرات، مع الاستدلال بأحاديث نبوية وآيات قرآنية تحث على المبادرة بالأعمال الصالحة وعدم التسويف.
يروي المقطع موقف النبي ﷺ في يوم العقبة حين رفض أهل الطائف دعوته، وعرض عليه ملك الجبال تطبيق الأخشبين عليهم، فاختار النبي ﷺ الأناة والترفق راجياً أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده، مستخلصاً وجوب التحلي بالأناة وعدم العجلة في جميع شؤون الحياة.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن الأخلاق الحميدة، من الأخلاق الفاضلة التي أثنى الشرع على تحصيلها واكتسابها: خلق التأني. هذا الخلق، خلق التأني، خلق عظيم، أمر الله جل وعلا به في كتابه. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۖ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾. كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعجل القرآن خشية التفلت، ومن باب الحرص منه عليه الصلاة والسلام، فأمره الله عز وجل أن لا يتعجل، وأن لا يحرك لسانه يتعجل القرآن. قال بعض أهل التفسير: إذا كان هذا الأمر بعدم العجلة في أخذ القرآن، فغير ذلك مما دونه بأولى، لأن هذا أمر عظيم، ومع هذا يأمر الله عز وجل بالتأني في أخذه وعدم العجلة. لذلك على الشخص إذا قرأ القرآن أن لا يتعجل. بعض الناس ربما يقرأ القرآن هذرًا، قراءة سريعة، هذا لا ينبغي، بل عليه أن يقرأ قراءة فيها تدبر، وسَمَع، وتأمل، وتريث، من غير عجلة ومن غير إسراع. وورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين في بيان هذا الخلق العظيم، والسنّة عليه ما جاء بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في الصحيحين في قدوم وفد عبد القيس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقد قدم وفد عبد القيس على النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: يا رسول الله، إنا حي من ربيعة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نأخذ به، ونأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة إن نحن أخذنا بذلك. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأربع، ونهاهم عن أربع. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام للأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». الحلم والأناة. ذلك أن هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه ذهب يتمطى ويغتسل، أي تأمّل، فجاء للنبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، كان منه شيء من التأخر، فالنبي عليه الصلاة والسلام امتدح به هذا التأني. قال الأشج عبد القيس: يا رسول الله، خَلقان تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام له: «بل جبلك الله عليهما». فقال الأشج عبد القيس: الحمد لله الذي جبلني على خَلقين يحبهما الله ورسوله. وهذا يدلنا على أن هذا الخلق، بل كل الأخلاق، إما أن تكون جبلة، ففطر الله عز وجل عليها الإنسان وجبله عليها، فهو لا يجد مشقة فيها، يعني مجبول. مثلا بعض الناس تجده مجبولًا على الخلق، عنده شيء من السكينة من طبعه، عنده شيء من التمهل، عنده شيء من التأني، وهكذا مجبول على هذا. ومن الناس من لم يجبل على هذا الخلق، فما الذي عليه؟ عليه أن يكتسب هذا الخلق، وأن يتحصل على هذا الخلق، وأن يجاهد نفسه على تحصيل هذا الخلق. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الصبر بالتصبر». من يتصبر يصبره الله، أن تصبر نفسك وجاهد نفسك على الصبر وعلى التحمل وعلى التأني، فالله جل وعلا يعينك: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام أثنى على هذا الخلق، وجاء في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، الحديث صحيح، سمعه العلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «التؤدة من الله، والعجلة من الشيطان». التؤدة من الله، والعجلة من الشيطان. وجاء عند أبي داود، صححه العلامة الألباني رحمه الله، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة». التؤدة: أي التأني وعدم العجلة في كل شيء إلا في عمل الآخرة، أي أن عمل الآخرة الإنسان يسارع إليه. ولذلك جاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين، قال: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله عليه الصلاة والسلام حين يدارسه جبريل القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة، مسارعة، مسابقة في الخير، لماذا؟ لأن هذا العمل من عمل الآخرة. ولذلك أثنى الله عز وجل في كتابه الكريم على المسابقين وعلى المسارعين، وأمر بذلك: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾، ﴿ سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾، ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾. «سبق المفردون، سبق المفردون، سبق المفردون». قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات». فعمل الآخرة فيه الإسراع، وفيه الحرص والتنافس والمسابقة فيه، كما قال جل وعلا: ﴿ فَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾. وصح المثل القائل: «خير البر عاجله». خير البر عاجله، أمر الذي به بر وفيه إحسان، إنسان يتعجل به، لا يؤخره ويسوف فيه، يقول: لا، إن شاء الله غدًا. يريد أن يتصدق، يقول: ما هو اليوم، غدًا نتصدق. لا، سارع، صدق اليوم، اليوم تتصدق، مادام الناس بحاجة إلى هذه الصدقة، فربما الغد لا يكون الحال مثل اليوم. وهكذا أعمال البر الأخرى، فالإنسان يسارع به. إنسان عليه قضاء من رمضان، عليه أن يسارع، البر هنا سارع، يقضي ما عليه من رمضان، لا يؤخر، يقول: سنة طويلة، مادام أنك تتهيأ لك الأمر بحمد الله ولا تجد مشقة في القضاء، فبادر. فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أخبر أن التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة. وما هي التؤدة؟ التؤدة هي أن لا يتعجل الإنسان حصول الشيء، أن لا يتعجل الإنسان حصول الشيء، بل يتمهل فيه، يتمهل في تحصيله. وهذا كما تمعتم، إذا كان من أمر الدنيا، وأمر الآخرة فيه مسابقة والمسارع. وقد ضرب النبي عليه الصلاة والسلام أمثلة كثيرة في اتصافه بهذا الخلق العظيم، ونذكر شيئًا، لا نطيل عليكم. ما ثبت في صحيحة عائشة رضي الله تعالى عنها في خروجه عليه الصلاة والسلام، حين قالت له عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، هل مر بك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، لقد لقيت من قومك أشد ما لقيت، وأشد ما لقيت يوم العقبة، حين عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب». قال: «فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، وعليها جبريل، فقال: يا محمد، إن الله جل وعلا قد سمع قول قومك لك، وأرسل معي ملك الجبال، لتأمره بما شئت». فنادى ملك الجبال النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: «يا محمد، إن الله قد أرسلني وأمرني بأمرك، فمرني بما شئت، يعني: مر ما شئت». فقال النبي عليه الصلاة والسلام، وقال كذلك ملك الجبال: «إذا شئت أطبقت عليهم الأخشبين»، جبلان عظيمان بمكة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، بل أستأني، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئًا». النبي عليه الصلاة والسلام تأنى في أمر قومه، هؤلاء الكفار الذين آذوه، وهؤلاء الذين فعلوا به ما فعلوا، ومع هذا يأتي الأمر من رب العالمين للنبي عليه الصلاة والسلام أن يأمر بما شاء، ولو شاء أن يطبق عليهم الأخشبين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا، بل أستأني، يعني: أتأنى فيهم، وأرجو من الله جل وعلا أن يخرج من أصلابهم من يعبده سبحانه وتعالى ولا يشرك به شيئًا. فهذا فيه التأني من النبي عليه الصلاة والسلام. فعلى عباد الله أن يتخلقوا بهذا الخلق، وأن يتأنوا، أن تكون عندنا الأناة، عدم العجلة، والعجلة ندامة، كما يقال. إنسان يتأنى في أموره، يتأنى في أموره، ويتمهل، ويترفق، ولا يتعجل الأمور، فإن في الأناة وفي التمهل الخير الكثير. سيحصل حتما ما دام أنك قد تأنيت في أمرك، سيأتيك. أليس تظن أنه سيسبقك في هذا الأمر لأنه تعجل؟ فهو ليس كذلك، ربما يتعجل أمرًا يكون سببًا في خسارته، لكن أنت تتأنى، وإن كان من الخير سيأتيك. أنت حين تتأنى، ليس معنى ذلك أنك تعرض عن ذلك، وإنما عندك شيء من الأناة الذي بسببه تتحصل على ما قد يفوت كثيرًا من الناس. فالأمور فيها التأني، الأمور التي في حاجة إلى تأني وتمهل وترفق، فالإنسان يتأنى فيها، في أمر بيته، وهكذا في بيعه وشرائه، وهكذا في معاملته، وهكذا في أموره كلها، يكون عنده التأني وعدم العجلة، يكون رجلًا صاحب أناة، صاحب تمهل في الأمور، ما هو صاحب عجلة وقرارات طياشة. بعض الناس عندهم قرارات سريعة، لعدم التأني، مباشر يصدر القرارات سريعة، والعياذ بالله، بسبب عدم التأني عنده، عجلة في الأمور، وحظ في غير محله. لذلك علينا عباد الله أن نتأنى، وأن نتخلق بهذا الخلق العظيم، ونحن خاصة في هذا الشهر العظيم، الذي من جاهد فيه نفسه في تحصيل الأخلاق الفاضلة أعانه الله سبحانه وتعالى على ذلك. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يتخلق بالأخلاق الحسنة الحميدة، ونتخلص من الأخلاق السيئة الرديئة. نسأله ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، وإياكم الله خيرًا. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر