رمضان مدرسة للأخلاق 17

الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل البشارة في الشرع وأثرها على المجتمع

يتناول المحور فضيلة البشارة في الإسلام وكيف أن الله والملائكة والنبي ﷺ يبشرون المؤمنين بالخير، مع ذكر أمثلة من القرآن والسنة على بشارات الجنة والثواب. كما يبرز حرص الصحابة على نشر البشارة بين المسلمين كأداة للتآلف والترغيب.

البشارة لأهل التوحيد وخطر التكل على رحمة الله

يوضح المحور أن من حقق التوحيد الخالص له حق على الله ألا يعذبه، لكن النبي ﷺ نهى معاذاً عن تبشير الناس بذلك لئلا يتكلوا فيقع التقصير. ويحذر من الاعتماد على نصوص الرجاء وحدها مع إغفال نصوص الوعيد، مؤكداً وجوب الجمع بين الخوف والرجاء وأداء الفرائض.

أهمية نقل البشائر وترك نشر الأخبار السيئة

يحث المحور المسلم الصادق على الجمع بين الرجاء والخوف، ويؤكد فضيلة البشارة في إدخال السرور والتآلف بين المسلمين. وينتقد انتشار نقل الأخبار المحزنة في الصحف والمجالس، داعياً إلى الحرص على نشر الأخبار السارة والتأني في إبلاغ المصائب إلا لمصلحة شرعية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فمن الأخلاق الفاضلة السامية التي حث الشرع على التخلق بها خلق البشارة، خلق البشارة أي البشرى، البشرى بأن يبشر المسلم أخاه المسلم بما يكون سبباً في إدخال السرور في قلبه. فهذا الخلق خلق رفيع، ولذلك كثرت النصوص في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام التي تحث على التخلق بهذا الخلق. فالبشارة من صفات رب العالمين سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا بشر عباده، بشر المحسنين، بشر المتقين، بشر الله جل وعلا عباده بالجنة وبالثواب الجزيل في آيات كثيرات في كتاب الله سبحانه وتعالى، بشر أهل الإيمان والعمل الصالح. وهذا الخلق أيضاً هو خلق الملائكة، فالملائكة بشرت عباداً من عباد الله سبحانه وتعالى، بشرت الملائكة يحيى بزكريا، بشرت الملائكة مريم بعيسى عليه الصلاة والسلام، وكذلك بشرت رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنصوص بهذا كثيرة في كتاب الله عز وجل، إذ قالت الملائكة: ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾. والرسول عليه الصلاة والسلام بشر في أحاديث كثيرة، قال عليه الصلاة والسلام: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»، والحديث حسنه بعض أهل العلم من الشيخ الألباني رحمة الله تعالى عليه. فهذه بشارة بشَّر بها النبي عليه الصلاة والسلام الذين يمشون إلى المساجد في الظلم، يعني في وقت يكون معه الظلام، ومع هذا يذهبون لأداء الصلاة الفريضة. وكذلك بشر النبي عليه الصلاة والسلام خديجة ببيت في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا وصب، كما جاء في الصحيح. بشر كذلك جعفر بن أبي طالب وأنه رآه يطير في الجنة بجناحيه. بشر النبي عليه الصلاة والسلام بلالاً وأنه قد سمع خشف نعليه في الجنة. بشر النبي عليه الصلاة والسلام عمر بأنه رأى له قصراً في الجنة. والبشارات كثيرة التي بشر بها النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه. وهكذا كذلك أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يحرصون على نقل البشارة وعلى التخلق بهذا الخلق، فما من أمر فيه مسرة للمسلمين إلا بادروا بنشره وببشارته لإخوانهم. من ذلك ما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لي: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً». قال معاذ: «أفلا أبشر الناس؟ أفلا أبشر الناس؟». هذا الحديث فيه بشرى، فيه بشرى لأهل التوحيد الذين حققوا التوحيد لله عز وجل، فإن من أتى بحق الله عز وجل وعبادته سبحانه وتعالى ولم يشرك بالله جل وعلا شيئاً كان له حقاً عند الله جل وعلا أوجبه الله على نفسه لعبده تفضلاً وتكرماً أن لا يعذبه ما دام أنه لا يشرك بالله جل وعلا شيئاً. فهذا الحديث به بشرى، ولذلك سارع معاذ في قوله لرسول الله عليه الصلاة والسلام: أفلا أبشر الناس؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لا تبشرهم فيتكلوا»، أي يتكلوا على هذه البشرى، فربما يقع منهم التقصير بعد ذلك. وهذا ربما حاصل عند طائفة من الناس، وهو يقول: أن الحمد لله موحد ولا أشرك بالله عز وجل شيئاً، فأنا سأدخل الجنة، يتكل على هذا الأمر فيقع في التقصير في العبادات، يقع في التهاون في أمور أخرى. وهذا تسمعون على ألسنة كثير من الناس، يقول: أنا أقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكان الأمر خلاص، يكفي أن تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. لا، لا يكفي هذا، عليك أن تأتي مع الشهادتين بلوازمهما، وأن تأتي بما يكملهما من الأمور التي أوجبها الشرع. فالإنسان لا يتكل على سعة رحمة الله عز وجل ويأخذ الأحاديث التي فيها البشارات، التي فيها البشارات لأهل التوحيد، ومن أتى بالشهادتين دخل الجنة، إلى آخر ذلك. لا، لا يتكل على سعة رحمة الله سبحانه وتعالى فيقع منه التفريط، يقع منه التفريط. تسمعون كثيراً من الناس إذا أنكرت عليه قال: إن الله غفور رحيم، إن الله غفور رحيم. يا فلان اتقِ الله، لا تفعل كذا، لا تغش، لا تكذب، لا تنظر إلى الحرام، لا تسمع الحرام، لا تفعل كذا، قال: إن الله غفور رحيم. من أين أخذ هذا؟ أخذ هذا من نصوص الرجاء التي هي بشارات، نصوص الرجاء بشارات للمسلم يفرح بها، لكن ليس للمسلم حين يسمع هذه البشارات ويقرأ هذه البشارات يتكل ويفرط ويقع منه التفريط، بل عليه أن يعلم كذلك أن الله شديد العقاب، كما قرأ هذه البشارات هو قرأ إنذارات، قرأ إنذارات في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلماذا لم يرتعد بهذه وتكون لها الوقع في نفسه فينزجر عن الحرام؟ هذا ليس من الحق أن يقرأ الإنسان ويأخذ شيئاً ويترك الآخر، فالإسلام جاء بالبشارات وهي كثيرة، ومع البشارات جاء بالإنذارات، أنذر الله عز وجل عباده خوفهم كذلك بناره، كمن رغب في جنته ووعدهم بالجنة، وكذلك توعدهم بالنار، وهكذا. فالمسلم الصادق في إيمانه الذي يسير على نهج صحيح قويم هو الذي علم أن الله عز وجل غفور رحيم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام وربه عز وجل قد بشره ببشارات، وهكذا أنذره بإنذارات، فعليه أن يجمع بين الأمرين. ولخلق البشارة فضائل كثيرة، فمن أسباب التآلف، ومن أسباب المحبة، وإدخال السرور في قلوب المسلمين، وإدخال السرور الشديد. نحن في زمن تجد من الناس من يكثر نقل الأخبار غير السارة والتي ليس فيها بشارة، ويفرح بها الناس، ولا يكثر من نقل البشارات الطيبة والأخبار السارة. ما أكثر الجرائد التي تنقل الأخبار السيئة التي ليس فيها بشارات، فما من أحد يقرأ الجرائد إلا وخرج بعد قراءته مهموماً حزيناً، لماذا؟ لأنها تضمنت ذكر أخبار سيئة ونقلاً لأمور سيئة ليس فيها بشارة. وهكذا كذلك في مجالسهم، الناس في مجالسهم كذلك يكثرون من نقل الأخبار غير السارة السيئة، بما يكون سبباً في حصول الهم والغم لكثير من الناس. فالمجالس قلت فيها الأخبار السارة، وهو يعرف ويعلم هناك أخبار تسر الناس ويستبشر بها الناس لأنها لا تُقال بالشرع، ومع هذا تجده ماذا؟ تجده غير حريص على نقلها، لكنه حريص على نقل الأخبار السيئة، على نقل الأخبار السيئة التي هي سبب لحصول الوحشة بين الناس. فالإنسان يحرص على أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يكون نقالاً للأخبار الطيبة، ولا يسارع في نقل الأخبار السيئة. اجعل الأخبار السيئة تأتي عن غيرك. مثال: إنسان ولد له مولود وهو لا يعلم، فأنت تحرص على بشارته في إدخال السرور، تقول له: يا فلان قد ولد لك مولود، سواء عبر الاتصال أو إذا لقيته. طيب، فلان مات له ميت، فلان مات له ميت أو مات له ولد، فأنت لا تسارع وتحرص على الذهاب إليه لإبلاغه إلا لمصلحة شرعية للقيام بأمر دفنه وغير ذلك. أما أنك تحرص لغير أمر من هذه الأمور فلا تسارع في هذا، لأنك تعلم أنك إذا أخبرته لن يسر بذلك، اجعل الخبر عن غيرك سيأتي. فالشاهد من هذا الكلام أننا ابتلينا في هذه الأزمنة بنقل الأخبار السيئة، وهناك أخبار سارة تظهر عن أهل العلم مثلاً في أمور فيها خير، تجد من الناس من لا يسارع في هذا ولا يحرص على نشر هذه الأخبار السارة التي هي سبب للبشارة وإدخال السرور في قلوب المسلمين. وبالمقابل تجده يحرص ويسارع إلى نقل أخبار تكون سبباً لماذا؟ الوحشة، حصول الوحشة بين الناس وغير ذلك. فلذلك علينا عباد الله أن دين الإسلام جاء بالترغيب في البشارات، وأنه من الأخلاق العالية الرفيعة، وعلينا أن نتخلق بمثل هذه الأخلاق ونسارع في نقلها وفي تبشيرها، وأن لا نسارع في نقل ما فيه إدخال الوحشة أو لا يسر الناس ذلك، فهذا مما ينبغي التنبه له. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده البشرين المنذرين القائمين بأمره جل وعلا، الواقفين عند حدوده، والحمد لله رب العالمين.