الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المؤلف أقسام التكليف بالأفعال الاختيارية، وهي أربعة أقسام: الفعل الصريح، وفعل اللسان، والترك، وفعل القلب. يُدلل على أن الترك فعل وليس عدمًا مستشهدًا بالآيات القرآنية والأقوال الشرعية.
يناقش المقطع أقسام الأفعال في الأحكام الشرعية، ويستدل على أن الترك يمكن أن يكون فعلًا، ويتطرق إلى بعض الفروع الفقهية المتعلقة بهذا الخلاف، مثل ضمان من منع طعامًا أو شرابًا عن شخص حتى مات.
يناقش المقطع مفهوم خطاب الوضع والعلة في الفقه الإسلامي، حيث يُعرّف خطاب الوضع ويفسر معنى العلة في اللغة والاصطلاح الفقهي، واستخداماتها المختلفة في الفقه.
حفظ العقل هو حكمة تحريم الخمر؛ لأن الإسكار هو العلة في تحريمها. وقد نهى الإسلام عن كل ما يؤدي إلى الإسكار.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. المبادئ: قال المؤلف رحمه الله: فصل، قال المؤلف: والمكلف بالتكليف فعل وكف، فالفعل كالصلاة، والكف كالصوم، وترك الزنا، وشرب الخمر، إلى آخره. قال: اعلم أن الله جل وعلا إنما يكلف بالأفعال الاختيارية، وهي باستقراء الشرع أربعة أقسام. وقوله: بالأفعال الاختيارية، يخرج بذلك غير الاختيارية. قال: الأول: الفعل الصريح، كالصلاة. الثاني: فعل اللسان، وهو القول. والدليل على أن القول فعل، قوله تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، ولو شاء ربك ما فعلوه، فسمى القول فعلًا. قال: الثالث: الترك، والتحقيق أنه فعل، وهو كف النفس وصرفها عن المنهي عنه، خلافًا لمن زعم أن الترك أمر عدمي لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء. والدليل على أن الترك فعل: الكتاب والسنة واللغة. أما دلالة الكتاب على أن الترك فعل، ففي الآيات من القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، فسمى الله جل وعلا عدم نهي الربانيين والأحبار لهم صنعًا، والصنع أخص مطلقًا من الفعل، فدل على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعل، بدليل تسمية الله له صنعًا. قال: وكقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فسمى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا، وهو واضح. قال: وقال السبكي في طبقاته: إن قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، يدل على أن الترك فعل؛ لأن الأخذ: التناول، والمهجور: المتروك، فصار المعنى: تناولوه متروكًا، أي: فعلوا تركه. قالوا: أما دلالة السنة، ففي أحاديث، كقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فسمى ترك الأذى إسلامًا، وهو يدل على أن الترك فعل. قالوا: أما اللغة، فكقول الراجز: «لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك من العمل المضلل»، فمعنى قعدنا: تركنا الاشتغال ببناء المسجد، وقد سمي هذا الترك عملًا في قوله: «لذاك من العمل المضلل». قال: وينبني على الخلاف في الترك: هل هو فعل أو لا؟ فروع كثيرة في المذاهب، كمن منع مضطرًا فضل طعام أو شراب حتى مات، فعلى أن الترك فعل، فإنه يضمن ديته؛ لأنه تسبب في قتله، وعلى أنه ليس بفعل، فلا ضمان عليه. قال: وعلى هذا تأتي مسألة: من اشترك في قتل رجل، فأمسكه شخص وقتله الآخر، هل يقتل كلاهما أو أنه يقتل المباشر فقط؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. قال: الرابع: العزم المصمم على الفعل. قال: والدليل على أنه فعل، قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه»، فالحديث يدل على دلالة لا لبس فيها على أن عزم هذا المقتول المصمم على قتل صاحبه فعل دخل بسببه النار. قال المؤلف رحمه الله: الضرب الثاني من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والأخبار، وهو أقسام أيضًا. قال: اعلم أن ما ذكر من أقسام خطاب الوضع ستة أقسام. قالوا: ما ذكر من أقسام الوضع من أقسام خطاب الوضع ستة أقسام: القسم الأول: ما يظهر به الحكم، وهو نوعان. الثالث: الشروط. والرابع: الموانع. والخامس: الصحة. والسادس: الفساد. قال: اعلم أولًا أن خطاب الوضع إنما سمي خطاب الوضع؛ لأن الشرع وضع الخطاب بالأسباب والشروط والموانع، مثلا، بمعنى أنه يقول: إذا زالت الشمس، فقد وضعت وجوب الصلاة، وإذا تم النصاب والحول، فقد وضعت وجوب الزكاة. قال: وعلم أنه يفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع بفارقين ظاهرين. قال: وهما أن خطاب الوضع علامته أنه إما أن لا يكون في قدرة المكلف أصلا، أو يكون في قدرته ولا يؤمر به. قال: وخطاب الوضع أعم من خطاب التكليف؛ لأن كل تكليف معه خطاب وضع، إذ لا يخلو من شرط أو مانع، وقد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف، كلزوم غرم المتلفات وأرش الجنايات لغير المكلف كالصبي. قال: أما العلة، فهي في اللغة: عبارة عما اقتضى تغييرًا. ومنه سميت علة المريض؛ لأنها اقتضت تغيير الحال. قال: والعلة العقلية: عبارة عما يوجب الحكم لا محالة، كتأثير حركة الأصبع في حركة الخاتم. قال: والفقهاء يستعملون العلة في ثلاثة أشياء: الأول: ما يوجب الحكم، ما يوجب الحكم لا محالة، أي: إذا وجد وجد قطعًا، وهو المجموع المركب من مقتضى الحكم وشرطه ومحله وأهله. قال: الثاني من الأشياء التي يطلقون عليها العلة: هو العلة التي تخلف شرطها أو وجد مانعها، كاليمين مع عدم الحنث بالنسبة لوجوب الكفارة. قال: الثالث من الأشياء التي يطلقون عليها اسم العلة: هو الحكمة، يعني المصلحة التي قصد الشارع تعليلها للحكم. قال: وضابط الحكمة: أن هي المعنى الذي من أجله صار الوصف علة. فعلة تحريم الخمر مثلا: الإسكار، هذا وصف مناسب لتعليل ماذا: التحريم؟ وحكمته: حفظ العقل؛ لأن حفظ العقل هو الذي صار من أجله الإسكار علة للتحريم في الخمر. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.