الدرس في أسباب الوقوع في الشرك 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول أسباب انتشار الشرك في الأمة الإسلامية بسبب التقليد والجهل بالإسلام والإعراض عن مصادر التشريع الصحيحة. كما يشير إلى تأثير الاعتماد على المنامات والرؤى في انتشار الشرك.
يناقش خطورة بناء الأضرحة والقباب على القبور بناءً على الرؤى والأحلام، ويستشهد بقول شيخ الإسلام ابن تيمية حول كذب كثير من الرؤى وعدم ثبوت الأحكام منها.
يتحدث عن استغلال المبتدعة للأحلام لإدخال الشرك في الأمة، مستشهدا بمثالين هما ابن عربي وابن الفارض، وادعائهما رؤية النبي في المنام وأمره بنشر كتبهما المخالفة للشرع.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، أَكَانَ الْكَلَامُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ عَنْ ذِكْرِ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ أَوْ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَدَّتْ إلَى انْتِشَارِ الشِّرْكِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْأُمَّةِ مَعَ ظُهُورِ مَعَالِمِ التَّوْحِيدِ؟ فَكَانَ مِمَّا ذُكِرَ فِي الدَّرْسِ الْمَاضِيَ التَّقْلِيدُ، وَكَيْفَ أَنَّ النَّاسَ اتَّبَعُوا الْآبَاءَ أَوْ قَلَدُوا الْآبَاءَ وَالْأَجْدَادَ وَالْمَشَايِخَ مِنْ غَيْرِ دِرَايَةٍ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا مِنْ أَسْبَابِ انْتِشَارِهِ الْجَهْلُ بِدِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا وَعَدَمُ مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَةِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَأَدَّى ذَلِكَ إلَى مَا أَدَّاهُ مِنْ انْتِشَارِ الشِّرْكِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْأُمَّةِ. وَمُوَاصِلَةً، مِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَدَّتْ إلَى انْتِشَارِ الشِّرْكِ بَيْنَ النَّاسِ الْإِعْرَاضُ عَنْ مَصْدَرِ التَّشْرِيعِ، الْإِعْرَاضُ عَنْ مَصْدَرِ التَّشْرِيعِ أَمْرٌ رَبَّنَا جَلّ وَعَلَا مِنْ عِبَادِهِ إلَى الرُّجُوعِ إلَى كِتَابِهِ جَلّ وَعَلَا وَإلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ جَلّ فِي عُلَاهُ: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وَالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا جَلّ وَعَلَا هُمَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ. وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»، فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ هُمَا مَصْدَرُ التَّشْرِيعِ، تَتَلَقَّى الْأَحْكَامُ وَالْعَقَائِدُ وَالْعِبَادَاتُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَحْيَيْنِ الصَّافِيَيْنِ، وَمَا سِوَاهُمَا لَيْسَ لَهُمْ مَحَلُّ تَشْرِيعٍ مُنْفَرِدٍ، بَلْ هُمْ تَبَعٌ. لَكِنَّ الْأُمَّةَ، وَخَاصَّةً مِنْ زَاغَ مِنْهُمْ عَنْ هَذَا الطَّرِيقِ، أَعْرَضَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَأَعْرَضَ عَنْ السُّنَّةِ، فَاسْتَحْدَثَ مَصَادِرَ غَيْرَ هَذِهِ الْمَصَادِرِ، فَحِينَهَا وَقَعَ فِي شَرِّ أَعْمَالِهِ، عِنْدَمَا أَعْرَضَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاسْتَعَاضَهَا بِمَصَادِرَ جَدِيدَةٍ، بِمَصَادِرَ دَخِيلَةٍ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، هَذِهِ الَّتِي فَتَحَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهَا الشَّرَّ، وَمِنْ أَعْظَمِ الشَّرِّ الَّذِي فُتِحَ عَلَى هَؤُلَاءِ الشِّرْكُ، الشِّرْكُ وَعَدَمُ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ جَلّ وَعَلَا، كَمَا قَالَ جَلّ فِي عُلَاهُ: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، هُمْ بَدَأُوا بِالزَّيْغِ، رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا جَعَلَ الطَّرِيقَ مُوَحَّدَةً وَوَاضِحَةً، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمُحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إلَّا هَالِكٌ». فَهَا نَحْنُ، وَفِي هَذَا الْمَقَامِ وَمَا سَيَأْتِي بَعْدَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، نَذْكُرُ مَا هِيَ الْمَصَادِرُ الَّتِي أَحْدَثَهَا النَّاسُ وَمِنْ ثُمَّ جَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّرَّ، وَنَعْنِي بِالشَّرِّ أَيْ الشِّرْكَ، مِنْ هَذِهِ الْمَصَادِرِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ الْمَنَامَاتُ وَالرُّؤَى، يُعْتَبَرُ هَذَا الْبَابُ، الِاعْتِمَادُ عَلَى الْمَنَامَاتِ وَعَلَى الرُّؤَى، مَصْدَرًا مِنْ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ عِنْدَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَعِنْدَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا وَلَمْ يَأْتِ فِي السُّنَّةِ أَنْ تُجْعَلَ الْمَنَامَاتُ وَحْيًا يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي مَظَاهِرِ الشِّرْكِ الَّتِي انْتَشَرَتْ فِي أَنْحَاءِ الْمَعْمُورَةِ بَيْنَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، تَرَى أَنَّ مُعْظَمَ هَذِهِ الصُّوَرِ كَانَ مِنْ شَأْنِهَا مِنْ الْمَنَامَاتِ وَالرُّؤَى، كَمْ مِنْ قَبْرٍ شُيِّدَ لَا لِشَيْءٍ إلَّا لِمَنَامٍ؟ وَكَمْ مِنْ ضَرِيحٍ بُنِيَ لَا لِشَيْءٍ إلَّا لِمَنَامٍ؟ وَكَمْ مِنْ عِبَادَاتٍ صُرِفَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا لَا لِشَيْءٍ وَإِنَّمَا لِمَنَامَاتٍ؟ عُدَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ الْمَشَاهِدِ وَالْأَضْرِحَةِ وَالْقُبُورِ الَّتِي بُنِيَتْ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ سِوَى مَنَامٍ يُذْكَرُ. مِنْ ذَلِكُمْ قَبْرُ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَهُوَ مَشْهَدٌ عَظِيمٌ فِي الْقَاهِرَةِ، مَشْهَدٌ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ النَّاسُ رِجَالًا وَرُكْبَانًا، يُعْبَدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، قِصَّتُهُ كَمَا يُذْكَرُ أَهْلُ السِّيرِ وَالتَّارِيخِ وَالتَّتَبُّعِ لِهَذَا التَّابُوتِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ سَاقِيَةٌ يَعْمَلُ فِيهَا، وَكَانَ مَعَ شِدَّةِ تَعَبِهِ لَمْ يَجِدْ مَالًا وَفِيرًا مِنْ هَذَا التَّعَبِ وَمِنْ هَذِهِ السَّاقِيَةِ، فَإِذَا بِهِ -كَمَا يَدَّعِي- رَأَى رُؤْيَا أَنَّ زَيْنَبَ ظَهَرَتْ فِي الْمَنَامِ وَأَمَرَتْهُ بِأَنْ يَبْنِيَ الضَّرِيحَ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَقَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ بِهَذِهِ الرُّؤْيَا، فَسَاعَدَهُ مَنْ سَاعَدَهُ حَتَّى اكْتَمَلَ هَذَا الضَّرِيحُ أَوْ الْمَشْهَدُ، فَجَعَلَ نَفْسَهُ سَادِنًا لَهَا -أَيْ خَادِمًا لِهَذَا الضَّرِيحِ- وَمِنْ ثُمَّ جَمَعَ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ. انْظُرْ ضَرِيحٌ بُنِيَ لِمَنَامٍ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وَهَكَذَا مَنْ يُذْكَرُ كَذَلِكَ بِضَرِيحٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِمَشْهَدِ السَّيِّدَةِ رُقَيَّةَ بِنْتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ أَيْضًا فِي الْقَاهِرَةِ، وَهُوَ بِالْمِثْلِ مَشْهَدٌ بُنِيَ عَلَى مَنَامٍ ادَّعَتْ زَوْجَةُ الْخَلِيفَةِ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الْفَاطِمِيِّ أَنَّهَا رَأَتْ رُقَيَّةَ، أَمَرَتْهَا بِبِنَاءِ ضَرِيحٍ، فَبَنَتْهُ وَشَيَّدَتْهُ، فَأَصْبَحَ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَهَكَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، عُدَّ كَمْ هِيَ الْأَضْرِحَةُ وَالْقِبَابُ وَالْقُبُورُ الَّتِي شُيِّدَتْ وَصُرِفَتْ لَهَا الطَّاعَاتُ وَالْعِبَادَاتُ، تَجِدُ أَنَّ مَرْجِعَهَا يَرْجِعُ إلَى رُؤًى وَمَنَامَاتٍ. وَقَدْ بَيَّنَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: «وَكَثِيرٌ مَا يَرَاهُ الرَّائِي كَذِبٌ»، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -كَمَا فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ-: «وَكَثِيرٌ مَا يَرَاهُ الرَّائِي كَذِبٌ، وَعَلَى فَرْضِ صِدْقِهِ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ أَخْبَرَهُ»، «وَعَلَى فَرْضِ صِدْقِهِ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ أَخْبَرَهُ»، «وَالرُّؤْيَا الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ»، «وَالرُّؤْيَا الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ». وَانْتَبِهُوا لِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَكَثِيرٌ مَا يَرَاهُ الرَّائِي كَذِبٌ»، أَيْ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي يَدَّنِنُ النَّاسُ حَوْلَهَا، تَسْمَعُ عَنْ ضَرِيحٍ شَيْءٍ، لِمَاذَا؟ قَالَ: فُلَانٌ رَأَى رُؤْيَا، أَوْ ذَاكَ يَصِفُ طَاعَاتٍ، لِمَاذَا؟ قَالَ: رَأَى رُؤْيَا، يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: «أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الرُّؤْى كَذِبٌ مُلَفَّقٌ مُخْتَلَقٌ لَيْسَ لَهَا نَصِيبٌ مِنْ الصِّحَّةِ»، فَمَا ظَنُّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَالنَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ قَدْ كَثُرَ فِيهِمُ الْكَذِبُ وَقَلَّ فِيهِمُ الصِّدْقُ؟ فَكَمْ مِنْ أُنَاسٍ لَرُبَّمَا يُجَاهِرُونَ اللَّهَ بِالْكَذِبِ وَلَا يُبَالُونَ؟ فَكَيْفَ كَمْ مِنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ يُؤْتَمَنُونَ عَلَى أُمُورٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ؟ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَنَّ كَثِيرًا مَا يَرَاهُ الرَّأْيُ كَذِبٌ»، ثُمَّ قَالَ: «وَعَلَى فَرْضِ صِدْقِهِ -لَوْ سَلَّمْنَا مَثَلًا أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ صَادِقٌ فِي دَعْوَاهُ وَأَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا- قَالَ: وَعَلَى فَرْضِ صِدْقِهِ فَإِنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُ شَيْطَانٌ»، «الشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ فِي حَالِ الْيَقَظَةِ وَفِي حَالِ الْمَنَامِ، يَتَلَاعَبُ بِعِبَادِ اللَّهِ»، وَلِهَذَا ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ إِمَّا رُؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَإِمَّا حُلْمٌ مِنْ الشَّيْطَانِ، «حُلْمٌ مِنْ الشَّيْطَانِ يَأْتِي الشَّيْطَانُ وَيَتَلَاعَبُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ فِي مَنَامِهِمْ»، فَالرَّجُلُ رُبَّمَا يَرَى الشَّيْطَانَ أَمَامَهُ وَلَا يَعْلَمُ بِأَنَّهُ شَيْطَانٌ، فَيَأْمُرُهُ وَيَنْهَى، وَيَتَسَمَّى بِأَسْمَاءٍ طَيِّبَةٍ، فَيَقُومُ هَذَا النَّائِمُ وَيَظُنُّ أَنَّ الَّذِي رَآهُ وَلِيٌّ، وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ شَيْطَانٌ يَتَلَاعَبُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، مُنَبِّئًا عَلَى فَائِدَةٍ عَظِيمَةٍ: قَالَ: «وَالرُّؤْيَا الْمَحْضَةُ -رُؤْيَا مُحْضَةٌ- قَالَ: وَالرُّؤْيَا الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ»، أَيْ: لَوْ أَنَّهُ رَجُلًا مَثَلًا لَيْسَ بِكَاذِبٍ أَوَّلًا، ثُمَّ إنْ كَانَ صَادِقًا، رَأَى شَيْطَانًا إذَا قُلْنَا لَيْسَ بِكَاذِبٍ وَمَا رَأَى شَيْطَانًا، رَأَى رُؤْيَا، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَوْ أَنَّهَا رُؤْيَا رَآهَا، فَإِنَّ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، لَيْسَ هُنَاكَ تَشْرِيعٌ يُشَرَّعُ عَلَى الْأُمَّةِ مِنْ الْمَنَامَاتِ. يَأْتِي وَاحِدٌ مِنْ النَّاسِ يَا إخْوَانُ: لَنَا فَرْضٌ زَائِدٌ، أَصْبَحَتْ الْفُرُوضُ عِنْدَنَا سِتُّ فُرُوضٍ، لِمَاذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ جَاءَ وَحْيٌ فِي الْمَنَامِ، وَرَأَيْتُ هُنَاكَ رَجُلًا صَالِحًا، أَمَرَنِي بِسِتِّ فُرُوضٍ تُؤَدَّى قَبْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَتَيْنِ، هَذَا مَهْوُوسٌ، مَنْ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ؟ وَهَكَذَا قُلْ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، لَيْسَ هُنَاكَ تَشْرِيعٌ، كَمَا يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: «بِالِاتِّفَاقِ وَالرُّؤْيَا الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ». وَهَكَذَا الْكَثِيرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ دَعَوْا الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، عَلَى أَنَّ الْمَنَامَاتِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهَا أَحْكَامٌ، لَا فِي أَمْرٍ وَلَا فِي نَهْيٍ، فَكَيْفَ يَعْدُ اللَّهُ تَأْتِي بِحُكْمٍ يُصَادِمُ عَقِيدَةً كَامِلَةً، عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ، عَقِيدَةً مَوْجُودَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ، عَقِيدَةً جَاءَ بِهَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَذَلَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَحَيَاتَهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ يَأْتِي مَنَامٌ وَيَنْسِفُ ذَلِكَ، إقَامَةَ الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَةِ وَصَرْفِ الطَّاعَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهَذَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ، عِنْدَمَا لَمْ يَتَفَطَّنْ النَّاسُ لِخُطُورَةِ هَذَا الْمَذْهَبِ -وَهُوَ فَتْحُ الْمَنَامَاتِ لِبَابِ التَّشْرِيعِ- دَخَلَ عَلَى النَّاسِ الْكَثِيرُ مِنْ الْبِدَعِ، وَاسْتَطَاعَ الْمُبْتَدِعَةُ أَنْ يُدْخِلُوا الشِّرْكَ فِي الْأُمَّةِ بِحُجَّةِ الْمَنَامَاتِ، انْظُرْ مَثَلًا ابْنَ عَرَبِيَّ، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا فِي مَقَامَاتٍ قَرِيبَةٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَذَا الرَّجُلِ، وَأَنَّهُ مِنْ رُؤُوسِ الضَّلَالِ وَالْهَلَاكِ، ابْنُ عَرَبِيٍّ يَقُولُ فِي كُتُبِهِ، وَفِي كِتَابِهِ «فُصُوصِ الْحِكَمِ فِي الْمُقَدِّمَةِ» يَقُولُ: «وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي الْمَنَامِ فِي الْعَشْرِ الْآخِرِ مِنْ مُحَرَّمٍ فِي دَمِشْقَ، وَبِيَدِهِ كِتَابٌ»، قَالَ: «هَذَا فُصُوصُ الْحِكَمِ، هَذَا فُصُوصُ الْحِكَمِ، خُذْهُ وَاخْرُجْ بِهِ إلَى النَّاسِ». الْآنَ ابْنُ عَرَبِيٍّ أَرَادَ أَنْ يُلَبِّسَ هَذَا الْكِتَابَ بِلِبَاسٍ شَرْعِيٍ، أَرَادَ أَنْ يَنْتَشِرَ عِلْمٌ، أَنَّ النَّاسَ مِنْ سُذْجَتِهِمْ تَنْطَلِي عَلَيْهِمُ الْمَنَامَاتُ، فَاخْتَلَقَ مِنْ مَنَامٍ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ أَمَامَهُ، وَنَبِيٌّ مَعَهُ كِتَابٌ، قَالَ: «هَذَا كِتَابُ فُصُوصِ الْحِكَمِ»، مَا الَّذِي أَلَفَهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ؟ ابْنُ عَرَبِيٌّ هُوَ الَّذِي أَلَفَ هَذَا الْكِتَابَ، لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكْسُوَهُ صِبْغَةً شَرْعِيَّةً، فَادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ أَعْطَاهُ الْكِتَابَ وَقَالَ: «خُذْ هَذَا الْكِتَابَ وَانْشُرْهُ لِلنَّاسِ». يُقَالُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَيْضًا أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْمُرُ بِنَشْرِ «فُصُوصِ الْحِكَمِ»، «فُصُوصُ الْحِكَمِ» يُعْتَبَرُ مِنْ كُتُبِ الشِّرْكِ، «فُصُوصُ الْحِكَمِ» يُعْتَبَرُ مِنْ كُتُبِ الشِّرْكِ فِي عَقِيدَةِ الْحُلُولِ وَفِي عَقِيدَةِ الِاتِّحَادِ، يَقُولُ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ: «وَلَا شَكَّ فِي اجْتِمَاعِ فُصُوصِهِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ بِالْكُفْرِ الصَّرِيحِ»، «بِالْكُفْرِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ»، وَهَكَذَا «فُتُوحَاتِهِ الْمَكِيَّةِ»، «وَهَكَذَا فُتُوحَاتِهِ الْمَكِيَّةِ»، قَالَ: «وَإِنْ صَحَّ مَا صَدَرَ عَنْهُ وَاسْتَمَرَّ إلَى وَفَاتِهِ فَهُوَ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ». هَذَا مَاذَا؟ «فُصُوصُ الْحِكَمِ» كِتَابٌ، قَالَ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ: «لَا شَكَّ أَنَّ فِيهِ كُفْرًا صَرِيحًا، وَأَنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ إنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ الْعَقِيدَةِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ»، فَبِاَللَّهِ عَلَيْكُمْ، هَلْ يَأْتِي نَبِيُّنَا وَيَأْمُرُ بِهَذَا الْكِتَابِ الْكُفْرِيِّ بِنَشْرِهِ؟ أَنْ يُنْشَرَ بَيْنَ الْأُمَّةِ؟ وَمَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ، لَكِنَّهُ يَتَأَتَّى عِنْدَ السُّذَّجِ الَّذِينَ فَتَحُوا بَابَ الْمَنَامَاتِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَجَعَلُوا بَابًا مِنْ أَبْوَابِ التَّشْرِيعِ، سَيُصَدِّقُونَهُ. وَهَكَذَا قُلْ مَا فَعَلُوا، ابْنُ الْفَارِضِ، ابْنُ الْفَارِضِ أَيْضًا رَجُلٌ مِنْ رُؤُوسِ الضَّلَالِ، رَأَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ فُتِحَ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، وَأَنَّ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَدُسَّ الشِّرْكِيَّاتِ فِي الْأُمَّةِ، ادَّعَى مَنَامًا عَادَ لِيَخْتَارَ -كَمَا يُقَالُ- لِيَخْتَارَ مَنَامًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، لَكَانَ ذَلِكَ أَطْيَبَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ أَرَادَ أَنْ يَدُسَّ فِتْنَةً أَوْ شِرْكًا فِي الْأُمَّةِ، يَدَّعِي مَنَامًا مَعَ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَأَعْظَمُ يَدَّعُونَهُ مَعَ نَبِيِّنَا، يَقُولُ ابْنُ الْفَارِضِ بَعْدَمَا أَلَفَ كِتَابَهُ أَوْ الْمَنْظُومَةَ الْمُسَمَّاةَ أَوْ الْمُسَمَّاةَ بِالتَّائِيَةِ، وَيُسَمِّيهَا أَتْبَاعُهُ بِالتَّائِيَةِ الْكُبْرَى، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَنِي عَنْ هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ، بِمَاذَا أَسْمَيْتَهَا؟ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْمَيْتُهَا بِلَوَامِعِ الْجِنَانِ وَرَوَائِحِ الْجِنَانِ»، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ: «بَلْ سَمِّهَا نَظْمَ السُّلُوكِ، بَلْ سَمِّهَا نَظْمَ السُّلُوكِ». وَانْتَشَرَتْ وَأَصْبَحَتْ تُسَمَّى الْآنَ عِنْدَ أَتْبَاعِهِ وَعِنْدَ مَنْ يَنْتَحِلُ مِنْهَجَهُ تُسَمَّى بِنَظْمِ السُّلُوكِ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الرَّسُولَ سَمَّاهَا بِنَظْمِ السُّلُوكِ، الْآنَ نَنْظُرُ، نَبِيُّنَا يَزَكِّي ابْنَ الْفَارِضِ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى هَذِهِ الْقَصِيدَةِ، عَلَى هَذِهِ الْقَصِيدَةِ التَّائِيَةِ، وَيَمْدَحُهَا وَيُثْنِي عَلَيْهَا، بَلْ أَعْطَاهَا عُنْوَانًا مِنْ عِنْدِهِ -كَمَا يَدَّعِي- سَمَّاهَا «نَظْمَ السُّلُوكِ»، مَا هَذِهِ التَّائِيَةُ؟ التَّائِيَةُ عِبَارَةٌ عَنْ قَصِيدَةٍ كُفْرِيَّةٍ، التَّائِيَةُ قَصِيدَةٌ كُفْرِيَّةٌ، سُمِّيَتْ بِالتَّائِيَةِ لِأَنَّهَا تَنْتَهِي بِتَاءِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ. لِمَاذَا تَنْتَهِي بِتَاءِ التَّأْنِيثِ؟ لِأَنَّ ابْنَ الْفَارِضِ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ يُنَاجِي مَنْ؟ يُنَاجِي اللَّهَ جَلّ وَعَلَا، لَكِنَّهُ بِمَاذَا؟ يُنَاجِي اللَّهَ جَلّ وَعَلَا بِصِيغَةِ الْأُنْثَى، يُنَاجِي اللَّهَ جَلّ وَعَلَا بِصِيغَةِ الْأُنْثَى، يَقُولُ فِي مُطْلَعِهَا: «لَهَا صَلَوَاتِي أَعُوذُ بِاَللَّهِ كُفْرٌ لَهَا صَلَوَاتِي أُقِيمُهَا بِالْمَقَامِ وَأَشْهَدُ فِيهَا أَنَّهَا لِي صَلَّتْ وَيَسِيرُ صَلَّتْ قَامَتْ»، يُخَاطِبُ مَنْ؟ يُخَاطِبُ رَبَّنَا جَلّ وَعَلَا بِصِيغَةِ الْأُنْثَى، كُفْرٌ وَرِدَّةٌ. فَبِاَللَّهِ عَلَيْكُمْ، هَلْ يَرْضَى نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ يُخَاطِبُ رَبَّهُ بِصِيغَةِ الْأُنْثَى؟ وَلِهَذَا يَقُولُ الْبَقَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ: «وَصَارَتْ نِسْبَةُ الْعُلَمَاءِ إلَهَ -أَيْ ابْنَ الْفَارِضِ- وَصَارَتْ نِسْبَةُ الْعُلَمَاءِ إلَيْهِ إلَى الْكُفْرِ قَدْ تَوَاتَرَتْ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا»، أَيْ: ابْنُ الْفَارِضِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافِرٌ، هَذَا كَافِرٌ، لَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ، قَالَ: «بَلْ قَالَ مُتَوَاتِرٌ»، «وَصَارَتْ نِسْبَةُ الْعُلَمَاءِ إلَيْهِ -أَيْ إلَى الْكُفْرِ- قَالَ: وَالتَّوَاتُرُ ذَلِكَ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا». فَبِاَللَّهِ عَلَيْكُمْ، كَيْفَ يُنْطَلَى هَذَا الشِّرْكُ عَلَى الْأُمَّةِ بِحُجَّةِ مَنَامٍ؟ يَأْتِي بِمَهْوُوسٍ رَجُلٍ كَمِيقَاقٍ، لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الدِّينِ، بَلْ خَائِنٌ لِلدِّينِ، خَائِنٌ لِرَبِّهِ جَلّ وَعَلَا، ثُمَّ يَأْتِي بِمَنَامٍ، وَالنَّاسُ يُصَدِّقُونَهُ وَيَقُومُونَ بِنَشْرِهِ، وَهَكَذَا يَقُولُ: لِي كَثِيرٌ مِنْ الشِّرْكِيَّاتِ وَقَعَتْ وَطَرَأَتْ فِي الْأُمَّةِ، حُجَّةُ أَصْحَابِهَا بِمَنَامٍ، مَنَامٍ إمَّا مَعَ نَبِيِّنَا وَإِمَّا مَعَ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمِنْ التَّابِعِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ، وَإِنْ صَحَّ فَإِنَّ