الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان النبي ﷺ يمازح في مقامات معدودة لإدخال السرور وترويح النفوس، وكان مزاحه حقاً بلا كذب كما في مواقفه مع الصحابة. ويبرز المقطع الفرق بين هديه ﷺ في الجد والاجتهاد خاصة في رمضان وإفراط الناس اليوم في المزاح.
يبيّن المقطع أن المزاح في الإسلام مقيد بكونه حقاً بلا كذب، وقليلاً بضوابط شرعية كعدم الترويع والإيذاء، مستدلاً بأحاديث النبوية وأقوال العلماء. ويحذر من إفراط يجعل المزاح ديدن الحياة أو تفريط يحرم الأهل المداعبة المباحة، مشبهاً إياه بالملح في الطعام.
يتحدث المقطع عن أسلوب الشيخ الألباني في مجالسة من يناظره حيث كان يمزح أحياناً ضمن ضوابط وأوقات معينة. ويؤكد أن المزاح موجود عند العلماء لكن بفهم صحيح بعيد عن التصورات الخاطئة الشائعة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن الأخلاق التي كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام، ويتخلق بها في بعض الأحيان، وما تستدعيه بعض المواقف من ترويح النفس وإدخال السرور على الآخرين بما لا يخالف الشرع ولا فيه آذية للخلق: المزاح. فالمزاح خلق كان يتخلق به النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحيان، وفي أوقات يرى النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه المقامات وهذا المقام استدعي هذا الخلق، فيتخلق به النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يمازح. فقد جاء في الصحيحين في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «دخل علي رسول الله عليه الصلاة والسلام ولي أخ صغير له عصفور يلعب به، فمات ذلك العصفور، فبكى أخ أنس بن مالك هذا الصغير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما له يبكي؟ فقيل: يا رسول الله، مات نغيره -أي عصفوره الذي يلعب به-، فقال نبي الله عليه الصلاة والسلام: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» يخاطب هذا الصبي، ويمازح هذا الصبي، ويداعب هذا الصبي. وكذلك كان يمازح عائشة رضي الله تعالى عنها، فكان يتسابق معها، فمرة سبقته ومرة سبقها عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يقول لها: «هذه بتلك، هذه بتلك»، تلك المرة سبقتيني، والمرة سبقتكي، هذه بتلك. وهذا الشيء من المزاح الحق الذي لا كذب فيه. وكذلك كان يمازح، فيقول: «يا عائش». وهكذا كذلك كان يقول لزينب بنت أم سلمة: «يا زوينب، يا زوينب». فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يتخلق بهذا الخلق، نعم، وهو خلق المزاح. لكن هل هو في كل وقت وفي كل ساعة؟ لا، وإنما في مقامات معدودة، وفي أحوال تستدعي شيئاً من هذا المزاح، مما فيه تطييب الخواطر، وإدخال السرور، وترويح النفس، وإلى آخر ذلك من هذه المقاصد الشرعية. أما اليوم فالناس مع المزاح بين إفراط وتفريط. قوم جل ساعاتهم مزاح، لا يبالغ الشخص إذا قال: مزاح بعض الناس في هذه الأربع وعشرين ساعة عشرون ساعة. لا يبالغ ربما إذا قال ذلك، تجدهم يمازح في بيعه وشرائه، يمازح في بيته، يمازح ربما حتى في المسجد، وهو في المسجد ولا زال يمازح، في الشارع يمازح، غالب وقته في مزاح. فهذا ليس هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان دائماً على مزاح، وإنما ثبت عنه المزاح كما تقدم في أحوال معلومة، ومقامات تستدعيها التخلق بهذا الخلق، فيتخلق به النبي عليه الصلاة والسلام. رجل من البادية يقال له زاهر، وكان يحبه النبي عليه الصلاة والسلام، فما زال ذات مرة وجده يبيع متاعاً له في السوق، وجاء من ورائه من خلفه وقبضه من خلفه، فعلم زاهر أن هذا النبي عليه الصلاة والسلام، فألصق ظهره بصدر الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يشتري هذا العبد؟» هذا حق، كلام حق. فقال زاهر رضي الله تعالى عنه: «تجدني يا رسول الله إذن كاسداً». قال: «لكن أنت عند الله لست بكاسد، أنت عند الله لست بكاسد». هذا شيء من هذا. كذلك فإذا ليس الأمر كله والوقت كله مزاح. والإسف في رمضان، في هذا الشهر الذي الإنسان عليه أن يكثر فيه من الجد والاجتهاد، الرسول عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان كان يكثر من الجد والاجتهاد، ما يكثر من المزاح، وإنما يكثر من الجد والاجتهاد، خاصة في هذه العشر، يزداد جده ويزداد اجتهاده عليه الصلاة والسلام. وكثير من الناس، نسأل الله العافية، على حال لا يبالون بشرف زمن فاضل، ولا بمكان فاضل، وإنما هكذا روتين يومي، ربما عن بعض الناس على مزاح دائم، ما أكثر التسالي، وما أكثر النكت التي يجلسون عليها، يتناكتون بها، تأتي عبر الجوالات، تأتي عبر الجرائد، التعليقات، الكاريكاتيرات، ما يسمونها صوراً، وهكذا من باب المزاح، من باب إدخال الدعابة، لكن فيها جرح مشاعر، فيها سخرية. ما أكثر أفلام المصريين، مسلسلات المصريين، التي فيها الصعايدة، الصعايدة، بزعم أن هذا من الدعابة والمزاح، أو إلى آخر ذلك، وفيه من الاستنقاص، وفيه كذلك من السخرية والاستخفاف، وأشياء كثيرة. وربما يستدلون بعد ذلك فيقولون: «إن النبي سلم كان يمازح، كان رسول الله يداعب، أنتم ما عندكم مزاح، أنتم على غير هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، عندكم جفوة، ما عندكم شيء من المرح، ما عندكم شيء من المزاح». يقال: لا يا عباد الله، ليس هذا بصحيح. المزاح ما ينكر ثبوت ذلك عن رسول الله، لكن متى ثبت؟ وفي أي أحوال ثبت؟ وكيف ثبت؟ هل ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه يمزح مزحاً معه كذب؟ لا والله. ولذلك لما قال أبو هريرة للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، إنك تداعبنا -أي تمازحنا-»، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إني لا أقول إلا حقاً». والمعنى: نعم أمزح، لكن مزاحي حق، ليس فيه كذب. هذا فيه إقرار للدعابة، وللمداعبة، ولهو المزاح الذي ليس فيه كذب، وأيضاً هو بضوابط الشرعية، شيء قليل ويسير، ومقام السدعية. وكذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام إقرار هذا المزاح، من حديث حَنْظَلَةُ الْأُسَيْدِيُّ رضي الله تعالى عنه، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام -حديث صحيح رواه مسلم-: قال يا رسول الله: «إنا نكون عندك فتحدثنا عن الجنة والنار حتى كأننا نراها رأي عين، ثم نذهب إلى أهلنا ونعافس الأزواج، والمعافسة يدخل فيها ما أحل الله عز وجل لعبده من أهله، ويدخل لذلك مداعبة والمزاح مع الأهل، قال: فإذا فعلنا ذلك أنكرنا قلوبنا». وحدث أبو بكر بذلك، وقال أبو بكر: «أجد نفسي ما تجد». فقال حَنْظَلَةُ: «يا رسول الله». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تدومون على ما أنتم عليه، وأنتم عندي كما أنتم عندي، لصافحتكم الملائكة على فرشكم، أو قال: على الطرق، ولكن يا حَنْظَلَةُ، ساعة وساعة». ولكن يا حَنْظَلَةُ، ساعة وساعة. العوام يفسرون على حسب ما يوافق أهواءهم: «ساعة وساعة» يعني ساعة قراءة قرآن، ساعة سماع غناء، ساعة تسبيح واستغفار، ساعة جلوس عن المسرحية وتمثيلية، «نسيم على قلبك»، يقولون: «ها الدنيا رايحة، وغداً في القبر، وقت في الدنيا سلي قلبك، ما دمت في الدنيا سلي قلبك بالحرام»، صلى الله عليه وسلم. فهذه «ساعة وساعة» التي يفهمها العوام، صلى الله عليه وسلم، لا. ساعات المسلم كلها لله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. ولكن معنى «ساعة وساعة»: أي أن ساعة فيها حقوق لله عز وجل، وساعة فيها حقوق للأهل، وساعة فيها حقوق للناس، وساعة فيها حقوق كذا، وساعة كذلك فيها شيء مما أحل الله وأباح، ومن ذلك المزاح بضوابط الشرعية. وهكذا تتنوع في الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله عز وجل. ساعة تعمل لأجل أن تأتي بالمال لنفسك ولأهلك، لا بد تجلس المسجد ما تعمل؟ وأهلك يعني يحتاجون الغداء وأنت لا تجد ما يكفيك ويكفي أهلك، لا، لا بد تخرج للعمل، تعمل ساعة. نعم، وهكذا. وكما قال نبي السلام: «إن لأهلك عليك حقاً، وأن لزورك عليك حقاً»، إلى آخر الحديث، فأعطي كل ذي حق حقه. فإذن الناس منهم من أفرط في هذا الباب، وصار جل وقته مزاح، نصر الله العافية. ومنهم من سلكوا يعني ما تجدهم دائماً إلا على جفوة، ربما ما يعرفون المزاح، لا مع أهلهم، لا يعرفون المداعبة مع أهلهم، مع أزواجهم، مع أولادهم. وهذا ليس هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما كان نبي الله السلام يداعب، يمازح كما تقدم، وأيضاً ما حصل منه مع الحسن والحسين، وهكذا. فهذا ليس هدي رسول الله سلام أن الإنسان لا يمازح، لا، وإنما يجعل بعض الأحيان فيها شيء من المداعبة مع الأهل، مع الأولاد، وشيء من هذا المزاح، لكن كما تقدم لا يكون الوقت كله هكذا. المزاح إنما هو مثل الطعام الذي يحتاج إليه الملح، فالطعام يحتاج إلى قليل من الملح، لا بد، وبتقدير، وبتقدير معلوم، لا يزيد، لا يزيد على ذلك، فإذا زاد أفسد الطعام هذا الملح. ولذلك قال القائل: «أرِحْ طبعَك المكدورَ بالجدِّ راحةً يَجِمّ، وعلله بشيء من المزح، ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما تعطي الطعام من الملح». ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما تعطي الطعام من الملح. أنت تعطي الطعام مقداراً من الملح. وأيضاً هذا المزاح إنما هو بقدر معلوم، لا إفراط ولا تفريط، وليس معه كذب. وليس المزاح الذي فيه ترويع. من الناس اليوم من يمازح بحجة المزاح، فيمازح ويروع، يأتي بالسيارة، ومثالاً يعرف شخصاً يمشي في الشارع أو في السوق، في السيارة بسرعة، ثم يدعس على الفرامل، ثم يضحك، يمازح. هذا مزاح؟ هذا مزاح؟ بعض الناس هذا ما هو مزاح، هذا ترويع. أي مزاح هذا؟ هل كان الرسول يمازح بهكذا؟ يقول لك: يضحك، لا أمزح معك. تمزح وتأتي بالسيارة تمشي، أو بالسيكل، بالدراجة، ربما تمشي في هذا الخط في خطك، ويدخل في خطك، يعني يعرفك أو فلان، أمزح معه. ما في مزاح بالسيكل، بارك الله فيكم. ها يجيك من الخلف، ولا يجيك من الأمام، ولا يفحط، تفحيط، ولا هذا ما هو مزاح، هذا ترويع. ولكن نبي الله سلم عن أن يشير الرجل إلى أخيه بحديدة. ما في مزاح كذلك مثل السكين، بحديد، إنسان يأخذ السكين، مازح، يأخذ السكين، لا، هذا ما هو مزاح، هذا ما يجيز، ترويع ومحرم. ربما الشيطان، أخبر الله سلم، ينزع من كبد السكين، وتكون في أخيه، قد حصلت حوادث ما يتعلق بمزح السيارات، أو الدراجات، أو هذه، أخذ هذه الأسلحة، إلى آخر ذلك. بعضهم مزح حتى بالأهل، يعني بالسلاح الناري، هذا بعض الناس يمازح، وما يوجد عند بعض البدو وغيرهم ممن يمازح حتى بآية السلاح، ما في شحن، شحن للآلة، يشير إليك، يظن أنه مثلاً ما فيه رصاص، سبحان الله، ربما رصاصة تطلع وأنت ما تدري، وتخرج، تقول: كنت ممازح، ما بايد المزاح، تذهب نفس بريئة بسبب مزاحك، هذا الذي ليس لك برهان ودليل، لا من كتاب الله، ولا من سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. أما دليلك: بمزاح ربما رسول، مزاح ربما رسول، في واد وأنت في واد. فالمزاح الشرعي المباح الذي أذن به الشرع، وثبت عن نبي سلم، مزاح لا كذبة فيه، مزاح لا ترويع فيه، مزاح لا فيه جرح مشاعر للناس أبداً، هو سالم من هذه الأمور. أما مزاح الناس هكذا، ومن الناس كما سمعتم من أفرط في هذا، والأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط، وأيضاً له مواقف وأوقات فقط تستدعيها هذا المزاح. وهذا حتى في سير العلماء، من نظر في سير العلماء، جدهم، يمازحون، علماء أحياناً لترويح بعض الجالسين، وهكذا. وأنا ما سمعت عن الشيخ ابن باز رحمه الله كما نقل بعض الناس عنه أنه مرة يعني دُعي إلى وليمة، وكان الطعام حاراً شديد الحرارة، الشيخ رحمه الله يعني يأكل الطعام حار، طعام حار، قالوا في آخر المجلس ودعا، أتى بالدعاء، قال: «أكل طعامكم الأبرار، أكل طعامكم الأبرار»، يعني جعل الطعام فاعلاً، يعني أكل الأبرار من شدة حرارته. يعني هذا شيء من الدعابة، وهذا شيء من المزاح أيضاً الذي لا شيء فيه. ولعل كثير منكم يسمع يعني مجالسة الشيخ الألباني لبعض من يناظره ويجالسه، حيناً يأتي بشيء من المزاح في حديثه، وهذا شيء حاصل عند العلم، وعليه إلى يومنا هذا، لكنهم رحمة الله على من مات، وغفر، وحفظ الله الأحياء، أنهم يستخدمون هذا في أمور معينة، وجوانب، وأوقات. أما كما يظن كثير من ناس، ويفعله كثير من ناس، فهذا ليس بالمزاح الشرعي. فهذا شيء ما يتعلق بهذا الأمر. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، ويعلمنا ما جهلنا، والحمد لله رب العالمين.