الدرس الحادي والثمانيون:من( قال مسلم رحمه الله:حدثنا أبو كامل حدثنا حماد يعني ابن زيد ... فقال يارسول الله إني لأطب الرجال ألا أعالجها لك قال:لا طبيبها الذي خلقها ).
يشرح حديث عبد الله بن سرجس عن رؤية النبي وأكل معه، ووصف خاتم النبوة بين كتفيه. يوضح معاني بعض الكلمات مثل الثريد والناغض والخيلان.
يصف خاتم النبوة وموقعه بين كتفي النبي، ومظهر النبي ولباسه. يروي أحاديث مختلفة تصف خاتم النبوة وتؤكد وجوده.
يتناول صفات النبي الخلقية والخلقية، ويبرز دلائل النبوة من خلال وصف الصحابة له. يشير إلى لين جانبه مع أصحابه وتعامله الودود، ويحث على العمل الصالح والمسؤولية الفردية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابي «الصَحيح المسند من دلائل النبوة»: قال مسلم، رحمه الله: حدثنا أبو كامل، وهو الجحدري، قال: حدثنا حماد، يعني ابن زيد. وحدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن مسهر. كلاهما عن عاصم الأحول. وحدثني حامد بن عمر البكراوي، واللفظ له، قال: حدثنا عبد الواحد، يعني ابن زياد، قال: حدثنا عاصم عن عبد الله بن سرجس. فأين التقاء الإسناد في هذه التحويلات؟ نعم، التقاؤها في عاصم، عاصم الأحول، التقت الثلاثة الأسانيد فيه. قال: قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأكلت معه خبزًا ولحمًا، أو قال: ثريدًا. والثريد هو ما يفت من الخبز واللحم، وإذا قال: خبزًا ولحمًا أو ثريدًا، معناه بعضه ثريد وبعضه ليس ثريد. وكانت هذه وجبة من وجبات العرب المشهورة، يعني يفت اللحم مع الخبز، وربما إذا تعجلوا فتوا بعضه وأكلوا البعض الآخر بغير فت، فهذا هو خبزًا ولحمًا أو قال: ثريدًا. قال: فقلت له: استغفر لك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولك. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. ومعنى «ولك» يعني حتى أنت، وممن لم تلقى النبي عليه الصلاة والسلام تدخل في عموم استغفار النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقد أمره ربه أن يستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات. قال: ثم درت خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى، جمعًا عليه خيلان كأمثال الثآليل. ومعناه: وهذا وصف أدق، أنه بين الكتفين في الأسفل جهة الناغض. وناغض الكتف هو الغضروف الذي يتحرك بحركة الكتف، يعني في أسفل العظم خلف الظهر. وقوله: في الأيسر، يعني في مقابل القلب، من الأسفل من الخلف، هذا هو الناغض، ناغض الكتف، أي: غضروف الكتف الذي يتحرك بحركة الكتف. وقوله: «جمعًا عليه خيلان كأمثال الثآليل» يعني حول هذه اللحمة المرتفعة التي مثل بيضة الحمام، وهي خاتم النبوة، حولها خيلان. والخيلان واحد خالة، وهي تلك الشامات السوداء الصغيرة التي تأتي في الإنسان في جسد الإنسان أحيانًا، قد تأتي في يده أو في وجهه أو في رقبته أو في أي موضع. فجمعها خيلان كأمثال الثآليل، يعني ليست خيلان مستوية مع الجلد، بل خيلان فيها شيء من الارتفاع. فالخيلان تنقسم إلى قسمين: قسم منها لون فقط، ليس له جرم، يعني أسود صغير له لون وليس له جرم يرتفع على الجلد. وقسم آخر يرتفع على الجلد مثل الثآليل. والثآليل هي تلك اللحمات التي ترتفع وتنمو، وربما كبرت فيتركها بعض الناس أو يقصها. فهو لا يريد أنها مثلها تمامًا، لكن يريد كعادة الخيلان، فعادة الخيلان أن تكون سوداء، إما على مستوى الجلد ولونه أسود، وإما أن تكون مرتفعة قليلًا، ولا تزيد في الارتفاع في الغالب، لا تكون مثل التآليل تمامًا، وإنما مثل أصغر صغار التآليل. وهذا وصف أدق لخاتم النبوة الذي كان في الجهة اليسرى ما بين الكتفين. قال أبو داود الطيالسي، رحمه الله، كما في ترتيب المسند: حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثنا معاوية بن قرة عن أبيه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أرني الخاتم. فقال: «أدخل يدي في جُبَاني» -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- فجعلت ألمس أنظر إلى الخاتم، فإذا هو على نَغْض كتفه مثل البيضة. فما منعه ذاك أن جعل يدعو لي، وإن يدي لفي جُبَانه. ومعنى الجُبان: يعني فتحة الثوب كالجراب، يعني الفتحة الصغيرة يدخل اليد منها. وقوله: «فإذا هو على نَغْض كتفه مثل البيضة»، نَغْض الكتف كما مر معنا هو الغضروف المتحرك في أسفل وسط الكتف مما يقابل من بض القلب. وبجانبه موضع يقال له اللَّخْنة، وليس هو النغض، ولكنه قريب منه. وقوله: في الجانب الأيسر، هذا توصف أدق، أي: الذي جاء في الرواية الأخرى. وهنا قوله: «على نَغْض كتفه»، نَغْض الكتف قد يكون في اليمين وقد يكون في اليسار. قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا إبراهيم أبو العباس، قال: حدثنا يوسف بن الماجشون عن أبيه عن عاصم بن عمر بن قتادة عن جدته رميثة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ولو أشاء أن أقبل الخاتم الذي بين كتفيه من قربي منه لفعلته»، يقول: اهتز له عرش الرحمن تبارك وتعالى، يريد سعد بن عبادة يوم توفي. قال: هذا حديث حسن. وكانت جدته صغيرة، يعني حين سمعت هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت كسائر البنات الصغار يحضرن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع آبائهن. والشاهد أنها وصفت كذلك خاتم النبوة بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا هشام بن عبد الملك وعفان، قال: حدثنا عبيد الله بن إياد عن أبي رِمْثة، قال: انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته، قال لي أبي: هل تدري من هذا؟ قلت: لا. قال لي أبي: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقشعرت حين قال ذاك، وكنت أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا لا يشبه الناس، فإذا بشر ذو وفرة. قال عفان في حديثه: «ذو وفرة، وبها ردع من حناء». ومعنى ذي وفرة: يعني له شعر وفير يصل إلى قرب الكتف. وبها ردع من حناء: يعني بقايا حناء. ومعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتني بشعره بالحناء. قال: عليه ثوبان أخضران. والصحيح أن الأخضر الذي كان يلبسه عليه الصلاة والسلام كسائر الثياب اليمانية التي تكون مخططة، ليست أخضر خالصًا، وإنما أخضر مشوب بغيره. مثل عندنا المعاوز مثلًا يقال: معاوز خضراء سباعية خضراء، وهل هي خضراء خالصة؟ لا، تأتي خضراء مشوبة بغيرها. والثوبان الأخضران: ثوب يلبس في الأسفل وآخر في الأعلى مثل الإحرام. وهذا كان من لبس العرب في ذاك الزمان، ولا يزال بعض أهل البادية إلى يومنا هذا يلبسون مثله. قال: فسلم عليه أبي، ثم جلسنا فتحدثنا ساعة، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي: «ابنك هذا؟» قال: إي ورب الكعبة. قال: «حقًا؟» قال: أشهد به. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكًا من ثبت شبهي بأبي ومن حلف أبي عليه. ثم قال: «أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه». قال: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قال: ثم نظر إلى مثل السلعة بين كتفيه، فقال: يا رسول الله، إني لأطب الرجال، ألا يعالجها لك؟ قال: «لا، طبيبها الذي خلقها». أورد شيخنا، رحمه الله، هذه الأحاديث في سياق ذكره لعلم من أعلام النبوة ودليل من دلائل صدق الرسالة، وذلك ما كان من وصف خاتم النبوة التي أخبر به أهل الكتاب من قبل أنه من صفة النبي الذي يظهر في آخر الزمان، فكان ذاك موجودًا في نبينا عليه الصلاة والسلام. ونقل ذلك عدد وفير من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، كلهم يصف خاتم النبوة، واشتهر ذلك بين الناس حتى صار الرجل يأتي من أبعد البلاد وعنده خبر خاتم النبوة فينظر إلى ذاك الخاتم ويعلم صدق ما أخبرت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من ظهور رسالة رسول من علاماته خاتم النبوة بين كتفيه عليه الصلاة والسلام. وفي هذه الروايات -كما رأينا- ذكر بعض الصفات الدقيقة لهذا الخاتم الذي كان بين كتفيه عليه الصلاة والسلام، وهذا يؤكد وجوده؛ فزيادة الوصف ودقته يدل على تأكيد ثبوت هذا الوصف. وهكذا كذلك في الحديث مسائل أخرى كثيرة، أو في هذه الأحاديث مسائل أخرى كثيرة، حسبنا أن ننتقي منها بعض المسائل. فمن مسائل هذه الأحاديث ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من الصفات الخلقية والخلقية. فمن الصفات الخلقية -وقد ألف العلماء في ذلك أي في الخلقية والخلقية من صفاته كتبًا سميت بالشمائل- وكذلك خصائص النبي عليه الصلاة والسلام. فمن صفاته الخلقية كونه عليه الصلاة والسلام كان كثير الشعر، وكونه عليه الصلاة والسلام كذلك كان يدهن شعره. ومعناه: بدأ يظهر فيه الشيب، إلا أنه لا يظهر إذا دهنه، ويظهر إذا شَعِثَ، أي: لم يدهن ذلك. وفيه كذلك وصف خاتم النبوة بهذه الأوصاف التي ذكرت، ومنها أنها لحمة ناتئة عند ناغض الكتف، أي: بارزة عند غضروف الكتف، عليها مجموعة من الخيلان كأمثال الثآليل. وهذا كان العرب يطبونه، يعني يزيلونه، مثل ما يزيلون غيره مما يكون ظاهرًا في الجسد، فيعطي شيئًا زائدًا كالثآليل وما كان بمعناها. وفيه كذلك من المسائل بعض صفاته عليه الصلاة والسلام الخلقية، ومن ذلك لين جانبه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، القريب والبعيد، حتى أنه يأتي إليه في مجلسه أصناف الناس: الغريب وليس بالغريب، والكبير والصغير، والذكر والأنثى. فهذه الأحاديث فيها ذكر هؤلاء الصحابة الذين حضروا مجلسه، ومنهم من كان صغيرًا كقصة الجدة، ومنهم من كان كذلك قصة ولد أبي رِمْثة أو أبي رِمْثة فيما رواه عن أبيه. وهكذا كذلك هؤلاء الصحابة الذين رأوا هذه الأحاديث، وفيه كذلك ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من تلاطفه في العبارة مع غيره، وضيافته. ومنها قصة أبي رِمْثة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لاطف هذا الصحابي بهذه الأسئلة التي سأله، فلما وجد فيه معنى من معاني حسن النية، طارفه عليه الصلاة والسلام بقوله: «حقًا؟» فقال: «أشهد به»، يعني بالنسبة لنسبة الولد له. وهكذا كذلك فيه من المسائل ما بينه النبي عليه الصلاة والسلام: أنه لا يَجْنِي أب على ابن، ولا ابن على أب؛ فكل إنسان بعمله، الأب بعمله والابن بعمله. ثم تلا عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. والمعنى أن كل إنسان يحرص على عمله الصالح لنفسه، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. هذا خلاصة ما يذكر في هذه الأحاديث، وبه نكتفي.