الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع أن رمضان فرصة عظيمة لتغيير الأخلاق السيئة واكتساب الحسنة، مستشهداً بحديث جبريل عن من يدرك رمضان ولا يغفر له. ويبين أن الجود والكرم من أبرز الصفات التي يتحلى بها المسلم في هذا الشهر اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود ما يكون في رمضان.
يستعرض المقطع صفة الكرم لله سبحانه وتعالى مستدلاً بالآيات والأحاديث النبوية، ويبين أن الأنبياء والملائكة اتصفوا بهذا الخلق العظيم. ويذكر أمثلة من كرم النبي محمد صلى الله عليه وسلم كإعطائه الغنم بين جبلين لرجل أعرابي، وأنه لم يُسأل شيئاً فقال لا.
يبرز المقطع كرم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشجاعته وحسن خلقه، خاصة في شهر رمضان، كما ورد في أحاديث الصحابة. ويؤكد أن الجود ليس مقتصراً على المال بل يشمل الأخلاق الحسنة والتعاون، داعياً المسلمين إلى التحلي بهذه الفضائل في هذا الشهر المبارك.
يدعو المتحدث الله أن يعين على تحصيل الخير وتجنب الشر، وأن يجعل شهر رمضان معيناً لتزكية النفوس وطهارة الأبدان والقلوب. ويختتم بالحمد والثناء على الله.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإنا أيها الإخوة في الله في شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فضيل، فضله الله عز وجل على سائر الشهور، وعلى المسلم أن يستغل هذا الشهر فيما يكون سبباً في تزكية نفسه وطهارة قلبه. فرمضان مدرسة لتصحيح الأخلاق وتحصيل القيم والمبادئ السامية العظيمة، والتخلص من الأخلاق السيئة الرديلة. فنتذاكر في دروسنا صفات أثنى عليها الشرع وأمر بتحصيلها واكتسابها، فنجاهد أنفسنا على تحصيلها، خاصة ونحن في هذا الشهر المبارك. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتصبر يصبره الله». فلا يقول الإنسان: أنا على هذه الأخلاق ولا أستطيع تغييرها واستبدالها. هذا وحي شيطاني من الشيطان يريد أن يجعلك سيء الخلق، ويحبطك ويثبطك. ولكن يا عبد الله، استعن بالله عز وجل، وخاصة وأنت في هذا الموسم العظيم، على ترك الأخلاق السيئة واستبدالها بالأخلاق الحسنة. فخسارة، خسارة أن يدخل شهر رمضان على المسلم ثم يخرج رمضان وهو لم يستفد من هذا الشهر العظيم شيئاً فيما يتعلق بتغيير أخلاقه وتحسينها. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، صححه العلامة الألباني والعلامة الوادعي رحمهما الله تعالى: قال عليه الصلاة والسلام: «رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك». قال جبريل: قل آمين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين. ثم قال: «رغم أنف امرئ أدرك أبويه أحدهما أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة». قل آمين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فقلت آمين. قال جبريل في الثالثة: «رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له». قل آمين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فقلت آمين. شاهد: «رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له». بمعنى أنه لم يستفد من رمضان هذا الثواب العظيم وهو مغفرة الذنوب. وما هو السبب في ذلك؟ وما هو السبب في حرمانه؟ السبب أنه لم يجاهد نفسه، وأنه لم يسعَ في تحصيل أسباب تحصيل هذا الثواب العظيم. من هذه الصفات العظيمة: صفة الجود والكرم. فالجود والكرم من الصفات العظيمة التي أثنى عليها الشرع وأمر بتحصيلها واكتسابها. ولذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، واللفظ للبخاري: قال عبد الله بن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله عليه الصلاة والسلام حين يدارسه جبريل القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الصفة العظيمة وعلى هذا الخلق العظيم، ألا وهو خلق الجود وخلق الكرم. هذه الصفة اتصف بها ربنا سبحانه وتعالى، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. فالله جل وعلا من أسمائه الكريم، ومن صفاته جل وعلا الكرم. ولذلك ثبت أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنهما، والحديث عند بعض أهل السنن، صححه العلامة الألباني رحمه الله عند أبي داود والترمذي وغيرهما، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها». فهذا الحديث فيه بيان أن من أسماء الله جل وعلا الكريم، ومن صفاته صفة الكرم، والتي هي بمعنى الجود. وهذه ثبت في حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه عند بعض أهل السنن، صححه العلامة الألباني رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله حيي كريم، إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً خائبتين». فالله جل وعلا حيي، والله جل وعلا كريم. ولذلك ثبت عن نبيه عليه الصلاة والسلام أيضاً في حديث أبي ذر، حديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله، حديث طويل، يقول فيه ربنا جل وعلا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم يخبر عن الله عز وجل أنه يقول: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا»... الحديث بطوله، إلى أن قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه جل وعلا: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسأل كل واحد مسألته، وأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر». فهذا فيه بيان صفة كرم الله سبحانه وتعالى، فخزائن الله جل وعلا ملأى كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فالأنبياء قد اتصفوا بهذه الصفات العظيمة: صفة الجود وصفة الكرم. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم في شأن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ... * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. فوصفه ربنا عز وجل، أي وصف نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام بأنه كريم. وأخبر الأنبياء الآخرون وأخبر الملائكة، قال جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾. فوصفهم بالكرم. فأنبياء الله جل وعلا وملائكة الله جل وعلا قد اتصفوا بهذا الخلق العظيم، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو من أفضل من اتصف بصفة الجود والكرم. ولذلك جاءه رجل أعرابي يسأله، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام غنماً بين جبلين، أعطاه غنماً بين جبلين، حتى رجع هذا الرجل إلى قومه قائلاً لهم: «يا قومي أسلموا، يا قومي أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء لا يخشى الفقر، يعطي عطاء لا يخشى الفقر». أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام غنماً بين جبلين. ومن كرمه وجوده عليه الصلاة والسلام أنه ما سئل فقال لا. إذا سئل عليه الصلاة والسلام شيئاً أعطى عليه الصلاة والسلام، وما قال لا قط. وهذا إن دلنا على شيء إنما يدلنا على سعة جوده وكرمه صلى الله عليه وآله وسلم. وكان يتصف بهذا الخلق العظيم في هذا الشهر خاصة، كما سمعتم بحديث عبد الله بن عباس: كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. فكان عليه الصلاة والسلام أجود الناس. ولذلك ثبت أيضاً في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام أحسن الناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس. ثم ذكر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ما حصل لهم لما كانوا بالمدينة من سماع صوت ففزعوا منه، فخرجوا يتتبعون أثر هذا الصوت، فوجدوا النبي عليه الصلاة والسلام راجعاً، قد تتبع أثر الصوت قبلهم، ثم رجع ثم قال لهم: «السلام، ارجعوا، ارجعوا، لا روع عليكم، لا روع عليكم» أو «لا تراعوا» كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام. وهذا يدلنا على أنه كان أشجع الناس، وكان أحسن الناس، وكان أجود الناس عليه الصلاة والسلام. فصفة الجود والكرم مما يتنافس في تحصيلها. ولذلك كثرت أقوال الشعراء، أقوال الشعراء السابقين، كثرت في مدح الكرم وفي مدح الشجاعة، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه: «كثرت أقوال الشعراء في مدح الكرم والشجاعة». ولذلك أيضاً الكرم كان من أخلاق الجاهليين، حتى أهل الجاهلية كان عندهم هذا الكرم. حاتم الطائي وصف بالكرم لشدة كرمه، ولكن لم ينفعه ذلك لأنه لم يدخل في الإسلام، وإلا فصفته محمودة. فلذلك علينا أيها الإخوة في الله ونحن في هذا الشهر الفضيل أن نجود. والجود ليس مقتصراً بالجود بالمال كما يظن كثير من الناس، يظن أن الجود يكون بالمال. ما هو كل الناس عندهم أموال؟ من الناس من عنده مال، ومن الناس من ليس عنده مال، فبماذا يجود؟ يجود بأخلاقه، يجود بتعاونه، يجود بمعاملته، فيجود بالأمور الأخرى. ومن وفقه الله عز وجل بالمال كذلك فهو يجود بماله، ويجود كذلك بأخلاقه. فهذا من الخلق العظيم ومن الصفة العظيمة التي يحرص الإنسان على تحصيلها: صفة الكرم، صفة الجود، صفة السخاء، ويحصلها ويجاهد نفسه على تحصيلها، وخاصة وهو في هذا الشهر الفضيل الذي يعين الله جل وعلا فيه عباده بالعون العظيم ما لم يعنهم فيه في وقت آخر. فالشياطين صُفدت، وهكذا النفس الأمارة بالسوء قد حُبست بمنعها من الأكل والطعام والشراب، وهذا ما يعين المسلم على مجاهدة نفسه وتخلص من أخلاق الرديلة واكتساب الأخلاق الفاضلة. وإن شاء الله سنعرج على صفات أخرى من صفات المستحبة وصفات المدمومة، حتى نعود أنفسنا وإخواننا جميعاً على تحصيل الأخلاق الحسنة واجتناب الأخلاق الرديلة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على تحصيل كل خير، وأن يجنبنا كل شر، وأن يجعل رمضان عوناً لنا ونفعاً لنا في تزكية أنفسنا وطهارة أبداننا وقلوبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. جزاكم الله خيراً.