الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 74، الدرس الرابع والسبعون:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا عمران بن ميسرة ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقك بها عكاشة هذا حديث حسن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ شرح أحاديث نبوية حول الرقية والحمة والعين، وأوضح شروط دخول الجنة بغير حساب مثل التوكل على الله وعدم الاسترقاء. كما تطرق إلى أحاديث عكاشة بن محصن وأبي هريرة وابن مسعود.
المقطع يشرح دلائل نبوته ورسالته من خلال حديث عكاشة بن محصن، ويبين أن إخباره عن أناس بأنهم من أهل الجنة أو النار يدل على صدق نبوته. كما يذكر أهمية التوحيد وتركه التعلق بغير الله.
يتناول المقطع آداب التعامل مع الناس وضرورة تحسين الجواب وتجنب الإحراج، كما يختتم بمسألة فقهية حول سهو ركن من أركان الصلاة. ويتناول أيضاً حكم خروج وقت الصلاة وأهمية أدائها في وقتها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله: حدثنا عمران بن ميسرة، قال: حدثنا ابن فضيل -وهو محمد-، قال: حدثنا حسين، عن عامر، قال الشيخ: قال الحافظ في «الفتح»، ثم وجدته في نسخة الصاغاني، قال أبو عبد الله: والمصنف إنما أردنا من هذا حديث ابن عباس والشعبي عن عمران مرسلًا؛ لأن عامرًا هو الشعبي، فيكون أورد هذه الرواية وأورد لها رواية أخرى؛ لأن حديث ابن عباس ثابت، أصله ثابت، لكن أوردها لأجل الزيادة في قصة عمران، كما سيأتي إن شاء الله. قال: عن عامر -وهو الشعبي- عن عمران بن حسين رضي الله عنهما، قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة». والعين معروف، هو ما يصاب الإنسان من نظر الإنسان الآخر إليه على وجه غير مرضي، إما معه حسد أو معه بغض أو غير ذلك. والحمى هو كذلك ما يصيب الإنسان مما يحمي به الجسد أو يحمي به الموضع الذي أصيب به، سواء لدغة عقرب أو قرصة نملة أو عضة حية أو نحو ذلك من أنواع ما يصيب الإنسان، فيكون سببًا لحمى الجسد أو أن يحمى المكان الذي أصيب فيه، فهو عام. قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة»، فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: حدثنا ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم، قلت: ما هذا؟ أأمتي هذه؟ قال: قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء، فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب»، ثم دخل ولم يبين لهم -يعني من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب-، قال: فأفاض القوم، وقالوا: نحن الذين آمنوا بالله واتبعنا رسوله، فنحن هم، أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام؛ فإنا ولدنا في الجاهلية، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج، فقال: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون». فقال عكاشة بن محصن: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: «نعم»، فقام آخر، فقال: أمنهم أنا؟ قال: «سبقك بها عكاشة». وأخرجه مسلم. قال: وقال البخاري، رحمه الله: حدثنا أبو اليمان -وهو الحكم بن نافع-، قال: أخبرنا شعيب -وهو ابن أبي حمزة- عن الزهري -محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري-، قال: حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يدخل الجنة من أمتي زمرة، هي سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر». فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه، فقال: ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم، فقال: «اللهم اجعله منهم»، ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله لي أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبقك بها عكاشة». وأخرجه مسلم. قال: وقال أبو داود الطيالسي، رحمه الله تعالى -كما في ترتيب المسند-: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أريت الأمم بالموسم، فرأيت أمتي قد ملأوا السهل والجبل، فأعجبتني كثرتهم وهيأتهم، فقيل: أرضيت؟ قلت: نعم، قال: ومعهم أولئك سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعله منهم». فقام آخر، فقال: أدع الله عز وجل أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبقك بها عكاشة». قال: هذا حديث حسن. أورد شيخنا، رحمه الله، هذه الروايات لمعنى هذا الحديث، والمقصود منه هو بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن عكاشة بن محصن الأسدي من أهل الجنة الذين يدخلونها بغير حساب ولا عذاب، فمات عكاشة بن محصن رضي الله عنه وهو على ذاك الخير الذي تركه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يغير ولم يبدل، فدل ذلك أن ذلك من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام؛ إذ لو لم يكن نبيًا ولا رسولًا لأخطأ خبره، ولو مرة واحدة، فقد أخبر عن أناس كثر أنهم من أهل الجنة، فما أخطأ خبره في واحد قط، وأخبر عن أناس أنهم من أهل النار، وربما أنزل في بعضهم قرآن، ولم يثبت أن أحدهم ادعى الإسلام، فضلًا أن يسلم ممن أخبر عنه أنه من أهل النار، مع أنه بإمكانه أن يفعل ذلك ولو نفاقًا ولو مكابرة وعنادًا، إظهارًا لتكذيب النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ما في قلوبهم من الكراهية والحقد والعناد منعهم أن يفعلوا ذلك، آية من آيات صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر أن بعض الكفار أراد أن يطعن في دين الإسلام وهو يسمع عن الإسلام ولم يقرأ عنه، فلما قرأ في كتاب الله عز وجل تعجب من أشياء كثيرة في كتاب الله، كان يظن أن القرآن مليء بأخبار العرب والأعراب وقصص البدو ونحوها، كما هو حال كتب اليهود والنصارى مما في أيديهم، بل بعض نصوص التوراة والإنجيل فيها الكثير من القصص مما هو في أيدي اليهود والنصارى، فظن أن القرآن كذلك مليء بالقصص، فلما قرأه تعجب مما فيه، ومن مواضع التعجب: سورة «تبت يدا أبي لهب»، فإنها نزلت في عمه، وهو قرآن يتلى وهو حي، ومع ذلك ما تجاسر أبو لهب أن يكذب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مكذبه بالدعوة الإسلامية، تكذيبًا للقرآن الذي بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فجعل مثل هذا آية على صدق رسالته ونبوته ومعجزة عظيمة؛ فإن مثله لا يمكن أن يكون إلا لمن أيد بالغيب. فإذا كان هذا في واحد، فكيف بكثر أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنهم من أهل النار، والعكس: كثر آخرون أخبر عليه الصلاة والسلام أنهم من أهل الجنة، فكل هذا يدل على صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام، وهم لم يغيروا ولم يبدلوا، بل على ذاك الخير الذي كانوا عليه. وفي الحديث مسائل أخرى كثيرة، من أهمها: نقتصر على ذكر ثلاث مسائل. أولًا: قول عمران بن حسين: «لا رقية إلا من عين أو حمة»، يريد مشروعية الرقية في ذلك. فإيراد سعيد بن جبير للحديث يريد أن يبين أن الرقية وإن كانت مشروعة -أي طلبها- فهي خلاف الأفضل؛ لأن الأفضل والأكمل مما هو من كمال التوحيد عدم طلب الرقية، فالرقية جائزة فيما شرعت له -يعني في المواضع المشروعة وبالطريق المشروعة-. وقد مر معنا في دروس ماضية أن الرقية تشرع بشروط، ما هي هذه الشروط؟ نعم، بالكتاب وبما صح من السنة، ثانيًا: باللسان العربي، ثالثًا: أن يعتمد على الله لا على الرقية، أن يعلم أن الله هو الذي يشفي، ليست الرقية بعينها، فلا يعتمد على الرقية ولا الراقي، رابعًا: أن لا تحتوي شيء من معنى الشرك، ومنه: أن لا يكون فيها معنى غير مفهوم ولا معلوم. وفي الحديث كذلك من المسائل: فضل التوحيد أهل التوحيد، وأن من فضل إكمال التوحيد أنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وأن من كمال التوحيد ترك التعلق بغير الله من الأسباب وغيرها؛ لأن معنى «لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون»: هذا معناه شيء واحد، يعني الشيء الجامع بين هذه الأوصاف الثلاثة هو عدم الاعتماد على غير الله. وقد يقول قائل: الذي يطلب الرقية هو معتمد على الله، فالجواب: أنه لإزالة شائبة التعلق التي قل أن يسلم منها أحد إذا طلب مثل هذه الخصال الثلاث، فإنه كان ذلك من كمال التوحيد الذي يطلب الرقية يحصل في قلبه شيء من التعلق، إما بالراقي أو بالرقية؛ لأنه يستطيع أن يرقي نفسه، فكونه ترك رقية نفسه واتجه إلى طلب الرقية من غيره، هذا يدل على وجود شائبة التعلق إما بالراقي أو بماذا؟ أو بالرقية من غيره. ولذلك كان من كمال التوحيد ترك طلب الرقية من الغير، ولكنه ليس بحرام، هو ليس بحرام، لكن من كمال التوحيد، ومثله التطير، وهو التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم، وهكذا كذلك طلب الكي؛ لأنه في الغالب يكون علاج بغير الكي، والعلاج بالكي كما قال بعض أهل العلم: ليس هو مضمون النتيجة، فكون الرجل يرضى لنفسه به، فهو فيه شائبة التعلق بالسبب مع وجود البديل. فلذلك كان الأفضل والأكمل ترك هذه الثلاث: ترك الأول والثاني، وأما التطير فلا شك أنه من الشرك الأصغر، ولكن ذكرها هنا؛ لأن من التطير ما قد لا يظهر على لسان ولا على فعل، وهو فيه شائبة الشرك الأصغر والتعلق بغير الله، فبعض الناس مثلًا ربما لا يتكلم، لكن إذا جاءت غرفته قدرًا الغرفة رقم 13 ربما يسكن فيها، ولا يكلم أحد أن في نفسه شيء، لكن يحك رأسه: لماذا جاءت للغرفة رقم 13؟ ويكره هذا الرقم، وإن كان قد تعلم أن لا تشاؤم لا بأرقام ولا بأيام ولا بألوان ولا بأي شيء، لكن هل صحيح هذا الذي يقوله بلسانه ويدرسه في دروسه؟ قلبه كذلك تابت على هذا؟ أم في قلبه شائبة؟ ربما بعض الناس في قلبه شائبة. وهكذا بعض الناس عندنا -ما شاء الله- تعلموا التوحيد والعلم، لكن ربما يثور بعض بقايا ذاك الخطأ الذي كان عليه ولو خفي، فربما بعضهم إذا قيل له: نتزوج يوم الأربعاء، العقد عقد الزواج يكون يوم الأربعاء، يقول: طيب، لكن في قلبه شيء، في قلبه شيء، يعني خلصت الأيام عندنا أيام كثيرة، ليش الله يريد يوم الأربعاء؟ مثل الامتحان له، فيبقى في قلبه حديث نفسي، ولو لم يتكلم به، ولو لم يعترض، ولو لم يقول شيء. وهكذا قل في أشياء كثيرة يحصل بها التطير أحيانًا، ولو لم يتكلم الإنسان به، فمن كمال التوحيد أن يزول التطير باللسان وبالفعل وبالقلب، لا يكون عنده تطير أبدًا، فيكون هذا موافقًا لمعنى «لا يسترقون ولا يكتوون». وفي الحديث كذلك من المسائل: بيان أن فضل ذوي الفضل لا ينال براحة الجسد، ولكن كما قيل: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»، «وللذين أحسنوا الحسنى وزيادة»، فعكاشة بن محصن الأسدي -كما ذكر الحافظ بن حجر في ترجمته- قال: كان قد بلي قبل هذا الحديث بلاءً حسنًا، حتى أنه جذع أنفه، رضي الله عنه أرضاه، فلما قال ما قال كان هو مستحقًا أن يكون من هؤلاء؛ لأجل أن نعلم أن بلوغ هذه الفضائل ليس هو بالأمان، ولا كذلك بالتمني الذي لا يكون معه عمل. ومع ذلك فمن لم يوفق إليه، فانظر إلى أدب النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان جوابه، وهذا كذلك معنى آخر لما ينبغي أن يتأدب به أهل الإسلام، أهل الإسلام عمومًا والدعاة وطلبة العلم خصوصًا، فإن استطعت أن لا تقول «لا»، فافعل، إن استطعت أن لا تقول «لا» في كلامك وفي معاملتك مع الناس، فافعل، فإن احتجت إليه فليكن بالتعريض. ما قال للرجل: «لا، لست أنت منهم»، ماذا قال له؟ قال له: «سبقك بها عكاشة»، خلاص مفهوم المعنى: سبقك بها عكاشة، يعني لست أنت منهم، لست أنت منهم، مع أن هذا الباب فيه كم؟ فيه سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومع ذلك لما كان هذا الرجل ليس منهم، قال: «سبقك بها عكاشة». وهكذا ينبغي أن يحسن الجواب الداعي وطالب العلم والمسلم عمومًا فيما يتعامل به مع الغير مما لا يكون فيه الأذية ولا الإحراج ولا غير ذلك. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. هذا سائل يقول: رجل سهى ركنًا من أركان الصلاة في الركعة الثانية، ثم ذكره بعد السلام، فماذا عليه؟ إن كان لا يزال في وقت الصلاة وفي موضع الصلاة، فليأت بركعة كاملة، يأتي بركعة كاملة ويسجد سجود السهو، وإن كان خرج وقت الصلاة، فبعض أهل العلم يقول: يأتي بركعة، وبعضهم يقول: يأتي بصلاة كاملة، فإن أتى بصلاة كاملة فهو أحسن؛ لأن جبر السهو مما علم عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يكون بعد السلام، وقال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، فلأجل ذلك قال من قال: يعيد الصلاة كاملة إذا خرج وقت الصلاة.