الدرة البهية شرح القصيدة التائية  2

الدرة البهية شرح القصيدة التائية 2

الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 2، الدرس الثاني:من( بسم الله الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ... وبين أفعاله التي يختارها ويريدها ويحب حصولها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح المنظومة التائية

طلب الإخوان من الشيخ السعدي شرح المنظومة التائية لشيخ الإسلام ابن تيمية لما فيها من التحقيق العظيم في القضاء والقدر، وهو أحد أركان الإيمان الستة. شرح الشيخ المنظومة ليكشف الشكوك والشبهات حول مسائل القدر.

نقد مذهب الجبرية

يناقش المقطع مذهب الجبرية الذي يرى أن العبد مجبور على أفعاله، ويبين بطلانه بالكتاب والسنة والعقل. جميع الطوائف الإسلامية ترفض هذا المذهب وتثبت بدلاً منه مبدأي القضاء الإلهي واختيار العبد لأفعاله.

القدرة والإرادة في أفعال العباد

يشرح المقطع مفهوم القدرة والإرادة في أفعال العباد، ويبين أن الله تعالى خلق قدرة العبد وإرادته، وأن العباد هم الفاعلون لأفعالهم حقيقة باختيارهم. لا تعارض بين خلق الله لأفعال العباد وكونهم الفاعلين لها.

خاتمة وتأكيد العلم الإلهي

المقطع يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع الإشارة إلى أن العلم الكامل عند الله تعالى. تم التأكيد على أهمية الإيمان بالقضاء والقدر.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر سعدي، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد المرسلين. اللهم صل وسلم على محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فقد طلب مني بعض الإخوان أن أشرح المنظومة التائية في القدر لشيخ الإسلام والمسلمين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، رحمه الله، لما فيها من التحقيق العظيم في مسألة القضاء والقدر، ولمتانتها وصعوبة فهمها، واحتياجها إلى شرح متوسط يوضحها ويكشف عن معانيها. ولأن المقام والموضوع مقامًا مهمًا جدًا، والحاجة بل الضرورة داعية إلى علمه والتحقق به معرفة واعتقادًا؛ لأنه أحد أركان الإيمان الستة. ولأن مباحثه كذلك قد ترج على بعض المسلمين، خصوصًا مع كثرة الأهواء وأهل الباطل، فصار من الضرورة معرفة تلك المباحث، فناسب أن يشرحها الشيخ، رحمه الله، ليجل ما فيها ويبين ما يجب على المسلمين معرفته من مسائلها. قال رحمه الله: وهذا النظم قد أتى فيه الشيخ بالعجب العجاب، وبيّن الحق الصريح، وكشف الشكوك والشبهات التي طالما خالطت قلوب أذكياء العلماء وحيّرت كثيرًا من أهل العلم الفضلاء؛ لأن فيه مسائل دقيقة بالفعل كانت مشكلة على بعض من ينتسب إلى العلم، خصوصًا ممن لم يعرف طريق أهل السنة. قال لذلك: أجبت السائل لما طلبه، وأرجو الله وأسأله أن يعين على تحقيقه وتوضيحه؛ فإن التوضيح والبيان، خصوصًا في هذا المقام، أولى من الاختصار، وذكر الشواهد والأمثلة الموضحة أولى من الاقتصار. ويريد رحمه الله أن المقصود هو الإيضاح والبيان، فلذلك لم يمكنه أن يذكر تعليقًا مختصرًا جدًا، فناسب أن يوضح ذلك بشرح متوسط ليس فيه الإطالة، وفي نفس الوقت ليس فيه التقصير في حق الإيضاح والبيان. قال رحمه الله: وأسأله تعالى أن يجعل الداعي إليه إرادة وجه الكريم وإرادة النفع به للمشتغلين. ومن توفيق الشيخ، رحمه الله تعالى، وكذلك توفيق الله عز وجل، أن جعل كتبه نافعة، مما يدل على صدقه وإخلاصه، رحمه الله تعالى. ويدل على ذلك أسلوبه، وكذلك مباحثاته في كتاباته؛ فإنه رحمه الله تعالى يتجلى في كتاباته أمر نفع القارئين والسامعين والطالبين للعلم، وابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى في ذلك، نحسبه كذلك، والله حسيبه. قال: والشيخ، رحمه الله وقدس روحه، نظمها جوابًا لسؤال أورده عليه من قال: إنه ذمي ليشبه على المسلمين وليشككهم في أصول الدين؛ فإن الإيمان بالقضاء والقدر أحد أصول الإسلام ومبانيه العظام. وهذا نص السؤال. وكما تعرفون ومر معنا كثيرًا: أنه جاء في نص الكتاب والسنة ما يدل على أنه أحد أركان الإيمان، وهو من مباني الدين العظام. قال النبي عليه الصلاة والسلام حين أرسل الله عز وجل جبريل إليه ليعلم الناس دينهم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، ورواية حديث عمر في مسلم: سأله عن الإيمان، فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ويوم الآخر والقدر خيره وشره». قال رحمه الله: هذا نص السؤال: أيا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأوضح حجتي إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ولم يرضه مني فما وجه حيلتي دعاني وسد الباب دوني، فهل إلى دخولي سبيل؟ بينوا لي قضيتي، قضى بضلالي، ثم قال: ارضى بالقضى، فهل أنا راض بالذي فيه شقوتي؟ فإن كنت بالمقضي يا قوم راضيا، فربي لا يرضى بشؤم بليتي، وهل لي رضى ما ليس يرضاه سيدي؟ فقد حرت دلوني على كشف حيرتي، إذا شاء رب الكفر مني مشيئة، فهل أنا عاص في اتباع المشيئة؟ وهل لاختيار أن أخالف حكمه؟ فبالله فاشفوا بالبراهين غلتي. قال رحمه الله: هذا آخر السؤال المذكور، وحاصله أنه إراد على مذهب الجبرية القائلين: إن العبد مجبور مقهور على جميع أقواله وأفعاله، وإنه لا قدرة له على شيء منها، بل هي عندهم واقعة بغير اختياره. وهذا القول كما مر معنا في دروس سابقة هو قول الجهمية وغلاتهم على وجه الخصوص. قال رحمه الله تعالى: وهذا القول باطل بالكتاب والسنة، وباطل بالعقل والحس كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وجميع المسلمين من جميع الطوائف، أهل السنة وغيرهم، ينكرون هذا المذهب ويتبرؤون منه. فيقول هذا المشبه على المسلمين المشكك لهم، بانيًا على مذهب الجبرية الذي يتبرأ منه جميع الطوائف، سوى غلاة الجهمية من الجبرية، وهم ليسوا من المسلمين. ولهذا قال: جميع المسلمين، أي على خلاف ذلك. قال: يقول: إذا كان الله قضى علي بالكفر وقدر علي أن لا أكون مسلمًا، أو قدر علي المعاصي وأن لا أكون طائعًا، فكيف لي الخلاص من الكفر والمعاصي؟ وكيف أتمكن من الإيمان والطاعة بعدما قضى علي الكفر والمعصية؟ فهل أكون معذورًا إذا تجرأت على الكفر والفسوق والعصيان وأنا لا حيلة لي في الانفكاك عنها؟ وكيف أجمع بين الرضا بالقضاء وبين الرضا بالمقضي من الكفر والمعاصي؟ فإن الله لا يرضى بالكفر والفسوق والعصيان، فكيف قدرها علي وهو لا يرضاها؟ قال: هذا حاصل هذا السؤال، وجوابه على وجه الإجمال بسيط ولله الحمد، يعني سهل. فإنه لا يرد على مذهب جمهور طوائف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الهدى المشهود لهم بالعلم والإيمان، بل ولا على مذهب المعتزلة والقدرية والخوارج وغيرهم من أهل البدع؛ لأنهم جميعًا كما سمعنا، مع ضلالهم في هذا الباب، إلا أنهم لا يوافقون غلاة الجهمية في مذهبهم الباطل. قال: وغيرهم من أهل البدع، فإن الجميع يقولون بما جاء به الكتاب والسنة من إثبات الأصلين. أحدهما: الاعتراف بأن جميع الأشياء كلها، أعيانها وأوصافها وأفعالها، بقضاء وقدر، لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته، بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وهذا يقر به جميع طوائف المسلمين حتى أهل البدع بالجملة، وعند التفصيل لهم في ذلك ضلالات. قال: والأصل الثاني: أن أفعال العباد من الطاعات والمعاصي وغيرها، واقعة بإرادتهم وقدرتهم، وأنهم لم يجبروا عليها، بل هم الذين فعلوها بما خلق الله لهم من القدرة والإرادة. وهذا المعنى كذلك بالجملة تقر به جميع الطوائف، ولو كانت بعض الطوائف تنكر بعض التفصيل فيه، كمذهب الأشاعرة. قال رحمه الله: ويقولون: لا منافات بين الأمرين. فالحوادث كلها التي من جملة أفعال العباد بمشيئة الله وإرادته، والعباد هم الفاعلون لأفعالهم المختارون لها. فهم الذين اختاروا فعل الخيرات وفعلوها، واختاروا ترك المعاصي فتركوها. فكل إنسان في قرارة نفسه وبفطرته، وبذلك الحس والمشاهدة، فضلًا عن أدلة الكتاب والسنة، يجد نفسه فاعلًا لما يفعله مختارًا له غير مجبر عليه. قال: والآخرون اختاروا فعل المعاصي وفعلوها، واختاروا ترك الأوامر فتركوها. فاستحق الأولون المدح والثواب، واستحق الآخرون الذم والعقاب. ولم يجبر الله أحدًا منهم على خلاف مراده واختياره، فلا عذر للعاصين إذا عصوا وقالوا: إن الله قدرها علينا، فلنا بذلك العذر. فيقال لهم: إن الله قد أعطاكم المكنة -ومعنى المكنة أي التمكن من الفعل والترك- فلا عذر لكم. قال: والقدرة على كل ما تريدون، وأنتم بزيغكم وانحرافكم أردتم الشر ففعلتموه، والله قد حذركم وهيأ لكم كل سبب يصرف عن معاصيه، وأراكم سبيل الرشد فتركتموه، وسبيل الغي فسلتموه. كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال: وإذا أردت زيادة إيضاح لهذا المقام، فإنه من المعلوم لكل أحد أن كل فعل يفعله العبد، وكل كلام يتكلم به، فلابد فيه من أمرين: قدرة منه على ذلك الفعل والقول، وإرادة منه. فمتى اجتمعا -أي القدرة والإرادة- وجدت منه الأقوال والأفعال. قال: والله تعالى هو الذي خلق قدرة العبد وإرادة العبد، وخالق السبب التام خالق للمسبب. فالله تعالى خالق أفعال العباد، والعباد هم الفاعلون لها حقيقة. ولا منافات بين خلق الله لأفعال العباد وبين كون العباد هم الفاعلون لها حقيقة، كما لا منافات بين اختيار العباد لأفعالهم وفعلها باختيارهم، وبين كونها تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى؛ فإن ذلك ممكن. قال: فهذا الإيراد الذي أورده هذا المشكك، وما أشبهه من الإيرادات التي يحتج بها أهل المعاصي القدرية، يجيبونهم بهذا الجواب المفحم. فيقولون: دلت أدلة الكتاب والسنة الكثيرة على أن الله خالق كل شيء، وعلى كل شيء قدير، وأن كل شيء بقضاء وقدر، الأعيان والأوصاف والأفعال. ودلت أيضًا أدلة الكتاب والسنة أن العباد هم الفاعلون لفعلهم حقيقة، بقدرتهم واختيارهم. قال: فإنه تعالى نسب إليهم وأضاف إليهم كل ما فعلوه من إيمان وكفر وطاعة ومعصية، وأنه تعالى مكنهم من هذا ومن هذا. ولكنه تعالى حبب إلى المؤمنين الإيمان وزينه في قلوبهم. ومعناه: أنه مع دلالة أدلة الكتاب والسنة، وهداية العباد بأدلة الكتاب والسنة، أوقع الله عز وجل في فطر الناس التمييز بين الحق والباطل، وحبب إليهم الحق في فطرتهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. قال: وهذا كما أنه معلوم بالضرورة من الشرع، فهو معلوم بالحس الذي لا يمكن أحدًا المكابرة فيه. فإن العبد يفرق بين أفعاله التي يقسر ويجبر ويقهر عليها، مثل أن يرمى من سطح البيت أو يسقط من سطح البيت، هذا شيء ليس له فيه اختيار معروف بالحس، كما هو معروف بالشرع والفطرة. قال: وبين أفعاله التي يختارها ويريدها ويحب حصولها، مثل أن ينزل من السطح بالدرج بالسلم فينزل سالما، أو يرمي نفسه من فوق السطح باختياره. فإنه بالحس وبالفطرة وبالشرع يكون في الثاني ملامًا، أو أنه غير ملام لأنه فعله باختياره، وفي الأول غير ملام في كل الأحوال لأنه فعله بغير اختياره. قال: فسقوطه من على السطح بغير اختياره معدور فيه، ورمي نفسه من على السطح باختياره غير معدور فيه. وهذا معروف بالحس، فضلًا عن الفطرة والشرع. وإلى هنا والله تعالى أعلم.