نصائح وتوجيهات تربوية 1

نصائح وتوجيهات تربوية 1

الدرس في نصائح وتوجيهات تربوية 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إخلاص النية ومجاهدة النفس في طلب العلم

يؤكد هذا المحور على ضرورة إخلاص النية لله وحده في طلب العلم، محذراً من مداخل الشيطان كحب الشهرة والتصدر والمال، ويستشهد بأقوال السلف كسفيان الثوري والدارقطني وابن الشاطبي في مشقة مجاهدة النية، ويبين أن طلب العلم للتباهي أمام العلماء أو مجادلة السفهاء أو جذب الأنظار يحبط الأجر ويوجب مجاهدة النفس لتصحيح القصد.

الوعيد الشديد لمن طلب العلم لغير الله

يسرد هذا المحور أحاديث صحيحة في الوعيد الشديد لمن تعلم العلم وقرأ القرآن رياءً، حيث يُسحب إلى النار يوم القيامة، وينقل بكاء العلماء وخوفهم من هذا المصير، مع ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم المحذر من الشرك الخفي والشهوة الخفية (الرياء وحب الظهور)، وكيف كان السلف يجتهدون في إخفاء أعمالهم الصالحة خوفاً من الرياء.

أحكام طلب العلم للدنيا وجواز الأخذ عليه

يفصل هذا المحور في حكم طلب العلم لعرض دنيوي مبيناً أن من تعلم لغير وجه الله لم يجد عرف الجنة، ويورد أحاديث توعد من تعلم ليباهي أو يماري أو يصرف الوجوه إليه بالنار، ويوضح جواز الأخذ على العلم تبعاً إذا كان القصد الأصلي وجه الله دون تشوف أو اشتراط للدنيا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن شاء الله تعالى في هذه الأيام التي يعيش فيها هذا المركز في هذه الدورة العلمية التربوية، أحببنا أن نجمع بعض التوجيهات التربوية التي يحتاجها طلاب العلم. فالتوجيه الأول، والأمر الأول الذي ينبه عليه طالب العلم: إخلاص النية لله عز وجل، وأن يقصد بعلمه وجه الله سبحانه وتعالى، وأن يجاهد نفسه على ذلك. فإن هذا الأمر ليس بالهيّن؛ أمر المجاهدة في إخلاص النية في طلب العلم. فإن مداخل الشيطان لطالب العلم كثيرة جدًّا؛ لأن طلب العلم ربما يجد فيه الشيطان مداخل كثيرة، لأنه ربما يكون سببًا في رفعة العبد، وفي تصدّره، وفي الإشارة إليه بالبنان. وكل ذلك يحتاج منه إلى إخلاص، وإلى مجاهدة، وأن لا يطلب العلم من أجل هذه الأغراض الدنيئة: لا من أجل المال، ولا من أجل الشهرة، ولا من أجل التصدّر، ولا كذلك من أجل غيرها من المقاصد الدنيئة. ولذلك كان سلفنا الصالح رحمهم الله يجاهدون أنفسهم، كما جاء عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى أنه قال: «ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيتي، ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيتي». وهو سفيان الثوري بلغ مبلغًا عظيمًا في العلم والإمامة، ومع هذا ما وجد شيئًا أشدّ، وأخطر عليه من النية، فسارع في مجاهدتها، وفي إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى. وكذلك جاء عن الدارقطني، أو عن الدارقطني أبي الحسن، أو أبي الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: «طلبنا العلم لغير الله، فأبى الله، أو فأبى أن يكون إلا لله، فأبى أن يكون إلا لله». فهذا الأثر فيه أن طالب العلم في أثناء طلبه قد يتعرض لشيء من هذه المطامع التي تعكر عليه نيته، ولكن مع الاستمرار، ومع المجاهدة، ومع الدعاء والصدق والإخلاص، يستطيع أن يتغلب على هذه الأمراض الفتاكة. وكذلك يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: «آخر الأشياء نزولًا من قلوب الصالحين حب السلطة والتصدّر». الصالح يترك الزنا، ويترك النظر إلى المحرمات، وهكذا أشياء كثيرة من الأمور التي هي من أمراض القلب كالحسد، وهكذا العجب والكبر، وإلى غير تلك الأمراض يمكن أن يتخلص عنها، لكن آخر شيء ينزل من قلبه هو حب السلطة والتصدّر. فهذا يدل على أن السلف كانوا ينتبهون لمثل هذه الدقائق، ولمثل هذه الأمور. ينبغي لطالب العلم أن يجاهد نفسه، وأن يتذكر الأحاديث الكثيرة التي فيها الوعيد الشديد لمن لم يخلص عمله لله، ولمن لم يطلب العلم لوجه الله. فمن ذلك ما جاء في الصحيح، في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أول الناس يُقضى عليه يوم القيامة ثلاثة»، وذكر منهم وهو وجه شاهدنا، وهو وجه شاهدنا: «ورجل تعلّم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، عرفه الله عز وجل نعمه عليه. نعم طلب العلم نعمة عظيمة، حفظ القرآن وتلاوة القرآن، فعرف هذه النعمة وأقرّ بها. قيل له: ما عملت فيها؟ قال: تعلّمت العلم وعلّمته، تعلّمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن. فيقال له: كذبت، ولكن تعلّمت العلم ليقال: عالم، وقرأت في القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». كان العلماء رحمهم الله تعالى إذا مروا على هذا الحديث يبكون؛ لأنه يعنيهم. بل كان راوي الحديث أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، لما يحدث بهذا الحديث، يغشى عليه من شدة الوعيد الذي جاء في هذا الحديث. فهذا يجعل الطالب يجتهد ويعالج نيته، إن دخلها شيء من الخلل، ومن حب كذلك الدنيا بشتى زينتها وفتنتها، سواء كان فتنة مال، أو فتنة تصدّر، أو فتنة رئاسة، أو فتنة تكبّر، أو فتنة مماراة، أو إلى غير ذلك. وكذلك من الأحاديث التي جاءت وفيها الوعيد الشديد لمن طلب العلم لغير الله، ما جاء في «الصحيحة» صحّحها الشيخ الألباني في المجلد الثاني، صفحة عشرين، حديث خمسمائة وثمانية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يا معشر العرب، أخوف ما أخاف عليكم الشرك والشهوة الخفية». الشهوة الخفية هي ما تكون في القلب من الرياء، ومن كذلك حب الشهرة وحب الظهور، وإلى غير ذلك. هذا أخوف ما يخاف علينا منه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: «إن الشهوة الخفية حب اطلاع الناس على العمل». فاسأل نفسك يا طالب العلم: هل تحب وتنشرح عندما يطلع الناس على عملك؟ وهل تسعى إلى ذلك في إظهار عملك؟ ينبغي عليك أن تسأل نفسك. ولقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يحرصون كل الحرص، ما أمكنهم، في أن يخفوا أعمالهم، يخفوا أعمالهم. فلربما، فلربما بكى أحدهم من خشية الله، فيوهم الحاضرين أن به زكامًا، ويقول: «لا إله إلا الله، ما أشدّ الزكام!» وهو يبكي من خشية الله، حتى لا يظهر هذا العمل؛ لأنه عمل جليل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». وهكذا ربما يجاهدون، كما نقل ذلك عن ابن المبارك، يجاهد ويتلثّم حتى لا يعرفه أحد، يخفون أعمالهم. بخلاف ما عليه حال كثير من طلبة العلم في هذا الزمان، ربما يمدح نفسه: «وفعلت، وفعلت، وعملت، وعملت، وأنا أحفظ كذا، وقد وقفت على هذه الفائدة الساعة الثالثة في الثلث الأخير من الليل، وأنا الذي جاهدت، وأجبت البلاد دعوة إلى الله، وأعرف بلاد كذا وكذا، وأنا الذي فعلت كذا وكذا». وهكذا يظهر أعماله. فهذه هي الشهوة الخفية: حب واطلاع الناس على العمل، يحب أن يطلع الناس على عمله الصالح. فهذا ليس من خلق أهل الصلاح، ومن خلق أهل التقى، ومن خلق أهل العلم. ومن الأحاديث أيضًا التي يصححها العلامة الألباني، وفيها الوعيد الشديد لمن لم يطلب العلم لوجه الله ولم يخلص في طلبه للعلم، ما جاء في كذلك «الجامع الصحيح» للشيخ الألباني، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من تعلّم علمًا مما يبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة». وعيد شديد: «من تعلّم علمًا مما يبتغى به وجه الله»، العلم النافع، علم الكتاب والسنة، تعلّمه، وينبغي لمن يتعلمه، لمن يتعلمه أن يخلص فيه، فهو لم يخلص فيه، ما تعلّمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، من أجل الدنيا، ومن أجل حطام هذه الدنيا، ومن أجل أن يتعيش بهذا العلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة». وليس معنى هذا أن طالب العلم إذا أُعطي عطاء مقابلًا، مثلًا بعض الأعمال العلمية التي يقوم بها من تدريس أو تأليف، أو إلى غير ذلك، أن هذا يدخل في هذا الحديث مطلقًا. لا، وإنما من طلب العلم من أجل هذا الغرض فقط. أما أن يكون تبعًا: تتعلّم لوجه الله ثم تُكرم دون تشرف، ودون اشتراط، تُكرم مقابل عمل دعوي تقوم به، فهذا يرجى أن لا يكون به بأس. ومع هذا ينبغي لطالب العلم أن يجاهد نفسه، أن يجاهد نفسه، وأن يعالج نيته، وأن يعالج نيته. «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا». فلا بأس تبعًا أن ينال طالب العلم شيئًا مقابل تفرّغه، ومقابل كذلك مقابل جدّه واجتهاده بطلب العلم، وبعده عن فتن هذه الدنيا ومشاغلها، فلا بأس بذلك. وأيضًا من الأحاديث التي جاء فيها الوعيد لمن لم يخلص في طلبه للعلم، ما رواه الترمذي من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار». ويصحح العلامة الألباني. فهذه أمور تجعل الطالب للعلم، لم يخلص في طلبه للعلم، يتعلّم من أجل أن يباهي به العلماء، من أجل أن يقال: «ما شاء الله، هذا عنده محفوظات، هذا عنده معلومات، هذا عنده علم»، يباهي، أو يماري به السفهاء، يجادل بهذا العلم من أجل أن يقال: «فلان يغلب ولا يغلب، وفلان حجته قوية»، وأكد مجادلات ومهاترات، أو يصرف وجوه الناس إليه، من أجل أن يشار إليه بالبنان، ويقال: «فلان عالم، وفلان قارئ، وفلان ماهر، وفلان كذا وكذا». ينبغي لطالب العلم أن يجاهد نفسه: «ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيتي»، قاله سفيان الثوري رحمه الله. فهكذا ينبغي أن نجاهد أنفسنا، وأن نعالج نياتنا، حتى نؤجر الأجر الذي يبيض وجوهنا يوم القيامة. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.