عقيدة أهل السنة والجماعة 49

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الشر في المقضيات وحكمة الله فيه

يبيّن المقطع أن الشر في مقضيات الله ليس محضاً بل خير من وجه آخر كإقامة الحدود التي تكفر السيئات. ويؤكد أن أفعال الله كلها خير وحكمة حتى خلق إبليس ابتلاء يترتب عليه طاعة المؤمنين وقهر الشيطان.

الحكمة من خلق المخلوقات التي يُرى فيها شر

يوضح المقطع أن كل مخلوق حتى ما يُرى شراً كالنار والحيات والذباب خُلق لحكم عظيمة منها إرغام الجبابرة وتذكير الناس بحقارة الدنيا. ويستشهد بقصة سعيد بن المسيب الذي احتج بأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة.

حكمة الله في قضاء الشر الظاهري لجلب الخير

يبين المقطع أن ما يبدو شراً كونياً كالفقر والمرض والموت إنما قضي لحكم عظيمة منها إيقاظ الناس ودعوتهم للتوبة والرجوع إلى الله. مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

أثر الاعتبار والتأمل في تعظيم الخالق وعظم المعصية

يشير المقطع إلى أن الاعتبار والتأمل في مخلوقات الله يدفع المؤمن لتعظيم قدره وإدراك عظم المعصية عند مخالفتها. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: «إنما يكون الشر في مقضياته». لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعاء القنوت الذي علمه الحسن: «وقني شر ما قضيت»، فأضاف الشر إلى ما قضاه. ومع هذا، فإن الشر في المقضيات ليس شراً خالصاً محضاً، بل هو شر في محله من وجه، خير من وجه، أو شر في محله، خير في محل آخر. ذكر المصنف رحمه الله تعالى هذا الكلام لبيان أن الشر إنما هو في مقضيات الله جل وعلا. فالشر في مقضيات الله، الشر في المقضي: إبليس شر، والنار شر، والفساد شر، نعم، والكافر شر. هذه المقضيات هي شر، خلقها الله جل وعلا، وهي شر. منها ما هو شر محض بالنسبة للمخلوق، كإبليس، فإبليس شر، نعم، بالنسبة للمخلوق. وهناك مقضيات قضاها الله جل وعلا هي شر من وجه للمخلوق، وخير من وجه آخر: شر لأنه يتأذى بها، ولكنها خير له، مثل إقامة القصاص عليه إذا قطعت يده، أو جلد ظهره على الزنا، فترتب عليه قيام حد الزنا وهو ليس بمحصن فجلد. هو يكره ذلك وهو شر، لكن هذا الشر الذي هو بالنسبة له خير له من وجه آخر. أين الخير من وجه آخر؟ تكفر عنه السيئات بإقامة هذا الحد عليه، فلا يطالب، فلا يطالب في الآخرة بشيء لأنه قد أقيم عليه الحد، من قطع يده أو رجمه، أو كذلك ضرب ظهره إلى آخر ذلك من الحدود. فهي في نظره شر، لكنها ليست شراً محضاً؛ شر في محل، خير في محل آخر، شر من وجه، خير من وجه آخر لهذا المخلوق؛ لأنه لولا إقامة هذه الحدود عليه لطُولب يوم القيامة، طُولب يوم القيامة بإقامة هذا عليه. وإقامة هذا عليه في الدنيا خير له من إقامة ذلك عليه في الدار الآخرة. هذه الشوكة، حتى الشوكة التي يشاكها، نعم، هو يكرهها ويتأذى منها حين يشاكها، لكن هذا خير، خير له من وجه آخر؛ لأنه يكتب له به الأجر، نعم، يحتسب، يكتب له أجر. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى الشوكة يشاكها». فإذا نظرنا في مخلوقات الله جل وعلا، وجدنا منها ما هو شر محض بالنسبة للمخلوق، ومنها ما هو شر من وجه لكن هو خير من وجه آخر. ولذلك قضى الله جل وعلا هذا، وخلق هذا: خلق الشر المحض الذي هو شر محض للمخلوق كإبليس، وخلق الشر بالنسبة للمخلوق الذي هو من وجه خير من وجه آخر. كل ذلك خلقه الله جل وعلا وقضاه كونا وقدرا. هذا القضاء وهذا المقضي بالنسبة لله جل وعلا هو خير، هو خير. حتى الشر المحض الذي هو بالنسبة للمخلوق شر محض كإبليس، هو بالنسبة لفعل الله جل وعلا وقضاء الله جل وعلا خير. خلق إبليس خير، لماذا؟ لأن إبليس خلق لحكمة. فما قضاه الله جل وعلا قضاه لحكمة، وأفعال الله جل وعلا معللة، لا كما تقول الأشاعرة: «أفعال الله غير معللة»، أي أنها لحكمة. فإذا كان قضاء الشيء لحكمة ومصلحة، صار ذلك خيراً، صار ذلك خيراً. قد يقول قائل: وأين الخير في خلق إبليس؟ نقول: نعم، خلق الله جل وعلا إبليس، هذا الشيطان اللعين، نعم، الذي أقسم بعزة الله جل وعلا أنه يغوي العباد. هناك من العباد من يغتر بهذا الشيطان فلا يطيعه، نعم، بل يعصيه، ويغتر بطاعته لله جل وعلا والصبر عن الوقوع في محارم الله جل وعلا، ومجاهدة النفس على عدم الاستجابة لأوامر هذا اللعين. كل هذه الأمور محبوبات عظيمة لله جل وعلا. كيف ترتبت؟ ترتبت من قضاء إبليس وخلق إبليس. فإذا صار خلق إبليس لحكمة عظيمة ترجع إلى الله جل وعلا بمحبوبات عظيمة يحبها: طاعة العباد، نعم، وذل الشيطان، وقهر الشيطان، وعدم عبادته والاستجابة له. مصالح عظيمة ترتبت من خلق إبليس الذي هو بالنسبة للمخلوق شر، فصار القضاء هذا بالنسبة لله جل وعلا خيراً، بالنسبة لله جل وعلا خيراً. فإذا ليس في أفعال الله جل وعلا شر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والشر ليس إليك». لا ينسب لأفعال الله، أفعال الله كلها خير. حتى الشر الذي في المقضي وخلقه الله عز وجل، يترتب عليه مصالح عظيمة يحبها الله جل وعلا، ترتبت من قضاء هذا الشر وخلق هذا الشر، فصار قضاء الله خيراً. ولذلك نحن نقرأ في قول الله جل وعلا: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، أي من شر ما خلقه الله جل وعلا من المخلوقات التي فيها شر، فنحن نستعيذ بالله جل وعلا منها. فهذه المقضيات التي فيها شر هي بالنسبة للمخلوقين، لماذا؟ لأنها لا تلائم المخلوقين، نعم، ولا يحبونها لذاتها. ولكن ربنا، ربنا سبحانه وتعالى قضاها وخلقها لمصالح ولحكم عظيم. لم يخلق ربنا عز وجل شيئاً عبثاً، أبداً، أبداً. خلقاً، خلقاً، خلقاً، خلقه، خلقه لحكمة، مصالح عظيمة. النار، الكفار، الحيات، العقارب، كل ما خلقه الله جل وعلا خلقه لحكمة عظيمة ومصالح عظيمة. فهذه المصالح وهذه الحكم العظيمة المترتبة من خلق هذه المخلوقات، سواء كانت هذه المخلوقات بالنسبة للمخلوقين شراً أو كانت خيراً، فما يترتب من خلقها من المصالح العظيمة والحكم العظيمة يدلنا على أن قضاء الله جل وعلا وفعله سبحانه وتعالى كله خير. حتى الذباب والبعوض. ولذلك لما قال بعض الناس: «من تأذى من الذباب»، نعم، حيث يحط على أنفه ويتضجر منه، قال: «ما فائدة من هذا الذباب؟» أيش الفائدة من هذا الذباب؟ يعني من باب الغضب، آذاه الذباب يحط على أنفه، قال: «أيش الفائدة من هذا الذباب؟ أيش الفائدة من خلقه؟» فأعطاه هذا حكمة عظيمة، موعظة بليغة، قال: «ليرغم أنوف الجبابرة». ليرغم أنوف الجبابرة، تعرف حقارة نفسك، مهما كان معك من الأموال، ومهما كان معك من المسؤوليات، المسؤوليات، ومهما كان معك من الجاه، فأنت تعرف حقيقة نفسك، حقيقة نفسك أنك ضعيف، يأتيك هذا الذباب ولا تستطيع أن تفعل به شيئاً. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. فلو ما في حكمة من خلق الذباب إلا هذا، ليرغم أنوف الجبابرة، لكفى بها حكمة، تكفي هذه الحكمة من خلق الذباب، نعم. كيف هناك أيضاً مصالح وحكم عظيمة أخرى تترتب من خلق هذا المخلوق الضعيف، ألا وهو الذباب. وهكذا إذا جئت إلى البعوض، نعم، خلقه الله جل وعلا، حكم عظيمة. لو لم تكن الحكمة إلا معرفة البعوض فقط، ما هو هذا البعوض، كيف هذا البعوض، نعم، لو لم تكن لهذه الحكمة عرفنا كيف هذه البعوض، وما هو شكلها، وما هو وزنها، وما هو مقدارها، تكفي هذه الحكمة، تكفي هذه الحكمة في خلق البعوض أننا نعرف هذا المخلوق. تكفي لكي نعلم بعد ذلك حقارة هذه الدنيا، لكي نعلم بعد ذلك حقارة هذه الدنيا وأنها حقيرة، حين تزن هذه الدنيا بجناح هذه البعوضة، وأنها لا تساوي جناح بعوضة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة المتفق عليه: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ السَّمِينِ الْعَظِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يَزِنُ عِندَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ». نعم، كيف نعرف ذلك؟ هذا رجل سمين عظيم، لكن ليس عنده طاعات ولا عنده حسنات، فلا يزن عند الله جل وعلا جناح بعوضة. إذا علمنا كيف البعوضة، علمنا مقدار هذا وقيمة هذا الرجل، نعم. ورحم الله سعيد بن المسيب رحمة واسعة، حين أراد ابن الأمير أن يتزوج ابنته، وهي عالمة فقيهة ذات جمال وذات حسب وذات علم وذات دين، جاء يخطبها ابن الأمير، فجاء إلى هذا الرجل سعيد بن المسيب وقال له: «يا سعيد، جاءتك الدنيا، جاءتك الدنيا». قال: «كيف؟» قال: «ابن الأمير يريد البنت، تزوج البنت، جاءتك الدنيا يا سعيد». قال: «سبحان الله، إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، فماذا يقتص لي من هذا الجناح؟ ماذا عسى أن يعطيني؟ هي لا تزن عند الله جناح بعوضة، فماذا سيقتص لي من هذا الجناح؟» يعني من هذه الدنيا، وإلى جزاء جناح بعوضة، ماذا سيقتص لي من هذا الجناح؟ نعم، فزوجها طالب علم، نعم، صاحب خلق وصاحب دين. ما كانوا يريدون الأموال ولا يريدون الدنيا، يريدون الرجال، يريدون أهل الدين. الشاهد، بارك الله فيكم، أن ما خلق الله سبحانه وتعالى من مخلوقات في هذه الدنيا، هو حكم عظيمة، حكم عظيمة. ما خلق الله جل وعلا شيئاً عبثاً، أبداً. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. أبداً، ما خلق الله جل وعلا شيئاً عبثاً، كما سمعتم. حتى إبليس، هذا المخلوق الذي هو من أعظم خلق الله جل وعلا شراً، بأنه هو رأس الشر، خلقه الله جل وعلا لحكمة ولمصالح، فعاد هذا إلى قضاء الله جل وعلا له وخلقه خيراً، فصارت أفعال الله جل وعلا كلها خير. نصدق ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك». قال المصنف رحمه الله تعالى: «فالفساد في الأرض من الجدب والمرض والفقر والخوف شر، لكنه خير في محل آخر». قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وهذا كذلك مثال عظيم ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم، يبين لنا أن هذا المقضي من الشر هو قضي لحكم عظيمة ولمصالح عظيمة. الفساد في الأرض، الفساد شر، لكن لماذا خلقه الله جل وعلا وقضاه كونا وقدرا وهو شر؟ الجواب في نفس الآية، الجواب في نفس الآية: ليرجع الناس إلى ربهم سبحانه وتعالى. إذا ظهر الفساد، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، ما الحكمة؟ ما العلة؟ ﴿لِيُذِيقَهُم﴾، اللام لام التعليل، ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فصار من قضاء الفساد كونا وقدرا رجوع الناس إلى ربهم جل وعلا. وهذه، ظهر الجدب والفقر والابتلاءات والمصائب، هذه تجعل الإنسان يتوقف ويعيد النظر ويعمل الحسابات لما هو قادم عليه. فهذه الابتلاءات والمصائب تذكر الإنسان، موت القريب من أب أو أخت أو أخ أو أم، لا يحبه المخلوق، لا يحبه المخلوق، يكرهه، نعم، لكن هو خير له في محل آخر. ربما يكون هذا من المعرضين، نعم، ومن الواقعين في محارم الله جل وعلا، فيموت عليه قريب، فتكون له موعظة، تكون سبباً في انتقاله مما كان عليه من الظلم والإعراض والاعتداء على الناس إلى الاستقامة على شرع الله جل وعلا. وما أعظم الموت، وكفى به واعظة. ولذلك رغب النبي عليه السلام في كثرة تذكره: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات، الموت». وهكذا الابتلاءات الأخرى من ذهاب أموال، أو كذلك تدمير منشآت، أو سيول تجتاح البيوت وتأخذ الأنفس والأموال. بالنسبة للناس هذا شر، لأنه أخذ أموالهم وأخذ ربما أبنائهم ودمر بيوتهم. لكن ربما يكون خيراً لهم، لماذا؟ كي يرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، ويعلموا أن هذا تذكر لهم ليرجعوا. دمرت دول كانت على فساد، كانت على طغيان وعلى تمرد وعلى عدم استقامة وعدم التزام لشرع الله، فتن وبلايا، مصائب، نعم، فواحش معلنة، يعاقبها الله جل وعلا عقاباً عاجلاً بماذا؟ بتسلط بعض الناس عليهم، فتضعف سلطان الدول وتهن، فيعتبرون بهذا الذي حصل لهم، وإن كان في ظاهره هو شر لهم، نعم. كانوا ربما يظنون أنفسهم يتنعمون ويفعلون ما يشاءون، ولو كان على حساب شرع الله، لكن جاءهم هذا القضاء الكوني الذي قضاه الله جل وعلا، وهو بالنسبة لهم شر من هذا الوجه، لكنه خير لهم من وجه آخر، ففاقوا من غفلتهم ومما هم عليه من تمرد على شرع الله وإعراض، فرجعوا إلى دين الله. وهذا شيء ملاحظ في أمم من الناس، حصل لهم بعد ذلك الخير لسبب هذه الابتلاءات وهذه المصائب التي كانت يظنونها شراً بالنسبة لهم، وهي في الحقيقة خير لهم من وجه آخر. فإذا نظرنا في هذه الأمور، تبين لنا أن الله جل وعلا ما يقضي شيئاً شراً، ما يقضي شيئاً شراً ليس فيه نفع أبداً، أبداً. ما في شيء قضاه الله جل وعلا كونا وقدرا لا مصلحة فيه ولا نفع فيه أبداً، بل كل ما قضاه الله سبحانه وتعالى كونا وقدرا فهو خير، فهو خير، لأن ذلك فعل الله جل وعلا الذي لا ينسب إلى فعله الشر، بل أفعاله جل وعلا كلها أفعال خير وحكمة. لكن هذا يريد نظراً من العباد، لا ينظرون بعين واحدة وبأنانية وبنظر فقط قاصر لما تهواه شهواتهم أو تمليه عليهم أنفسهم الأمارة بالسوء، لا، وإنما يحتاج لنظر وتفكر، ليعلم بعد ذلك العبد أن ما قضاه الله سبحانه وتعالى في ملكوته قضاه لحكم عظيمة، علم منها ما علم، وجهل منها أكثر مما علم، فيعلم أن الله سبحانه وتعالى أفعاله جل وعلا كلها خير وكلها حكمة. وهذا بالتدبر في مثل هذه الآيات العظيمة، ومنها ما سمعتم في هذه الآية التي ذكر الله جل وعلا فيها ظهور الفساد في البر والبحر، وإن كان هذا مكروهاً لكن يكون خيراً، لأنه بسببه يرجع الناس إلى ربهم جل وعلا، وينيبوا، ويصححوا مسارهم، ويسيرون إلى الله جل وعلا بقلب ينظر في شرع الله، وينظر كذلك في ملكوت الله جل وعلا نظر اعتبار ونظر تأمل، يكون سبباً في تعظيمهم لما قدر الله جل وعلا وخلق في هذه الحياة، وبعد ذلك يعلمون إذا وقعوا في المعاصي عظم هذه المعصية، لأنهم عصوا بها ربهم سبحانه وتعالى العظيم الذي أمره أن يقول للشيء كن فيكون. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.