الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر المؤلف أن الرضا صفة فعلية ثابتة لله تعالى تليق بجلاله وتعلّق بمشيئته، يرضى عن المؤمنين والمتقين ولا يرضى عن الكافرين، ويميّز بين الرضا ذاته ولوازمه من ثواب وإحسان. ويرد على المعطلة الذين أولوا الرضا بالثواب، مستدلاً بقول النبي ﷺ: «أعوذ برضاك من سخطك» مما يدل على أن الرضا صفة غير مخلوقة، وأن رضا الله تعالى هو أعظم النعيم الذي تسابق إليه الأنبياء.
يستعرض المقطع أهمية طلب رضا الله تعالى كما دعا الأنبياء إبراهيم وزكريا وإسماعيل ومحمد صلى الله عليهم وسلم، ويبين أن رضا الله من أعظم النعيم في الجنة. ويذكر أن أسباب نيل الرضا تتمثل في تحقيق التوحيد، والاعتصام بحبل الله، ونصيحة ولاة الأمر، وشكر النعم، بينما يؤدي الكفر وجحود النعم إلى سخط الله.
يستعرض المقطع أهم الأسباب المؤدية لرضا الله تعالى، ومنها: شكر النعم، والتقوى، والإخلاص، والصدق، والخشية، والإيمان والعمل الصالح، والتوكل على الله، وإيثار رضا الله على رضا الناس، والصبر على الابتلاءات. ويؤكد أن من أسس حياته على تقوى الله ورضوانه فاز في الدنيا والآخرة، بينما من سعى لإرضاء الناس بسخط الله نال السخط من الجانبين.
يشرح المقطع حديث «فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط» مبينًا أن رضا الله نعمة عظيمة وسخطه عقوبة، ويستشهد بآية الفتح التي تصف الصحابة بأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، ويختتم بالدعاء بأن يجعلنا الله من أهل رضاه ومحبته.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأن الله تعالى يرضى ما شرعه من الأعمال والأقوال، ويكره ما نهى عنه منها. ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7]. وقال تعالى: ﴿ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46]. ونؤمن بأن الله تعالى يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. قال تعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة: 8]". ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع أن من الإيمان بالله جل وعلا الإيمان بأن الله جل وعلا يرضى، وله صفة الرضى جل وعلا كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى. رضى الرب جل وعلا غير رضى المخلوق، فرضى المخلوق يليق بذات المخلوق، ورضى الخالق يليق بذات الخالق جل وعلا. فالله سبحانه وتعالى يرضى، والرضى من الصفات الفعلية لأنها تتعلق بمن شاء جل وعلا أن يرضى عنه. فالله جل وعلا لا يرضى عن كل أحد، وإنما يرضى عن المتقين، وعن المحسنين، وعن المؤمنين، ولا يرضى عن الكافرين. فرضاه جل وعلا خاص بعباده الذين أحبهم، وهذا الرضى منه جل وعلا متعلق بمشيئته جل وعلا، فيرضى عن من شاء، ويسخط من شاء سبحانه وتعالى. ومن لازم هذا الرضى أن الله جل وعلا يثيب من رضي عنه، فمن رضي عنه جل وعلا فإنه يثيبه وينعم عليه ويحبه ويكرمه. هذا من لازم الرضى ومن مقتضى الرضى، ليس هو الرضى. فليس الثواب من الله جل وعلا هو الرضى، وليس الإنعام منه جل وعلا والإحسان والإكرام هو الرضى. إنما هذه الأمور هي من لوازم الرضى. فالرضى شيء، والإحسان شيء، والإكرام شيء، والثواب شيء. أهل التعطيل يفسرون الرضى بالثواب، أي أن رضى الله جل وعلا معناه الثواب، يرضى أن يثيب أو يحسن. نقول: هذا من اللازم، من لازم الرضى، ليس هو الرضى. وإنما الرضى الرضى شيء آخر، الرضى شيء آخر، فهو وصف قائم بالله جل وعلا يتصف به جل وعلا متى شاء وكيف شاء، ويرضى عن من يشاء جل وعلا. هذا الرضى الذي ينتج هذا ويثمر هذا، يثمر الإحسان على العبد، والثواب للعبد. هذه من لوازم الرضى وليس هو الرضى. فالرضى وصف وصفة تليق بالله جل وعلا، ولله المثل الأعلى. المخلوق يرضى، المخلوق يرضى، يرضى عن شخص، نعم، يرضى عن رجل فيكرمه أو يعطيه شيئا من المال. نعم، فهل إعطاؤه هذا المال، إعطاؤه هذا الرجل، الرجل الآخر الذي رضي عنه شيئا من المال، أو مثلا يضيفه ويجعل له ضيافة، هل هو الرضى؟ هل هو الرضى الذي قام بوصف هذا المخلوق؟ وهذا الوصف الذي قام بالمخلوق، لا، الرضى الذي هو وصف قام بالمخلوق ليس هو إعطاء المال، أو ذلك المال الذي أعطاه، أو تلك الضيافة، أو ذلك الإكرام. إنما ذلك من لازم الرضى. لما رضي المخلوق عن المخلوق الآخر أكرمه، أو أعطاه شيئا من المال، أو كذا، أو كذا. لكن ليس هو الرضا الذي قام بقلبه، أي بقلب هذا المخلوق. فالرضا شيء، والإكرام الذي أثمره، أثمره ذلك الرضا في نفسه، أو الإحسان، أو الثواب، ليس هو الرضا. ولله المثل الأعلى. فالله جل وعلا يرضى، وهذا الرضا وصف يقوم بالرب جل وعلا متى شاء، لأنه متعلق بمشيئته جل وعلا. متى ما شاء رضي جل وعلا. هذا الرضا من الله جل وعلا عن عباده، ما هو ثماره؟ ماذا يثمر؟ يثمر الإحسان إلى عباده، والثواب لهم، والإكرام. فالإكرام منه جل وعلا لعباده، والإحسان منه جل وعلا لعباده، والثواب من الله جل وعلا لعباده، ليس هو الرضا الوصف الذي قام برب العالمين جل وعلا. وإنما الإحسان منه، والإكرام، والثواب شيء، والرضا الذي هو الوصف والصفة التي اتصف الله جل وعلا بها شيء آخر. فهذا يدلك على ضلال أهل التعطيل، الذين فسروا صفة الرضا الثابتة لله جل وعلا بأنها الثواب، أو بأنها الإحسان، أو بأنها الإكرام. فسروا الصفة بلازمها وبمقتضاها، وهذا باطل. كما سمعتم، أهل السنة والجماعة، كما سمعتم، يثبتون صفة الرضا صفة فعلية لله جل وعلا تتعلق بمشيئته، ليست هي الإحسان، أو كذلك الإكرام، أو الثواب. وإنما الإحسان والإكرام والثواب والإنعام من دوازم الرضا منه جل وعلا لعباده، بأن يكرمهم ويثيبهم وينعم عليهم ويحسن إليهم. فالرضا صفة ثابتة لله جل وعلا من الصفات الفعلية تتعلق بمشيئته سبحانه وتعالى. وما يدل على بطلان هذا القول أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ برضا الله جل وعلا، يستعيذ برضا الله جل وعلا. كان يقول عليه الصلاة والسلام، كما في مسلم من حديث عائشة: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». فكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالرضا، فدل على أن الرضا صفة من صفات رب العالمين جل وعلا، ليست مخلوقة، لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، وفيما لا يطلب إلا من الله جل وعلا، شرك بالله جل وعلا. فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما كان يستعيذ برضا رب العالمين الذي هو صفة لله جل وعلا. وليس هو يستعيذ بالثواب، ليس معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «أعوذ برضاك» أي بثوابك. فالثواب مخلوق، ثواب مخلوق. نعم، فكيف يستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام بمخلوق؟ دل هذا على أن الرضا صفة ليست مخلوقة، وليس معناها كذلك الثواب، كما فسر ذلك أهل التعطيل. والرضا من رب العالمين جل وعلا، لأجله حريص الحريصون، ولأجله تنافس المتنافسون، وتسارع الأنبياء، وتسابق المتسابقون، لأجل تحصيله. ذلك لأن الرضا من الله جل وعلا من أعظم النعيم، من أعظم النعيم، تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا. فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [التوبة: 72]، ورضوان من الله أكبر، يعني أكبر وأعظم من كل نعيم، أعظم وأجل وأكبر من كل نعيم. تحصيل الرضا والرضوان من رب العالمين سبحانه وتعالى. ولذلك، كما سمعتم، كان أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كانوا يتسابقون لتحصيل هذه المنزلة العظيمة. فهذا موسى عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل عنه في كتابه الكريم: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ [طه: 84]. وعجلت إليك ربي لترضى، عجلت وسارعت وسابقت لأجل تحصيل رضاك يا رب العالمين. فكان عجله، وكانت سرعته ومسابقته لأجل تحصيل الرضا من الله سبحانه وتعالى. وهذا سليمان عليه الصلاة والسلام، يقول الله عز وجل عنه في كتابه الكريم: ﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 19]. وأن أعمل صالحا ترضاه، أي أن أعمل عملا صالحا ألقى من خلاله وأتحصل به رضا الله جل وعلا، رضاك يا رب العالمين. وأن أعمل صالحا ترضاه. وهكذا كذلك زكريا عليه الصلاة والسلام يدعو ربه جل وعلا بأن يجعل ابنه يحيى رضيا عنده، أي مرضيا عنده. ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم: 5-6]. واجعله ربي رضيا، واجعله ربي رضيا، يعني اجعله مرضيا عندك، وارضَ عنه يا رب. فهذا من حرصه عليه الصلاة والسلام لابنه يحيى بأن يكون مرضيا عند الله سبحانه وتعالى. وأثنى الله سبحانه وتعالى على إسماعيل، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾ [مريم: 55]. وكان عند ربه مرضيا، فأثنى الله جل وعلا على إسماعيل، وأخبر الله جل وعلا أنه ممن رضي عنه جل وعلا. وهكذا كذلك نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، كان يسجد لله جل وعلا ويدعوه حال سجوده. ومن دعائه عليه الصلاة والسلام في سجوده أنه كان يطلب الرضا من رب العالمين جل وعلا، ويستعيذ برضاه، كما تقدم في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، في صحيح مسلم. قالت: افتقدت رسول الله عليه الصلاة والسلام ذات ليلة، فخرجت فإذا هو في المسجد، قال: فوقعت يدي على رجليه وهما منصوبتان، سمعته يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». فكان عليه الصلاة والسلام كذلك يحرص، وكان حريصا على تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا، لأن ذلك من أعظم النعيم الذي يتحصل عليه العبد. ولذلك أهل الجنة، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، وهم في الجنة، فالله جل وعلا يأتيهم ويجيء إليهم، فيقول لهم: «يا عبادي، هل رضيتم؟» فيقولون: «وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أدخلتنا الجنة، وأعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين؟» فيقول الله جل وعلا لهم بعد ذلك: «ألا أزيدكم؟» فيقولون: «يا رب، وأي شيء أفضل من هذا؟» أو كما يقولون، فيقول الله جل وعلا: «أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا». أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا. فهذا من أعظم النعيم، ما عندهم في نعيم الجنة إلا أن هذا النعيم أعظم، هذا النعيم أعظم من نعيم الجنة، لأنه به تكون الزيادة. نعم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله جل وعلا يقول: «أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا». فهذا من الأجر العظيم والنعمة العظيمة التي وفق لها العباد. لكن تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا لا بد له من العمل، لا بد له من العمل والجد والاجتهاد. فمن أعظم الأمور التي يتحصل بها على رضا رب العالمين جل وعلا تحقيق التوحيد لله جل وعلا. فالله جل وعلا لا يرضى إلا عن عباده الموحدين. أما من كان كافرا، فإن الله جل وعلا لا يرضى عن الكفر، ولا عن الكافرين، وإنما يرضى التوحيد، نعم، ويرضى الإسلام. ولذلك ثبت في حديث أبي هريرة في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا. يرضى لكم ثلاثا»، يعني هذه الأعمال هي من الأعمال التي هي سبب لتحصيل رضا رب العالمين جل وعلا. قال عليه الصلاة والسلام: «أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا»، وهذا هو التوحيد. وقال عليه الصلاة والسلام: «وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. توحيد، ولزوم جماعة المسلمين، والاعتصام، وعدم التفرق، وهكذا النصيحة في دين الله جل وعلا لولاة أمور المسلمين. فهذه من الأعمال التي هي من أسباب رضا رب العالمين جل وعلا. وهكذا كذلك الشكر، من شكر الله عز وجل رضي الله سبحانه وتعالى عنه. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7]. إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم. فمن شكر رضي الله جل وعلا عنه. من شكر الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام أيضا، كما جاء في الصحيحين، حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أو لعله في أحدهما، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها». فأنت يا عبد الله، هذه الأكلة التي تأكلها، إذا حمدت الله جل وعلا، فالله جل وعلا يرضى عنك. إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكل فيحمد الله جل وعلا عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها، لأن ذلك من شكر نعم الله جل وعلا. فمن شكر الله جل وعلا على نعمه رضي الله عنه. ومن سخط، والعياذ بالله، وجحد نعمة الله جل وعلا عليه، سخط الله جل وعلا عليه. ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، في قصة الثلاثة: الأقرع، والأبرص، والأعمى. هؤلاء الذين ابتلاهم الله جل وعلا، ابتلاهم الله جل وعلا بهذه العيوب وهذه الآفات. فابتلاهم الله جل وعلا، وأرسل إليهم ملكا. فأتى إلى الأبرص، وسأله حاجة، وطلب، طلب الأبرص أن يذهب الله جل وعلا عنه هذا البرص. وهكذا الأقرع، أن يذهب الله جل وعلا عنه القرع، والأعمى، أن يذهب الله جل وعلا عنه العمى. والأبرص طلب مئة من الإبل، وطلب الإبل، والأقرع طلب البقر، والأعمى طلب الغنم. وصاروا يعني أغنياء، وصاروا كذلك معافين من هذه الآفات ومن هذه العيوب. جاء الابتلاء، جاء الملك على هيئة رجل إلى الأبرص، ذكره ما كان عليه من برص ومن فقر، وأن الله جل وعلا أغناه، والآن هو يريد الوصول إلى أهله ولا يجد مالا، ولا يجد بعيرا يركب عليه لأهله. فسأله بعيرا واحدا، فتنكر هذا الأبرص، ونسي ما نعم الله جل وعلا به عليه. قال: هذا المال ورثه كابر عن كابر. فجحد نعمة الله، فدعا عليه بأن كان كاذبا، صيره الله جل وعلا إلى ما كان عليه، يعني من البرص ومن الفقر. وجاء الأقرع، وهكذا، طلب منه بقرة، وهكذا الأقرع جحد نعمة الله جل وعلا عليه، ونسب المال إلى نفسه وإلى آبائه، وجحد نعمة الله، فدعا عليه بأن يصيره الله جل وعلا على ما كان عليه. ثم أتى الأعمى، فذكره بما كان عليه من العمى والفقر، وأن الله جل وعلا أنعم عليه بالبصر وبهذا المال، وهو الآن محتاج إلى يعني غنمه، وإلى شاه من هذا الغنم، الذي هو واد من الغنم. وللأقرع صار واديا من البقر، وللأبرص صار واديا من الإبل. فالأعمى قال له: خذ ما شئت، فوالله لا أجهدك على شيء أخذته لله. فاعترف بنعمة الله، فقال له هذا الملك الذي هو على هيئة رجل: «أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك». فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك. رضي الله جل وعلا عنه لأنه ماذا؟ شكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه. وهكذا كذلك من أسباب تحصيل رضا رب العالمين: تقوى الله جل وعلا، والإخلاص في الأقوال والأعمال، وفي العبادات، وفي الصدقات. فالتقوى والإخلاص من أعظم أسباب تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ [الليل: 17-21]. هذه الآية، وهذه الآيات، فيها أسباب لتحصيل رضا رب العالمين جل وعلا، منها التقوى والإخلاص. فمن اتقى الله جل وعلا وأخلص لله سبحانه وتعالى، رضي الله جل وعلا عنه. ومن أسباب تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا: الصدق، أن يصدق الإنسان في أقواله، وأن يكون صادقا كذلك في أعماله وفي عبادته. فالصدق من أعظم أسباب تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [المائدة: 119]. ذلك الفوز العظيم، رضي الله عنهم ورضوا عنه. هؤلاء الذين صدقوا مع الله جل وعلا، فكانوا مع الصادقين، وكانوا من الصادقين. فالصدق من أسباب تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا. وهكذا كذلك الخشية والخوف من الله جل وعلا. فمن كانت عنده خشية لله جل وعلا، وعنده خوف من الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء يرضى الله جل وعلا عنهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [النازعات: 40]. وبعد أن ذكر الإيمان والعمل الصالح، الذي هو أيضا من أعظم أسباب تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة: 7-8]. فالإيمان والعمل الصالح والخشية من الله جل وعلا هي من أسباب تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا. كذلك كذلك التوكل على الله سبحانه وتعالى. فمن توكل على الله جل وعلا، وصدق في الاعتماد على الله جل وعلا في جلب منافعه ودفع المضار عنه، وأخذ بالأسباب الشرعية، فإن الله جل وعلا يرضى عنهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران: 173-174]. فهؤلاء الذين توكلوا على الله جل وعلا، خوفهم الناس بكثرة أعدائهم، وبكثرة كذلك عددهم وعتادهم، ولكن ذلك لم يحرك فيهم ساكنا، وذلك لعظيم توكلهم على الله جل وعلا. قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. هؤلاء الذين اتبعوا رضوان الله جل وعلا، فلذلك رضي الله جل وعلا عنهم. فأنت يا عبد الله، إذا اشتريت رضوان الله جل وعلا، وبعت نفسك لتحصيل رضا رب العالمين جل وعلا، فأنت الفائز في الدنيا والآخرة. وفرق بين من يشتري رضا رب العالمين، وممن يشتري، والعياذ بالله، سخط الله سبحانه وتعالى. فهذا الذي يسعى في ليله ونهاره، وفي صباحه وفي مسائه، وفي لحظاته كلها، إلى تحصيل رضا رب العالمين، فإنه يؤسس بنيانه على تقوى من الله جل وعلا ورضوان. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: 109]. فهذا جعل أعماله لأجل رضا رب العالمين، لم ينظر إلى الجزاء من الناس، ولا إلى السمعة، ولا إلى الجاه، ولا إلى الشرف، ولا إلى المال، وإنما هدفه وغايته رضا رب العالمين جل وعلا. فكانت أعماله مبنية على تقوى، وكانت أعماله مبنية كذلك على رضوان الله جل وعلا. بخلاف ذلك الذي يسعى في سخط الله. فالناس على صنفين في هذه الدنيا: فمن الناس من يسعى لتحصيل مرضات الله، ومن الناس من يسعى، والعياذ بالله، لتحصيل سخط الله جل وعلا. يقول النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال عليه الصلاة والسلام: «كل الناس يغدو، فبايع نفسه، فموبقها أو معتقها. بايع نفسه، فموبقها أو معتقها». موبقها يعني مهلكها، ومعتقها أي من نار جهنم. فهذا الذي هو يسعى في إنقاذ نفسه من نار جهنم، يسعى في رضا رب العالمين جل وعلا. لا يرضي الناس بسخط الله، نعم، كما هو حال كثير من الناس، أعمالهم مبنية على رضا الناس. إذا أراد أن يفعل شيئا، نظر أولا: هل سيرضى عنه الناس، أو أنهم لا يرضون؟ ثم بعد ذلك فعل. وهذا، والعياذ بالله، سبب لتحصيل سخط الله جل وعلا. فأنت يا عبد الله، إذا صارت أعمالك فيها مراقبة لرضا الناس، هل يرضون أم يسخطون؟ يسخط الله جل وعلا عليه، ويسخط كذلك عنك الناس. كما جاء في بعض السنن، من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من التمث رضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس. ومن التمث رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عنه الناس». فالنتيجة يا عباد الله، في إرضاء الناس، السخط من كل جانب. هذا الذي تسعى في مرضاته، لا يتحقق لك ذلك، وإنما يتحقق لك السخط من رب العالمين، والسخط كذلك من هذا الشخص. لكن إذا كان هدفك رضا ربك جل وعلا، فيرضى الله جل وعلا عنك، ويرضى كذلك، ويرضي كذلك عنك هؤلاء. وهكذا عباد الله، الصبر على أقدار الله، الصبر على الابتلاءات، الصبر على قضاء الله. الإنسان في هذه الدنيا يقابل ألوانا من الابتلاءات، وأنواعا من المصائب، وكذلك من الأقدار، ومن قضايات الله جل وعلا. فالواجب الصبر، لأن هذا من الابتلاء، لأن هذا من الابتلاء. فالذي يصبر على ابتلاء الله جل وعلا، وعلى قضائه وقدره، فإن الله جل وعلا يرضى عنه. وأما الذي لا يقابل هذه الابتلاءات، وهذه المصائب، وهذه الأقدار، بماذا؟ بالصبر والاحتساب، فإن الله جل وعلا يسخط عليه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم. إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم. فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». فمن رضي فله الرضا، أي من الله جل وعلا، ومن سخط فعليه ماذا؟ السخط، أي أن الله جل وعلا يسخط عليه. أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا من أحرص الناس على تحصيل رضا رب العالمين جل وعلا. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ﴾ [الفتح: 29] الآيات. فعباد الله، الرضا من رب العالمين جل وعلا صفة من صفاته جل وعلا، ومن عظم الله جل وعلا، فإنه يسعى في مرضاته سبحانه وتعالى، ويسعى في أسباب تحصيل رضاه جل وعلا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن رضي الله جل وعلا عنه، وجعله من أحبابه، وممن أكرمه في الدنيا والآخرة. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.